بينما يرى الإسلام- ذلك الدين القيم الحق- أن الإنسان حر الإرادة و أن إرادته تلزمه التبعية والمسؤولية أمام ربه والالتزام الأخلاقي أمام الناس و أن ذلك كله مرتبط بالبعث والجزاء الأخروي. (4)
والإسلام قد أعلى من شأن الإنسان واعتبره خليفة الله في أرضه وأكد كرامته واعتبرها كرامة ذاتية أصيلة لا تنبع من جنسه ولا من لونه ولا من بلده ولا من قومه ولا من عشيرته ولا من ماله ولا من عرض من أعراض الدنيا الزائلة وإنما تنبع من كونه إنسانا من هذا الجنس الذي أفاض عليه ربه التكريم وسخر له ما في السماوات والأرض ورزقه من الطيبات وفضله على غيره من المخلوقات (5) قال تعالى (( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) ) (الإسراء 70) .
والإسلام- من جهة أخرى- يفرض كفالة مشتركة بين أهله ويجعل العجزة والضعفاء والمحرومين موضع تقدير كبير ولا يطالب بإسقاطهم أو قتلهم بل على العكس يطلب لهم حمايات وضمانات كاملة ويعتبرهم موضع الرزق (( إنما ترزقون بضعفائكم ) ) (6)
وإذا كان القانوني الفرنسي"منتسكيو"يرى انه من المستحيل أن يرثي الإنسان للإفريقيين ذوي البشرة السوداء وانه لا يمكن للمرء أن يتصور أن الله سبحانه وتعالى- وهو ذو الحكمة السامية- قد وضع روحا طيبة داخل جسم حالك السواد... فإن المؤرخ المسلم- ابن خلكان- قد أعلنها صريحة ? إن البشرة السوداء لا تقلل من شرف النفس الطاهرة ولا تنقص من علم العالم ولا من سمو الفكر.
8)النظرة المجحفة للحياة...
لقد قرر القرآن الكريم أن الحياة البشرية ذات معنى و أن الإنسان هو محور فلسفة التاريخ والقرآن لا يعتبر الأرض مكانا للعذاب أو سجنا يسجن فيه البشر الآثمون في أصول تكوينهم لسبب خطيئة أصلية ذلك انه لا توجد أصلا خطيئة للبشر و أن خطيئة آدم قد غفرها الله له. (7) .
وكما يقول صاحب كتاب"الإسلام على مفترق الطرق" ( الإسلام ينظر إلى الحياة بهدوء واحترام ولكنه لا يعبدها. إن النجاح المادي مرغوب فيه ولكنه ليس غاية في ذاته بل يقود الإنسان نحو الشعور بالتبعية الأدبية في كل ما يعمل والغاية من جميع نشاطنا العملي يجب أن يكون خاتميا(8)
ومن هنا نرى أن الإسلام لا يقر الرهبنة التي تعزل الإنسان عن طيبات الرزق ولا يقر في الوقت نفسه الإباحية والتحلل الذي يحطم كيان الإنسان وهو حين يفعل ذلك يضع الإنسان في مكانه الحق من حيث هو بشر له أمانته ومسؤوليته وإرادته الحرة وحسابه وجزاؤه على أعماله . (9)
بينما تقرر الماركسية بتبجح لا يرتكز على برهان في مقولتها الواهية"لا اله والحياة مادة".
أما عند الرومان واليونان فالحياة مسرح للذة والشهوة والبطولات المتهورة وفرصة عفوية للتمتع بالجسد العاري والتسلي بمشاهدة الصراعات الدرامية بين الآلهة والإنسان وبين السادة والعبيد وأما عند اليهود فهي تنافس بغيض وفوضوي على مزيد من العنصرية والربا والمادية الطاغية والتخريب والتدمير للآخرين ثم جاءت النصرانية لتنحرف بها إلى الروحانيات الجافة والزهد الانهزامي والرهبانية الذليلة والنفور المقيت من الحياة والجهاد والتكسب.
وبعد...
يقول المفكر المسلم (أنور الجندي) "إن أحق الأديان بطول البقاء والأخذ بتجربتها وقيادتها للبشرية ما وجدت أحواله متوسطة بين الشدة واللين ليجد كل امرئ من ذوي الطبائع المختلفة ما يصلح به حاله في معاده ومعاشه ويستجمع له فيه خير دنياه وآخرته وكل دين أو مذهب لم يوجد على هذه الصفة بل أسس على مثال يعود بهلاك الحرث والنسل فمن المحال أن يسمى دينا فاضلا." (10) .
ولقد طوفت البشرية بين كثير من الأديان والمذاهب وجربت كل الأيدلوجيات المطروحة قديما وحديثا فهل حققت سعادتها المنشودة واكتمل رشدها وهل حافظت على مقوماتها وأخلاقياتها وكرامتها ؟ فلقد أذاقتها اليهودية سموم العنصرية الحمراء ولطختها بوحل المادية الطاغية ثم جاءت النصرانية فعطلت طاقاتها وطمست مواهبها وإبداعاتها وحالت بينها وبين زينة الحياة الدنيا بانتهاجها سبيل الرهبانية المبتدعة ولا يخفى على عاقل ما لاقته وتلاقيه من مجون الوجودية وانحلالها وشهوانيتها ومن بغي الشيوعية وطغيانها الأحمر الحاقد ومن جشع الرأسمالية وميوعتها ومن علمانية الغرب وإلحاده.
فهلا آن لها أن تستريح في ظلال التوحيد وتنعم بسماحة الإسلام وتكريمه وتوقيره وتسترد بالتالي نقاوة فطرتها وسالف عزها وأمجادها وما دنس وشوه من مقوماتها حتى تعود إلى استئناف دورها الخلافي في الأرض من الإصلاح والتعمير إلى نشر الخير والعدل والأمن..
هوامش ?
(1) الإسلام والعالم المعاصر- أنور الجندي -ص54
(2) المصدر السابق نفسه- ص 236
(3) فلسفتنا- محمد باقر الصدر- ص 34
(4) الإسلام والعالم المعاصر- ص 238
(5) مجلة الأمة- مقال النظرة الإنسانية في فلسفة التربية الإسلامية- عيسى حسن الجراجرة- ص 33 العدد 36
(6) الإسلام والعالم المعاصر- ص 214
(7) المصدر السابق نفسه- ص 164
(8) الإسلام على مفترق الطرق- محمد أسد
(9) الإسلام والعالم المعاصر- ص 250
(10) المصدر السابق نفسه- ص 295.
العطش الروحي... من يرويه ؟
في الوقت الذي يظن فيه المشدوهون والمبهورون بالحضارة الغربية... إن الغرب المتحضر قد اكتمل رشده الإنساني وبلغ سعادته المثلى وحاز الأهلية المطلقة في السيادة والريادة والسيطرة الأدبية والمادية على العالم... في الوقت ذاته تتعالى صيحات عميقة منذرة من قلب هذا الغرب من عقلائه ومفكريه وفلاسفته تحذر من إهمال الوجه الروحاني للحضارة ومن فراغ هذه الأخيرة من المثل والقيم والالتزامات الأخلاقية.... مما يعتبره هؤلاء المفكرون الغربيون مؤشر هدم خطير وهو اعتبار واقعي وموضوعي.
أي إن ما ننعته نحن الآن ومن سنين في الشرق الإسلامي بأسباب تخلفنا ومن مواصفات رجعيتنا وجمودنا وبالمعوق لتحضرنا وتقدمنا ... اصبح هو المؤمل المرتجى عند عقلاء الغرب وأرباب هذه الحضارة.
ذلك أن الأديان التي نبذها في أول العهد منظرو هذه الحضارة أزاحوا ظلها عن تفكيرهم وحرصوا على محو أي اثر لتعاليمها فيما يقولون ويعملون ولم يتخذوا منها ولو لبنة واحدة كبرت أم صغرت في بنائهم لحضارتهم إذ اعتبروا الدين والتدين مسألة شخصية... ثم هو مخدر وأفيون يصرف الشعوب عن التمدن والبناء والتغيير و أن على الإنسان وحده أن يبحث عما يلائمه حتى بلغ الأمر بهم أن علقوا إبان الثورة الفرنسية في قرية ( هوتفيلر) منشورا يقول"ابتداء من الغد على مواطني ومواطنات هذه القرية أن لا يعترفوا بأية عبادة باستثناء عبادة العقل والحرية والمساواة وأما مبنى الكنيسة الذي اغلق الآن فسوف يصبح معبدا للعقل ويخصص من الآن للاحتفال بالأعياد الوطنية".
بعد كل ذلك العداء الظاهر والباطن والتهكم الصارخ اصبحوا الآن ينظرون إلى الدين والتدين والقيم والمثل والالتزام الخلقي والروحانيات على أنها الواقي الصلب الذي يحول بين الحضارة والاندثار بعد ما رأوا بطلان اطروحاتهم وفساد نظرياتهم وشلل رؤيتهم.
ولن اذهب بكم بعيدا فهذا"توينيبي"يقول في إحدى محاضراته"إن الأديان الكبرى جميعا مهملة وآخذة في الانحسار وربما توقف مستقبل الجنس البشري على عودتها ثانية إلى سيطرتها السابقة على البشرية""ثم إن الإنسان الغربي وهو تائه في غمار حضارته قد فشل في دوره كإله ارضي و أقر بأنه يفتقر إلى شيء ما ليكون سعيدا" ( ماهو الغرب ؟ راشد الغنوشي)
سفينة بلا قيادة ..