ثم هناك علة أخرى كامنة فينا وهي سوء فهمنا للحقيقة الاجتماعية والحقيقة العلمية ? فنحن في تعاملنا مع الغرب لم نفرق بين الصيغتين وكان ذلك مصدرا آخر لتخلفنا وترسيخا لتبعيتنا.. فقد ظننا بعد أن تبينا الغرب كمثل أعلى نرنو أتليه في عليائه ونتمنى اللحاق به على عجل ودون كدح وجهد.. ظننا أن كل ما يتقيؤه الغرب من نظريات وأفكار وفلسفات ومطارحات هي بمثابة الحقائق والقضايا العلمية التي مادامت صحتها ظهرت في الغرب فمن المؤكد أن تصح وتؤتي ثمارها عندنا أيضا وغفلنا عن ترتيبها ضمن الحقائق والقضايا الاجتماعية التي تخضع لمعيار آخر غير الصحة والبطلان..فهي خاضعة للزمان والبيئة والدافع فمثلا قضية نبذ الدين وفصله عن الساسة والنشاطات الاجتماعية هي قضية اجتماعية وليست علمية.. نجحت في الغرب وآتت أكلها هناك .... وفشلت عندنا لأن الدافع والبيئة والزمان مغايرين لما عند الغرب وقس على ذلك قضايا المرأة والأسرة والأخلاق.
5)خاتمة
فماهو السبيل إذن إلى تدارك خطئنا وماهو المسلك السليم لبناء حضارتنا؟
إن الحياة كما قال الفيلسوف المسلم محمد إقبال ? جهاد لتحصيل الاختيار ومقصد الذات أن تبلغ الاختيار بجهادها.
وبناء حضارة راقية صالحة تسعد في أعطافها البشرية ويعم فيها العدل والخير والأمن وإخراج مجتمع متطور إنساني يحتاج إلى أناس طيبين أحرارا يعتزون باستقلالهم في كل المجالات وبكرامتهم ويثقون في أنفسهم... أما التميع والتبعية والإمعية الغبية والشعور بالنقص فلن يخلق سوى نفوس مشوهة رخوة لا تستطيع بأي حال إرساء أسس حضارية قابلة أن تخرج المجتمع الإنساني من الجور والظلم إلى العدل والحرية والنور.
فالقضية إذن ليست قضية أدوات ولا إمكانات ( هذا لا يعني النفي التام لهذه الأسباب ) إن القضية كانت في أنفسنا إن علينا أن ندرس الجهاز الاجتماعي الأول وهو الإنسان فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ ذلك ما تشير إليه النظرة في تاريخ الإنسانية منذ بدأ التاريخ فترى المجتمع حينا يزخر بوجوه النشاط وتزدهر فيه الحضارة وأحيانا تراه ساكنا لا يتحرك يسوده الكساد وتغمره الظلمات.
ومن جوامع الحكم القديمة ? غير نفسك تغير التاريخ..
هوامش ?
(1) الدكتور علي شريعتي- المفكر ومسئوليته في المجتمع
(2) نفس المصدر
(3) أنور الجندي- الإسلام والعالم المعاصر
(4) محمد الغزالي- من هنا نعلم
(5) الدكتور علي شريعتي- المفكر ومسئوليته في المجتمع
(6) محمد باقر الصدر- مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن
(7) محمد باقر الصدر- مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن
(8) مالك بن نبي- وجهة العالم الإسلامي
(9) مالك بن نبي- وجهة العالم الإسلامي
(10) مجلة"الأمة"-عدد 31 سنة 3- صفحات 12 و22
(11) مجلة"الأمة"- عدد31 -سنة 3 -صفحات 12و22
(12) مالك بن نبي- أحاديث في البناء الجديد.
البشرية وتجارب العقائد
لقد صارعت البشرية على امتداد تاريخها الحافل والطويل حضارات عديدة وعايشت تجارب"أيدلوجيات"واديانا ومذاهب مختلفة ومتفاوتة.
وبما أنها كانت بمثابة"فأر المخبر"لكل طارئ وجديد فقد لقي الإنسان- الضحية- من ذلك الحلو والمر والطيب والخبيث وعاين القسوة والرحمة وتحمل الظلم والإنصاف ففي تجربة يؤله ويقدس وفي أخرى تراه مهانا ومستعبدا وفي ثالثة يذبح ويدمر...
مع هذه الأيدلوجية يذهب به إلى ذات اليمين ومع أخرى يطوح به إلى ذات اليسار هذه تبعده عن فطرته بالإفراط والأخرى بالتفريط .
هذه تحرص على دوس كرامته وذبح أخلاقياته وتلك تستهدف خنق مقوماته وأخرى ترى فيه صنو البهيمة مأكلا ومشربا ومنكحا....
ولم يجد المسكين طعما حقيقيا لمعنى ذاته كإنسان ولم ينعم بكرامته وإنسانيته إلا في ظل تجربة التوحيد في واحة"الفتح الإسلامي الشامل".... الذي وقف من البشرية موقف الكرامة والعزة والسماحة أعادها إلى دائرة الفطرة النقية والحق الواضح والأمن الكامل ... والذي أعطى لكل فرد حق الحياة وحق العيش والاستمتاع بحياته بعيدا عن كل خطر يتهدده وعرّفه كما تقول الدكتورة بنت الشاطئ ?
انه لا ينبغي لأي كان أن يملك إنهاء حياة شخص ما- إعداما أو وأدا أو ...-.فالله هو واهب الحياة للإنسان ومن ثم فإنهاء الحياة يجب أن لا يكون إلا لله سبحانه.
1)النظرة المتباينة للإنسان....
إن السؤال الدرامي القديم الذي ظل الإنسان يطرحه على نفسه في حيرة وقلق ? من أنا ؟ من أين أتيت ؟ إلى أين أنا ذاهب ؟ ما هدفي في الوجود ؟.... قد ولد عدة رؤى ومطارحات وإجابات متشائمة حينا ومتفائلة أحيانا مختلفة ومتباينة لدى مفكري ومنظري المذاهب واتباع العقائد على اختلافها.
2)النظرة الوجودية للإنسان....
فالوجودية ترى أن الإنسان اله نفسه وسيد موقفه وموجه ذاته ومالك إرادته وبالتالي فهو حر في كل تصرفاته ولا أحد يحد من طموحاته أو يعكر صفو أمانيه وكل السبل يجب أن تؤدي إلى تحقيق شهواته ورغباته فلا قيود ولا رباطات ولا رقيب ولا حسيب و"الجحيم هم الآخرون"كما أعلنها سارتر.
"بينما نرى أرسطو يحدد للفرد فرديته وحريته لا يجعلها من حق الناس جميعا بل يقصرها على السادة وعنده أن للأعلى- السيد- أن يبسط نفوذه على الأدنى- العبد- كما أن على الأدنى أن يخضع للأعلى ويطيعه. وعنده أن الحر حر رغم استعباده و أن العبد عبد رغم ما يحقق من نصر."
أما أفلاطون فانه يجرد الفرد من قيمته الفردية ليجعله أداة مسخرة لخدمة الدولة" (1) "
3)النظرة اليهودية...
والنظرة اليهودية اقذر ما تكون إذ هي مزيج من عنصرية بغيضة وحقد فائر فالإنسان الآخر- غير اليهودي -لا حق له في الحياة وخير دليل على ذلك ما جاء في سفر يشوع ?
"اهلكوا جميع من في المدينة من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى الغنم والحمير... بحد السيف واحرقوا المدينة وجميع ما فيها بالنار". وما المجازر الرهيبة والوحشية التي يقترفها اليهود إزاء المسلمين في الأرض المحتلة وبيروت ومذبحة صبرا وشاتيلا ... عنا ببعيدة ولا غائبة.
4)الإنسان عند الرومان...
أما الرومان فقد عرف عنهم القسوة التي لا تعرف الحدود والظلم الذي يصل إلى ابعد الدرجات فكانوا يعمدون إلى رمي العبيد إلى الوحوش الضارية والاستمتاع بمشاهدتها وهي تنقض على الآدميين وكان الإعدام بالإلقاء إلى الوحوش على عهد الإمبراطور أغسطس قيصر عقوبة قانونية.
5)التفسيرات النصرانية...
بينما تذهب التفسيرات النصرانية أن الإنسان- الطفل- يولد شريرا بطبعه وانه يولد محملا بكثير من الشرور والآثام فيجب أن يقمع ذلك بالشدة والعنف و أن يسلك به سبل التعذيب والإيلام (2) .
6)النظرية الماركسية....
وترى الماركسية أن الفرد وسيلة لا غاية ولا يتعدى أن يكون اكثر من ذرة تذوب في جسم الدولة لا حق له في ملكية ولا في ثمار الكسب ... فالإنسان في الكهف الماركسي المظلم يعيش مأساة حمراء مزدوجة معنوية ومادية . ورحم الله العلامة محمد باقر الصدر حيث يقول ?"إن إنسانا يعتصر الآخرون طاقاته ولا يطمئن إلى حياة طيبة واجر عادل وتامين في أوقات الحاجة لهو إنسان قد حرم من التمتع بالحياة وحيل بينه وبين الحياة الهادئة المستقرة كما أن إنسانا يعيش مهددا في كل لحظة محاسبا على كل حركة معرضا للاعتقال بدون محاكمة وللسجن والنفي لأدنى ريبة لهو إنسان مروع يسلبه الخوف حلاوة العيش وينغص الرعب ملاذ الحياة" (3)
7)الإنسان في الإسلام..