-إن خطورة العولمة الفكرية والثقافية تكمن في أنها تعمل على إعادة تشكيل المفاهيم الأساسية التي تشكل أصول عقيدة المسلم ، بل تنقضها ، وتستعيض عنها بمفاهيم غربية كافرة ملحدة لا تؤمن بوجوب عبادة الله واتباع الوحي والاستعداد للآخرة .
ثالثًا: تهديد العولمة لمبادئ الشريعة الإسلامية:
كما أن العولمة تحمل في طياتها نقضًا لأحكام الشريعة الإسلامية ، بفرضها مبادئ تخالف الشريعة.
تسويق العولمة لوهم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة:
ومن الأمثلة الواضحة على هذا قضية فرض مفهوم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ، فهذا المفهوم منصوص عليه في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ، ومقتضاه إزالة جميع الفوارق في الأحكام والحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة ، وهو الأمر الذي يتناقض مع الشريعة الإسلامية التي تقوم على أساس الفرق الفطري والخلقي بين الرجل والمرأة .. ذلك الفرق الذي يقتضي اختلافًا في بعض الأحكام والحقوق والواجبات بحسب اختلاف الاستعدادات الفطرية والمؤهلات التكوينية بينهما ، ولهذا نجد الشريعة الإسلامية تقرر أن مبدأ عدم المساواة المطلقة بين الرجال والنساء أمر قطعي الثبوت والدلالة ، ولا خلاف فيه ، ولا مجال فيه للاجتهاد .. ونفي المساواة المطلقة لا يقتضي نفي مطلق المساواة كما لا يخفي .
-الشريعة الإسلامية تقوم على أساس الفروق بين الجنسين:
على هذا قام الفقه الإسلامي ، ودلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع العلماء .. وبدءًا من باب الطهارة إلى باب الشهادات ، آخر أبواب الفقه الإسلامي ، نجد المرأة والرجل يجتمعان في أحكام ويختلفان في أحكام أخرى .. ومن صور الاختلافات ما جاء في أحكام الحيض والنفاس ، وأحكام لباس المرأة في الصلاة ، وعدم وجوب الجمعة والجماعة عليها ، وكون صلاتها في بيتها أفضل، وأنها ممنوعة من الآذان بإجماع العلماء ، ومن إمامة الرجال في الصلاة وخطبة الجمعة لهم بإجماع العلماء ، وأنها تصفق لتنبيه الإمام إذا سهى ولا تسبح كالرجال ، وأن صفوف النساء في الصلاة وراء صفوف الرجال ، ولا يجوز تقدمهن ولا اختلاطهن بصفوف الرجال بإجماع الفقهاء ، و (( خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ) )أخرجه مسلم ، بعكس الرجال .
-ومن الأمثلة أيضًا على الاختلاف ، إحرامها للحج والعمرة في بعض الأحكام، وفي عدم وجوب الجهاد عليها ، وفي اختلاف أحكام الميراث والنفقة وجعل الطلاق بيد الرجل في الأصل ، وتقديمها في الحضانة في الجملة ، وفي تحريم الخلوة بها ، وفي تحريم التبرج ، وعدم قبول شهادتها في الحدود والدماء.
-وهذا كله على سبيل المثال ، وإلاّ فثمة أحكام كثيرة غير هذه قد أجمع العلماء على أن المرأة لا تتساوى فيها والرجل ، كما دل على ذلك صريح قوله سبحانه وتعالى: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى } (آل عمران:36) .
-وأما العولمة فإنها كما ترفض التمييز بين الناس على أساس الإيمان والكفر ، ترفض أيضا التمييز بين الرجل والمرأة ، مناقضة لأحكام الشريعة الإسلامية التي بنيت على أساس التقسيم الوظيفي بين الرجل والمرأة في المجتمع ، وأن دور كل منهما مكمل لدور الآخر في النظام الاجتماعي الإسلامي ، بناء على أساس أن التكوين الخلقي للمرأة يختلف عن الرجل ، وأن مؤهلاتها واستعدادتها الفطرية تقتضي توليها دورًا ما في المجتمع يختلف عن دور الرجل ، وهو الدور الأسري .
-إن الحقائق العلمية لتؤكد الفرق البيولوجي الأساس بين الجنسين ، ولا بأس أن أستشهد هنا بما أورده مؤلفا كتاب جنس الدماغ ( Brainsex ) الدكتور في علم الوراثة (( آن موير ) )و (( ديفيد جيسيل ) )، وهو في الحقيقة مؤلف اشترك فيه أكثر من (25) اختصاصي على رأسهم رائدة علم الفروق الدكتورة (( كوراين هت ) )، لأنهما نقلا نتيجة إجابات كل هؤلاء الأخصائيين في الكتاب.
-يقول مؤلفا الكتاب في المقدمة: (( تمت صياغة المادة الأساسية لهذا الكتاب من أبحاث قام بها علماء كثيرون من جميع أنحاء العالم ) )..ثم قالا في وصف دقيق للحقيقة التي توصلا إليها بعد أبحاث مضنية (( الرجال مختلفون عن النساء،وهم لا يتساوون إلاّ في عضويتهم المشتركة في الجنس البشري .. والادعاء بأنهم متماثلون في القدرات والمهارات والسلوك تعني بأننا نقوم ببناء مجتمع يرتكز على كذبة بيولوجية وعلمية ، فالجنسان مختلفان ، لأن أدمغتهم تختلف عن بعضهما ، فالدماغ وهو العضو الذي يضطلع بالمهام الإرادية والعاطفية في الحياة،قد تم تركيبه بصورة مختلفة عند كل منهما،والذي ينتج عنه في النهاية اختلاف في المفاهيم والأولويات والسلوك ) ).
-وإنما أطلت في هذا المثال ، لأن حمى مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة أضحت موجة آخذة في الصعود في الخليج ، متساوقة مع تنامي الدعوة إلى العولمة الثقافية والفكرية ، ولأنها قضية بالغة الخطورة ، لأن الغرب يسعى من خلالها إلى إعادة تشكيل النظام الاجتماعي في المجتمعات الخليجية وفقًا للمفاهيم الغربية .
إنه مثال واضح لما تفرضه العولمة من مبادئ وتشريعات تناقض الشريعة الإسلامية ومبادئها .
رابعًا: تهديد العولمة للأخلاق الإسلامية:
-كما أن العولمة تهدد النظام الأخلاقي الإسلامي ، فمن خلال العولمة يروج للشذوذ الجنسي ، ويحاول الغرب استصدار قوانين لحماية الشذوذ الجنسي في العالم .. ومن أحدث محاولات العولمة محاولة فرض مصطلح جديد يطلق عليه (Gender ) بدل كلمة ( sex ) ، يقول الدكتور محمد الركن في مجلة المستقبل الإسلامية: (( ومن المسائل الجديد المستحدثة التي تحاول بعض المنظمات والحكومات الغربية فرضها وإلزام شعوب العالم الأخرى بوجهة نظرهم فيها مسألة تعريف الجنس والأسرة ، ومما حداني للحديث حول هذا الموضوع ما شاهدته في المستندات الرسمية ، فقد تمت ترجمة الجنس الغربي إلى مصطلح(Gender ) باللغة الإنجليزية ، وهي تنم عن عدم إلمام بما يسعى إليه الغربيون في فرض ثقافتهم على الآخرين ، فلفظة الجندر لا تتطابق تمامًا مع لفظة ( sex ) ، بل إن لها أبعادًا خطيرة قلما نتنبه إليها .
-والموسوعة البريطانية تعرف الجندر بأنه: (( تقبل المرء لذاته ، وتعريفه لنفسه كشيء متميز عن جنسه البيولوجي الحقيقي ) ).. فهناك من الأشخاص من يرون أنه لا صلة بين الجنس والجندر ، إذ أن ملامح الإنسان البيولوجية الخارجية الجنسية مختلفة عن الإحساس الشخصي الداخلي لذاته أو للجندر.. بعبارة أخرى أكثر تبسيطًا ، فإن الجندر بعبارتهم تنصرف إلى غير الذكر والأنثى كجنسين فقط، ونحن لا نعرف ولا نقر في ديننا وثقافتنا إلاّ بهما ، فالجندر تشمل الشاذين جنسيًا من سحاقيات ولواطيين ومتحولي الجنس ، إذ أنها ترتبط بتعريف المرء لذاته وهويته وليس بجنسه البيولوجي .. ومن هنا تأتي خطورة المسألة ، ولهذا نرى في المؤتمرات الدولية تسابقًا محمومًا من المنظومات الغربية وبعض الحكومات الغربية ، وخصوصًا الأوربية لفرض لفظ ( Gender ) بدل لفظ ( sex ) التي تنصرف إلى الذكر والأنثى فقط ، وذلك عند الحديث عن حقوق الإنسان أو محاربة التمييز ضد الإنسان أو تجريم أفعال ترتكب ضد الإنسان )) .
خلاصة