أما مصطلح 'الإرهاب' فإنه حسب المفهوم الغربي يستخدم لوصف أي مقاومة مسلحة للعدوان المسلح الغاشم الذي يقوم به المستعمر الغربي .. فهو يستخدم لوصف أية مقاومة للظلم واغتصاب الحقوق. وبديهي أن أصحاب هذا الفكر الاستعماري لا يصفون ما يقوم به الغرب بأنه إرهاب ،بل يضفون عليه صفة تمدينية أو دفاعية وأمنية .. وهم يعبرون عن فرحهم بنجاح هذا العدوان بأشكال مختلفة .. فإذا مارس الشعب المعتدي عليه حق المقاومة واستخدام السلاح دفاعًا عن نفسه انطلق هذا الفكر الاستعماري يصف هذه المقاومة بأنها إرهاب. وما أكثر الأمثلة على ذلك بدءً من الغزو الفرنسي لمصر مرورًا بحملات الغزو الأوروبي إلى الثورة الفلسطينية وهي تقاوم الغزوة الصهيونية.
ويستخدم الفكر الغربي مصطلح 'التفاوض' ليطرح بديلًا للمقاومة المسلحة التي يسميها إرهابًا .. ولذلك فهو يضع شرطًا له وهو الإقلاع عن المقاومة المسلحة أو أشكال العنف . كما يشترط أن يكون له في هذا التفاوض اليد العليا .. ويضع شرطًا آخر وهو ألا يطلب المفاوض الآخر المعتدي عليه شيئًا لأن ذلك يعني تفاوضًا بشروط وهو لا يقبله .. وهكذا يصبح مفهوم التفاوض في الفكر الغربي عملية إذعان كامل للطرف الآخر واستسلامه.
الخصوصية الحضارية للمصطلحات
أما د. محمد عمارة فيقول: إن من المصطلحات الشائعة عند جمهور المثقفين والمفكرين 'لا مشاحة في الاصطلاح' أي أنه لا حرج على أي باحث في استخدام المصطلح بصرف النظر عن البيئة الحضارية والإطار الفكري أو الملابسات المعرفية أو الفلسفية والعقائدية التي شاع فيها. ونحن إذا نظرنا إلى المصطلحات من زاوية المضامين التي توضع في أوعيتها .. ومن حيث الرسائل الفكرية التي حملتها الأدوات والمصطلحات فسوف تتغير الرؤية .. فهناك أوعية وأدوات مشتركة بين الحضارات والأنساق الفكرية والعقائدية والمذهبية .. وفي ذات الوقت هناك مضامين خاصة تختلف فيها وتتميز هذه الأوعية العامة والأدوات المشتركة لدى كل حضارة من الحضارات.
فمثلًا مصطلح 'السنة' قد شاع استخدامه لدى مذاهب إسلامية مختلفة وفي علوم إسلامية متعددة .. لكن السنة عند اللغوي لها معنى وعند عالم الحديث لها معنى آخر وعند عالم الملل والمذاهب لها معنى ثالث.
فإذا كانت هذه المشاحة واردة في مضامين المصطلح ومعانيه وفي إطار مذاهب الحضارة الواحدة، فالأحرى بها أن تتأكد في مضامين المصطلحات في الحضارات المختلفة ، وهذا التمايز الحضاري يجعل من القاموس المعرب أداة تزييف لوعي أبناء الحضارة المتلقية لهذا القاموس، وأداة تبعية في نفس الوقت.
فمصطلح 'الشارع' مثلًا من المصطلحات في ميدان التشريع القانوني يوصف به من يشّرع القانون .. وواضع القانون شارع .. والشارع هنا هو الإنسان .. فهل حقًا لا مشاحة في استخدام هذا المصطلح الشائع ومضمونه؟.
إن الإجابة على ذلك سوف تكون مختلفة .. فابن الحضارة الغربية الذي لا يؤمن بوجود شريعة إلهية تنظم الجانب المدني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي للدولة يؤمن بأن الإنسان هو المصدر الأول والأخير للتشريع .. أما في الحضارة الإسلامية فالشارع هو الوحي الإلهي.
ما أن مصطلح 'الإقطاع' يختلف مضمونه من حضارة لأخرى .. فالحضارة الغريبة تجعل فلسفتها هي الملكية المطلقة في الثروات والأموال للأفراد في النموذج الليبرالي أو لطبقة الإجراء في النموذج الشمولي.
أما في الحضارة الإسلامية فهذه الملكية المطلقة هي لله سبحانه وتعالى مع تقرير هذه الحقوق للإنسان الحائز للمال باعتباره مستخلفًا في حيازته واستثماره والانتفاع به عن الله سبحانه وتعالى.
ومضمون مصطلح الإقطاع في النموذج الإسلامي هو تملك للمنفعة لا للرقبة، ولقد كان في التطبيقات الإسلامية وسيلة لإحياء الأرض الموات والانتفاع بها.
ماذا يحدث عندما لا يدل الدال على المدلول؟
وللدكتور عبد الوهاب المسيري رؤية في هذا الموضوع: فهو يرى أن النص الذي يكتبه إنسان بيده هو مجموعة من الدوال التي تشير من خلال علاقتها الداخلية إلى مجموعة من المدلولات والعلاقات الخارجية .. ولابد أن ثمة أفكارًا كوّنها هذا الإنسان في عقله وقلبه عن مجموعة من الظواهر والعلاقات في الواقع .. وهو يتصور عن عمد.
إذًا فثمة ثغرة قد تضيق أو تتسع تفصل بين الدال والمدلول ، فإذا قلت هذه تفاحة حمراء وأشرت إليها بإصبعي وكان يقف بجواري شخص آخر فإن الثغرة بين الدال والمدلول تكون ضيقة لأنه لا توجد سوى تفاحة واحدة وإصبع واحد يشير إليها. ولكن الأمر يختلف تمامًا والثغرة تتسع في حالة تلك التفاحة التي أخبرتني عنها أمي في طفولتي فهي تفاحة حمراء تتدلى من أغصان شجرة خضراء في الجنة ويدور في خاطري أنني أريدها فتتدلى في يدي ثم آكلها. ولكن أمي لم تخبرني هل سآكها أم أنها ستدخل في جوفي من خلال وجداني .. وأين هذه التفاحة من التفاحة الأخرى؟.
ويضيف د. المسيري: إننا قد أدمنا عملية نقل المصطلحات دون إعمال فكر أو اجتهاد ودون فحص أو تمحيص ،فأصبحت العلوم الإنسانية العربية عقلها في أذنيها .. ولهذا فقد الإنسان العربي الحديث القدرة على تسمية الأشياء .. ومن لا يسمي الأشياء يفقد السيطرة على الواقع والمقدرة على التعامل معه بكفاءة. ونقل المصطلحات في العلوم الإنسانية عملية محفوفة بالمخاطر لأن كل مصطلح متجذر في تشكيل حضاري فريد له لغته المعجمية والحضارية الخاصة. كما أن الدال لا يشير إلى مدلول خارجي فحسب وإنما يحتوي على وجهة نظر من صكوه .. ويزيد الأمر تعقيدًا إذا كانت الدوال ذات طابع عقائدي.
وأول أشكال التحيز هو التحيز الناجم عن ارتباط الدال بسياقه الحضاري الذي نشأ فيه، ومن ثم محدودية حقله الدلالي وقصوره في الإخبار عن مدلوله إذا نقل إلى سياق حضاري جديد.
فكلمة 'أسرة' في سياق غربي علماني يختلف مدلولها عن نفس الكلمة في سياق عربي إسلامي .. فدرجة التماسك بين أعضاء الأسرة والتضامن والتراحم والتناصر ومسؤولية الأبوين تختلف في السياق الأول عن الثاني.
وكلمة 'ماسونية' وهي حركة ظهرت في بلاد أوربا البروتستانتية واكتسبت مضمونًا محددًا فيها ثم انتقلت إلى البلاد الكاثوليكية واكتسبت فيها مضمونًا مختلفًا تمامًا عن الأول ومع هذا سميت ماسونية أيضًا .. وحينما نقلت إلى العالم الثالث أخذت مضمونًا آخر.
ومن مصادر التحيز أيضًا أن المصطلح المستورد يحمل وجهة نظر صاحبة .. فمصطلح 'عصر الاكتشافات' يعني أن شخصًا اكتشف أرضًا جديدة وأطلق عليها العالم الجديد .. ولكن هناك وجهة نظر مغايرة هي رؤية سكان هذه الأماكن .. فالأمر لم يكن اكتشافًا بالنسبة لهم فقد كانوا يصنعون تاريخهم ويبنون حضارتهم منذ آلاف السنين.