في الغرب قطاع كبير جدًا، ربما كان هو القطاع الرئيسي الذي يتشكل من غالبية المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الفاتيكان، ومؤسسات التنصير، والمخابرات، وغالبية مراكز الأبحاث والجامعات، ووسائل الإعلام، وهو يرى أن الغرب والإسلام لن يلتقيا، وأنه لا داعي للحوار، وأن الأسلوب الأمثل للتعامل بين الطرفين هو الأسلوب القائم حاليًا، ولو بطريقة كالتي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية تحت رئاسة بوش الابن.
وهناك قطاع آخر قليل من بعض الساسة والمثقفين والأكاديميين يطالب بالحوار مع المسلمين، المعتدلين منهم والمتطرفين على حدٍّ سواء. وهذا القطاع يدعو إلى إجراء حوار شامل ومنفتح، ويحذِّر من حصول أيِّ حوار"انتقائي"، إذ يرى فيه تضليلًا للآخر وتضليلًا للذات معًا.
وما يدفع هذا القطاع إلى التشدد في مواقفه هو أن المسلمين أقلية تنمو في المجتمعات الغربية نفسها، وأن المسيحيين أكثرية تتضاءل؛ ثم إن المسلمين أكثر شبابًا والمسيحيين الغربيين أكثر شيخوخة. كما يكمن جوهر المشكلة في أن المسلمين أشد تدينًا والمسيحيين أشد عَلمانية: ففي فرنسا، مثلًا، حيث يُقدَّر عددُ المسلمين بحوالي خمسة ملايين، كان يوجد 992 مسجدًا ومصلًّى في العام 2003، فارتفع العدد هذا عام 2005 إلى 1230.
حينما نطق هنتنجتون بالصدق!
وقبل أن نتحدث عن الحوار والالتقاء سنركز على أسباب الخلاف ودواعيه وحجمه. وفي هذا الإطار فإنه رغم أن الكثيرين اعتبروا صموئيل هنتنجتون متجاوزًا وعنصريًا حينما قال بحتمية صدام الحضارات، إلا أن الأحداث التي وقعت خلال الأعوام القليلة الماضية أكدت أن الصدام آت لا ريب فيه ، وأن هنتنجتون لم يكن متجاوزًا ولا مغاليًا. فمنذ أحداث 11 سبتمبر 2001, وحبل المشنقة يضيق تدريجيًا حول العنق الإسلامي والعربي . ورغم ترجيحنا لكفة الحوار ودعاوي التداخل الحضاري إلا أن دوائر الشك تتسع يوما بعد يوم في العالمين العربي والإسلامي , بحيث بات راسخا في أذهان الغربيين أن هذه المنطقة في العالم هي ـ بالفعل ـ معمل لتفريخ الإرهابيين .
عشرات المؤلفات الغربية التي صدرت حديثا في قضايا السياسة والشرق الأوسط لا تري غير ذلك، خصوصا إذا كان مؤلفوها من أولئك الصحفيين الغربيين الذين أتيح لهم أن يعملوا كمراسلين لصحف أوروبية في البلدان الإسلامية فنقلوا عن الإسلام كل ما هو غريب ودخيل , ومشكوك فيه . فالإسلام الذي يتحدثون عنه ويقدمونه للجماهير الغربية هو أن الإسلام دين يحض علي العنف والكراهية , ويقف حجر عثرة في طريق الحرية الفردية والمجتمعية وتتعارض مبادئه مع أسباب التقدم .
لقد وقف العقل السياسي الغربي موقفا مناوئا للإسلام والمسلمين فأفسح المجال رحبا أمام أشخاص من نوع سليمان رشدي , وتسليما نسرين ودافع عنهما دفاعا مستميتا بعد أن صورهما على أنهما ضحايا للتعسف الإسلامي , ولم يدخر وسعا في إلصاق تهمة التخلف والرجعية بالإسلام والمسلمين !
وسائل الإعلام الغربية كرست هذه المفاهيم المغلوطة عن الإسلام بعد أن وضع الغرب الإسلام في مكان الشيوعية , وبات يردد في أدبياته أن خطرا أخضر سيدهمهم كما كان يدهمهم في السابق الخطر الأحمر، وتولدت عن هذا التصور المريض أوهام منها أن المسلمين يخططون لإدخال الغرب في الإسلام , وأن المسلمين ينشرون في مساجد هم أفكارًا تحرض علي كراهية الآخر.
كيف ينظر الطرفان لبعضهما؟
وبينما يرى الكثير من الغربيين أن المسلمين متعصبون ويتسمون بالعنف وقلة التسامح, ينظر المسلمون للغرب عامة على أنهم أناس يتصفون بالأنانية وانعدام الأخلاق والطمع, بالإضافة إلى العنف والتعصب، والشعوب الإسلامية ترى أنها مضطهدة من قبل الغرب, وتعتبر أن السياسات الغربية هي المسئولة عن تدهور أوضاعها الاقتصادية. ولكن الشعوب الغربية, من جهتها, ترى أن أكبر العقبات التي تقف حائلًا دون ازدهار الدول الإسلامية هي الفساد الحكومي وقلة التعليم والأصولية الإسلامية.
وبينما يلفي معظم المسلمين باللوم على ازدراء الشعوب الغربية للدين الإسلامي، يعتقد الغرب أن تعصب المسلمين وعدم تقبلهم للاختلاف في وجهات النظر هو الذي ينبغي أن يٌلقى عليه باللوم.
وتتضح الهوة بين المسلمين والغرب أيضًا من خلال الأحكام التي يصدرها كل من الجانبين حول كيفية معاملة الحضارة الأخرى للمرأة. فالشعوب الغربية ترى أن المسلمين لا يحترمون المرأة، في حين أن معظم الشعوب الإسلامية يقولون نفس الشيء عن الغرب.
ولدى الطرف الإسلامي عوائق تحول دون فهمه للآخر الغربي، وتعود هذه العوائق في جانب منها إلى طبيعة سياسة الغرب تجاه عالم الإسلام منذ بدأت أوروبا تبدي نزعة توسعية مع بداية القرن الخامس عشر. كما أنها تعود إلى طبيعة الصورة التي يحملها المسلمون عن أنفسهم والتي يحددون من خلالها طبيعة فهمهم للآخر.
لقد تأثر المسلمون بهذا الفصل الجديد من المواجهة العسكرية الذي قلب ميزان القوى لتنتهي أغلب المواجهات بهزيمة بلاد الإسلام. بدأ ذلك مع صعود القوى الأوروبية الاستعمارية بداية من البرتغاليين والإسبان والهولنديين، ثم بأكثر حدة مع الفرنسيين والإنجليز إلى حدود أواسط الخمسينيات في فترة الاستعمار المباشر.
تجربة الاستقلال التي أعقبت هذه المرحلة عمقت الإحساس بمرارة الهزيمة لدى المسلمين وقد مثلت القضية الفلسطينية أبرز تجسيد لهذه الهزيمة.
كما رسخت مأساة الشعب الفلسطيني الشعور بالإحباط ودفعت إلى استبطان معطى الهزيمة العسكرية لاستحضاره في كل مناسبة للتعامل مع الآخر. هذا ما أدى إلى اختزال صورة ذلك الغرب في مستوى العلاقة السياسية وإلى إفراز عقدة المؤامرة التي من خلالها نحاول أن يفهم المسلم مختلف التحديات.
أسباب النظرة الغربية غير المنصفة للإسلام
والغرب من ناحيته لا يقدر الإسلام حق قدره، بل يتهم حركة الإسلام بأنها حركة صماء لا تقيم للحوار مع الغرب أية أهمية، ويربط قادة الغرب وسياسيوه ومفكروه بين الإسلام والأصولية، على أساس أن الإسلام هو الأصولية، وأن الأصولية هي الإسلام، وأنهما الخطر الأول على الغرب والعالم الحر.
والغربيون يعنون بالحوار أن يجلس المسلم إلى الغربي كما يجلس التلميذ إلى أستاذه فيتلقى منه دون نقاش أو جدال ما يلقنه إياه من مفاهيم الحرية والثقافة، والديمقراطية، وأصول التعامل مع الغرب المتحضر، وطريقة دخول معبد العالم الحر، وبهذا يكون محاورًا بارعًا، وإلا فهو أصولي إرهابي متطرف.
و كذلك فإنهم يلبسون مصطلح الأصولية معاني ليست حسنة في ذاكرة شعوبهم، تلك الذاكرة التي تختزن في أعماقها حركات غربية راديكالية شوفينية، عرقية قومية، أو دينية طائفية، أو خيالية ميتافيزيقية، وتحاول أن تلفت أنظار شعوبها إلى الإسلام وحركة الإسلام بوصفها أصولية لا تختلف عن تلك الأصوليات الغربية المتحجرة والمتطرفة في معتقداتها وأفكارها وعنفها وإرهابها، لتشويه صورة الإسلام في منظار الشعوب الغربية، وتنفيرهم منه ومن حركته، بهذا الشكل الملتوي الظالم المجحف، وبالتالي استنفار شعوب الغرب للتكتل والوقوف في وجه هذا الإسلام المخيف الذي رسموا صورته بطريقة مشوهة عن عمد وقصد.
منطلق الاستكبار الغربي