فهرس الكتاب

الصفحة 605 من 1942

وليس من شك في أن الانسانية استفادت كثيرًا من الخطوات الإيجابية التي تحققت في الميدان الحضاري، وهي خطوات عملاقة، وأن كثيرًا من العقبات ذللت أمام مسيرها فأصبحت الحياة أكثر يسرًا ومتعها متوافرة والرغبة في البقاء فيها تزداد، ومن نافلة القول أن يشير الانسان إلى الفوارق بين راكبي الدواب في الأسفار قديمًا، وبين راكبي الطائرات التي تسبق الصوت حديثًا، أو بين المستشفي بالكيِّ والحجامة وتعليق الرقى والتمائم، وبين المعالج بأشعة الليزر وزرع الأعضاء وبالونات الأوكسجين، أو بين المستصبح بفتيل القنديل وبين المستضيء بالنور المتولد من الكهرباء أو المقتبس من طاقة الشمس، إنها قدرات العقل البشرى ومكاسبه، وفتوحات العلم المتوالية المتلاحقة التي تؤكد ما خصّ الله به الجنس البشري من تفضيل وتكريم وسخّر له من الكائنات ناطقها والساكت، متحركها والجامد: (ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا) الإسراء/ 70.

إن الحضارة المعاصرة ـ وإن كانت ذات طابع متميز يكاد يجعلها منقطعة الجذور ـ ليست إلا امتدادًا لحضارات سبقتها، استقت من روافدها وعالجتها بمخصبات لم تعرف من قبل حتى أينعت وأثمرت وأصبحت سامقة الفروع وريفة الظلال، إذ ما زال الخف يستمد من السلف معارفه ويحسنها بالصقل والتصحيح، وما فتئ الآخر يستفيد من تجارب الأول ويضيف إليها ما استجد من التجارب وأفاد من الممارسات، وليس أحد بقادر على أن ينكر ما بلغته أمم قديمة من معارف وتجارب كانت هي حجر الأساس للمعارف العصرية والتجارب الآنية، كقدماء المصريين واليونان والرومان والفرس والصينيين، وعندما يقرأ المرء كتب التاريخ وهي تصف مظاهر الحياة الراقية التي عاشتها بعض الشعوب منذ آلاف السنين، أو يقف في المتاحف أمام الآثار العجيبة والصناعات الدقيقة الراجعة إلى عصور قديمة سحيقة ليدركه العجب مما اهتدى إليه الأقدمون من أسرار الطبيعة واكتشفوا من خفايا الكون ونواميسه ويقول إن المتأخرين ليسوا إلا تلامذة للمتقدمين، ولكن الحضارات تُصاب ـ ككل الكائنات ـ بالقبض بعد البسط، ويخلف بعضها بعضًا، فيترك الهَرِمُ المعمّر منها مكانه للناشئ الفتي، والحضارة الاسلامية هي واحدة من الحضارات السالفة التي استفادت منها الحضارة الحديثة واستمدت، لقد كانت تلك الحضارة مِلء الأسماع والأبصار طيلة قرون، وفي مملكة الاسلام الفسيحة الممتدة من أرض الصين شرقًا شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، وبفضلها حفظت علوم الأقدمين وتجاربهم وأضيفت إليها معارف المسلمين وتجاربهم قبل أن تنقل إلى البلاد الغربية لتصير المنطلق الذي خطت منه الحضارة الحديثة خطواتها المتواصلة، ويرجع الفضل في شموخ بنيان الحضارة الاسلامية إلى الدين الاسلامي نفسه الذي فكّ العقل من عقال الجمود، وأمر معتنقيه بالتفقه والتعلم، وحثهم على السير في الأرض والتأمل في ملكوتها وملكوت السماوات، وأهاب بهم إلى النظر فيما حولهم وفوقهم وتحتهم ليدركوا نواميس الكون وسنن الله في الخلق، وفضل العالم على العابد، ورفع الذين أوتوا العلم درجات على الذين لم يؤتوه، وحضّ على التماس المعرفة ولو تناءت مواطن التماسها وأمكنة طلبها، فبفضل سماحة الاسلام وتعاليمه التقدمية تمكن المسلمون، لا من بسط حكمهم على أوسع مملكة فقط، ولكن تمكنوا أيضًا من أن ينشئوا فيها مجتمعات متحضرة يزينها العدل والرفق، ويدعمها العلم والمعرفة وحسن التنظيم، ونشطت بفضل الاسلام في هذه المجتمعات الحركة العلمية، وأقبل العلماء على دراسة مختلف العلوم والفنون، إضافة إلى العلوم الدينية واللغوية، فما من باب من أبواب العلم إلا طرقوه، وما من درب من دروب الفن إلا سلكوه، وآثارهم في الهندسة والفلك، والطب والصيدلة، والجغرافية والموسيقى، والفلسفة والمنطق وغيرها، تشهد بذلك، كما أن حواضرهم بما اشتملت عليه من قصور فخمة، وحدائق أنيقة، ومساجد مزخرفة، ومدارس منمقة، ومستشفيات متطورة، وأسواق نافقة، ومهن مرتبة، ومراكب تغدو بالبضائع والمسافرين وتروح، كانت الشموس المضيئة والأقمار المنيرة في عصر ألقى الظلام بسجفه على غيرها من البلاد التي لا يدين أهلها بدين الاسلام. وهل يجهل أحد عظمة ما بلغته من حضارة رفيعة دمشق وبغداد، وبخارى واصفهان، والقاهرة وتونس القيروان، وبجاية وتلمسان، وفاس ومراكش وقرطبة وإشبيلية؟ وهل يجحد جاحد فتوح العلم وكشوف المعرفة التي تحققت على أيدي العلماء المسلمين كابن سينا والبيروني والفارابي وابن الهيثم وابن النفيس في شرق البلاد الاسلامية، وابن الجزار وابن البنا وابن طفيل وابن رشد وبني زهر في غربها؟ كلا لا يستطيع.

ومما امتازت به الحضارة الاسلامية طابعها الانساني والأخلاقي، لقد كان يواكب مظاهرها المادية ـ المتمثلة في الرقي العمراني والإبداع الفني والتقدم العلمي ـ مظاهر أخرى تتمثل في التحلي بمحامد الأخلاق ومكارم الشيم التي وصّى الله بها عباده المؤمنين، وحث رسوله الكريم على الاتصاف بها من دخل في دينه من المسلمين، كاحترام كرامة الانسان وتمتيعه بحقوقه، والحكم بالعدل، والتشاور في المصالح العمومية، ورفق القوي بالضعيف، ورد الغني من ماله على الفقير، وسؤال الراعي عن رعيته، وتحريم أكل الأموال بالباطل والإدلاء بها إلى الحكام، إن الاسلام أمر بالعدل والإحسان وأداء الأمانة، والجنوح إلى السلم وإفشاء السلام، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، نهى حتى عن قهر اليتيم ونهر السائل وتعذيب الحيوان، ألم يخبر الرسول أن امرأة دخلت الجنة في قطة وأخرى دخلت النار فيها؟ ألم يقل إن في كل ذي كبد حرّى صدقة؟ ألم يجعل إماطة الأدنى عن الطريق من شعب الإيمان؟

إن الحضارة الاسلامية تهدف إلى إسعاد الناس ماديًا ومعنويًا، وإلى توفير الراحة البدنية لهم بنشر العلم وتنظيم العمارة وترقية الصناعة وتحسين الفلاحة لتأمين الغذاء اللازم لمعيشتهم، كما تهدف إلى توفير الطمأنينة النفسية لهم ولمن يساكنهم، ولو كانوا على غير ملتهم، بصيانة كرامتهم وضمان حقوقهم، وتجنيبهم كل ضيم أو ضرر يلحق دماءهم وأموالهم وأعراضهم من أيٍّ كان، وإنا لَواجدون في الآثار المختلفة عن المسلمين أيام كانت حضارتهم الحضارة السائدة شواهد تدل على سمو تفكيرهم في الكائنات وبذلهم المال والمتاع لحفظها ابتغاء مرضاة الله، إن في المغرب ـ مثلًا ـ أوقافًا حبسها المحسنون لتجهيز اليتيمة والفقيرة إلى بيت بعلها كما تجهزُ ذات الأهل والمال، وأخرى لشراء الأواني التي قد تنكسرُ في الطريق بين أيدي الأطفال المتعلمين وهم ينقلون فيها أطعمة إلى معلميهم الصناع من البيوت، بل إن عندنا في المغرب أوقافًا يصرف ريعها على الطيور لجبر سيقانها وأجنحتها إذا انكسرت، وأخرى لإسماع الحمقى والمجانين نغمات الموسيقى الراقية مرة في كل أسبوع تهدئة لأعصابهم وتسكينًا لهياجهم، ومثل هذا ـ ولا شك ـ في سائر البلاد الاسلامية كثير.

بيد أن هذه الحضارة التي وفرت للمجتمعات الاسلامية طيلة قرون تقدمًا ماديًا وسموًا أخلاقيًا، أصابها ما أصاب الحضارات التي سبقتها من تدهور، بفعل استبداد الحكام وجورهم، وتحجر أفكار بعض العلماء والفقهاء ومداهنتهم للولاة وسوء فهمهم وتأويلهم لأحكام الشريعة ومقاصدها، مما جرّأ عليهم عدوهم وأطمعه في امتلاك أوطانهم واستعباد رقابهم، و (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد/ 11.

-الإيجاب والسلب في الحضارة السائدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت