فهرس الكتاب

الصفحة 606 من 1942

يجد المسلمون اليوم أنفسهم أمام حضارة حديثة وطيدة الأركان شامخة البنيان تطرح أمامهم تحديات عليهم أن يواجهوها ثم يرفعوها، وهي الحضارة السائدة في العالم، المتغلبة على ما عداها من الحضارات، وليس لأحد مهرب منها بسبب تقارب الأبعاد وسهولة الاتصالات وتلاقح الثقافات، بل يرغب كل ذي لب في أن يحياها ويستمتع بها ويسهم في تطويرها وتوسيع آفاقها بحظ من الحظوظ، وتبذل الحكومات والشعوب التي خلعت نير الاستعمار، السائرة في طريق النمو جهدًا وتنفق مالًا للاستفادة منها في أوطانها والحذو حذو صانعيها فيما يخططون لبلدانهم ويحققون، وتأخذهم غيرة مشروعة عندما يرون الأمم الراقية وقد أمسكت بناصية المعرفة وطوعت التكنولوجيا لصنع مخترعات جديدة أو تحسين ما سبق صنعه منها كبيرًا كان أو صغيرًا، من إبرة الخياطة وعود الثقاب إلى الحواسيب الدقيقة والصواريخ العابرة للقارات والأقمار الاصطناعية ولكن الشعوب الاسلامية ـ وسائر شعوب العالم الثالث ـ تعوقها عن تحقق مطامحها في التقدم العلمي والرقي الحضاري معوقات كثيرة، بعضها موروث عن الماضي، وبعضها من مخلفات الحكم الاستعماري الراحل أو من السياسات المقررة من القوى الكبرى في حقها، كانتشار الأمية وقلة المال وضعف الإنفاق على البحث العلمي وإغلاق باب الاجتهاد والفوضى الفكرية وانعدام الاستقرار في الميدان السياسي، وما من أحد بقادر على أن يقلل من أهمية الخطوات التي خطتها شعوب اسلامية في مجال التعلم والتمدن والتصنيع، ولكن ما من أحد بقادر أيضًا على أن ينكر ما لهذه الشعوب لو نعمت بالاستقرار السياسي وتمتعت بحكم عادل يعبر عن إرادتها، ورشدت أموالها وثرواتها الطبيعية، وأنفقت بسخاء على البحث العلمي في الجامعات والمصانع، وتجاوزت مخلفات الماضي التي لم تبق صالحة للحاضر لضاقت مسافة الخلف المنفرجة بينها وبين الشعوب المتقدمة، ولأدركت ما تطمح إليه وتبتغيه.

على أن هناك جوانب سلبية في الحضارة الحديثة تقترن بجوانبها الإيجابية ويصعب التفريق بينها إن لم يكن التفريق مستحيلًا، لأنها كل لا يتجزأ، ولأن بعضها نتيجة حتمية لبعض، وهذا ما يجعل الشعوب الاسلامية أو النخبة المفكرة فيها تقف من الحضارة الحديثة موقف المتردد المحتار، لا تدري كيف تأخذ الصالح منها وحده وتترك الفاسد، الحضارة الحديثة بمعناها الشمولي فيها أفكار مادية وممارسات منحرفة تتنافى مع ما جاء به الاسلام من حميد الشيم وكريم الأخلاق، بل تتنافى مع جميع ما دعا إليه المصلحون قديمًا وحديثًا من صفاء الروح وطهارة الجسد وحسن التعامل بين الناس وأن يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه، هي حضارة مادية متنكرة للأديان مستخفة بالقيم الخلقية التي لا تستقيم بدونها مجتمعات، صانعوها لا يفكرون إلا في المكاسب المادية والمتع البدنية ولو أضرت بالآخرين، يستوي في ذلك أفرادهم وجماعاتهم والحكومات، إنها تمتاز بحسنات كثيرة وسيئات عديدة، تمتاز بتطور الفكر وتقدم العلم اللذين نتج عنهما تحسن في المأكل والملبس وتطور العمران، وخفت بهما حدة الأوبئة والأمراض وسهلت المواصلات وانتشرت الثقافات، وحقق إنسان العصر الحديث ما لم يحققه انسان العصر القديم من غوص في الماء وطيران في الفضاء وتصرف في الاليكترون والكهرباء وتسخير للمادة وتطويعها كيف يشاء، وبهما وبما واكبهما من تخل عن العقائد السليمة فسدت أخلاق الناس وتحركت نوازعهم الشيطانية وغرائزهم البهيمية، فجروا وراء الملذات وتسابقوا إلى جمع الأموال وكنز الثروات، وتفننوا في صنع آلات التدمير الكامل والإهلاك الشامل، ونظروا إلى الخلق بمنظارين وكالوهم بمكيالين، الحضارة الحديثة يهددها اليوم، بسبب تكرها للدين ونبذها للقيم، العديد من الأخطار وتتعرض لكثير من المحاذير، كانتشار المخدرات وتفشي الدعارة وترويج أفلام الفسق والعنف وظهور أمراض مستجدة كالإيدز، الذي يقدر الإحصائيون عدد مرضاه في نهاية القرن العشرين بأربعين مليونًا. يهددها التلوث البيئي والتمييز العنصري وغش الأقوياء للضعفاء وتعريضهم لأخطار محققة ببيع الأغذية والأدوية الفاسدة لهم، ودفن النفايات المشعة المضرة بأرضهم، وحظر تصدير التكنولوجيا والآلات المتطورة إليهم، وحرمان طلبتهم من تلقي العلم في كلياتهم ومعاهدهم، وإيصاد أبواب بلدانهم في وجوههم، والتضييق على مَن سبقت لهم الإقامة فيها بمختلف أنواع التضييق، تهددها اللامساواة في التعامل على الساحة الدولية، فدولة يباح لها أن تقيم المصانع لإنتاج السلاح النووي والجرثومي دون أن تخضع مصانعها لأية رقابة، ودولة تقام من حولها الضجات لأنها أنشأت مصنعًا لإنتاج المواد الصيدلية أو مساحيق التجميل، هبات مالية كبرى تعطى لدولة واحدة صغيرة ويعطى أقل منها لشعوب أخرى مجتمعة أكثر سكانًا وأشد احتياجًا، وشرعية دولية تطبق بقوة الحديد والنار على شعب، وشرعية دولية تقرر في حق شعب آخر ثم يتناساها مقرروها غداة تقريرها، ومناحات تقام في كل مكان حزنًا على طائر تلوث جناحه بنفط سفينة جنحت للشاطئ وأصوات خافتة تستنكر ـ نفاقًا ـ كسر سواعد أطفال بالحجارة وقتل صبيان واغتصاب نساء وذبح رجال وتهجير شعب بأكمله من دياره، انه الظلم المؤدي إلى خراب العمران المشار إليه في الآية الكريمة: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدًا) الكهف/ 59، والترف الطاغي المفضي إلى تدمير الحضارة المعبر عنه بقوله سبحانه وتعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا) الإسراء/ 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت