فهرس الكتاب

الصفحة 958 من 1942

3-فرض مفهوم نهاية التاريخ بانتظار قيم العالم الرأسمالي الغربي انتصارًا نهائيًا ، والتسليم بلزوم تسليم القيادة البشرية إلى ثقافة الغرب إلى الأبد .

4-إبقاء حال الهيمنة الغربية - بأعمدتها المذكورة آنفًا - أطول فترة ممكنة تحت ستار مصطلح العولمة .

هوية بلا هوية:

وباختصار العولمة هي في الحقيقة ) هوية بلا هوية ) وهدفها باختصار تفريغ ثقافة (الغير) من محتواها واستدراجها إلى الثقافة الغربية بحيلة وشعار مزيف يطلق عليه اسم (العولمة) ، لأنه لو قيل للعالم )الأمركة) لنفر كثير من الناس من هذه الدعوى ، فاستبدل باسم (العولمة) ، فكأنهم يقولون تعالوا لنصير جميعًا عالمًا واحدًا ، وننصهر في ثقافة واحدة ، ونحتكم إلى قوانين عالمية واحدة ، وتسيرنا ثقافة وعادات واحدة أو متقاربة حتى نتعايش ونتفاهم ولا تقع بيننا الحروب ...إلخ ، حتى إذا وقع المدعوون في هذا الفخ ، اكتشفوا أنهم في قفص الأمركة والعالم الغربي ، ثم وجدوا اللافتة التي تحمل اسم (العولمة) تساقطت حروفها واختفت كهيئة الحبر السري ، وظهر من تحتها اسم جديد وشعار جديد هو (التغريب) ، واكتشف المخدوعون أن حضاراتهم سلبت من حيث لا يشعرون ، وثقافتهم ذابت من حيث لا يعلمون ، وهويتهم طمست بالتدريج من حيث لا يدرون.

-إذن العولمة في النهاية هي نتيجة انهيار نظام عالمي كان يقوم على (القطبية الثنائية ) بانهيار أحد قطبيه - وهو الاتحاد السوفيتي - وسيطرة قطب واحد أخذ يهيمن بانتهاء الحرب الباردة على العالم سياسيًا وعسكريًا .

-هذا القطب الواحد - كما أشرنا في مطلع هذه المقالة - يستخدم آلات كثيرة خداعة للسيطرة الفكرية والثقافية على العالم تحت شعار كبير اسمه (العولمة) .. وقد بدأت تظهر آثار سياسة هيمنة وسيطرة القطب الواحد) دول القلب) بملامح حملة تغريب الإنسان في أفكاره ومنهاج تعليمه ، وفي طراز حياته، وفي طعامه وشرابه ، حتى في صورته الظاهرية وشكله الخارجي ، التي أصبحت ظاهرة منتشرة في شباب اليوم الذي يحمل جراثيم التغريب ، باتت هذه القبعات الجديدة تذكرنا بالقبعة التي فرضها أتاتورك على الشعب التركي عندما أعلن أول خطوات الانهزام أمام التغريب عند بدء عصر الانحطاط أول هذا القرن .

المخاوف من العولمة على العالم الإسلامي:

أولًا: تهديد العولمة لأصل العقيدة الإسلامية:

لعل من أخطر ما تحمله العولمة هو تهديدها لأصل العقيدة الإسلامية ، وذلك لأن العولمة تشتمل على الدعوة إلى وحدة الأديان ، وهي دعوة تنقض عقيدة الإسلام من أساسها ، وتهدمها من أصلها، لأن دين الإسلام قائم على حقيقة أنه الرسالة الخاتمة من الله تعالى للبشرية ، الناسخة لكل الأديان السابقة التي نزلت من السماء ثم أصابها التحريف والتغيير ، ودخل على أتباعها الانحراف العقائدي.

والعولمة تحمل في طياتها اعتبار الأديان كلها سواء ، وأن الحق في هذه الدائرة نسبي بحسب اعتقاد كل أمة .. ولا يصحّ في العولمة الفكرية والثقافية اعتبار دين الإسلام هو الحق الذي ليس بعده إلاّ الضلال ، ولهذا تشجع العولمة ما يسمى (حوار الأديان) ، لا على أساس دعوة الأديان الأخرى إلى الإسلام ، بل على أساس إزالة التمييز بين الإسلام وغيره بالحوار الذي يتوقعون أنه سيحمل المسلمين على التنازل عن اعتزازهم بدينهم واعتقادهم ببطلان غيره ، وبذلك يزول التعصب وتتقارب الأديان .. وتتجلى خطورة هذه الدعوة في كونها تنقض عقد الإسلام من أصله ، فعقد الإسلام لا يستقيم إلاّ مع اعتقاد بطلان كل الأديان الأخرى ، والإيمان لا يعد صحيحًا إلاّ على أساس قوله تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } (الكافرون:1-2) ، أي باعتقاد كفر كل من يعبد غير الله تعالى ، أو يزعم أنه يعبد الله تعالى بغير دين الإسلام وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ } (آل عمران:85) ، وقوله: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ } (آل عمران:( 19 )

كما يعبر عن هذه الحقيقة علماء الإسلام بأن من نواقض الإسلام ، من لم يكفر المشركين والكفار أو شك في كفرهم أو صحح دينهم .. والكفار هم أتباع كل دين غير دين الإسلام بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقولهم: إن من نواقض الإسلام أيضًا من اعتقد جواز الخروج عن شريعة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .

ثانيًا: تهديد العولمة للمفاهيم الأساسية في العقيدة الإسلامية:

كما أن العولمة تسعى لإعادة تشكيل المفاهيم الأساسية عن الكون والإنسان والحياة عند المسلمين ، والاستعاضة عنها بالمفاهيم التي يروج لها الغرب ثقافيًا وفكريًا .

فالكون - في نظر العولمة الثقافية والفكرية - لم يخلق تسخيرًا للإنسان ، ليكون ميدان امتحان للناس ولابتلائهم أيهم أحسن عملًا !! والإنسان لم يخلق لهدف عبادة الله تعالى!! والحياة ليست صراعًا ابتدأ منذ خلق الإنسان، بين الحق الذي يمثله الرسل والأنبياء وأتباعهم الذين يدعون إلى سبيل الله تعالى بالوحي ، وبين الباطل الذي يدعو إليه الشيطان .. والشيطان ليس هو الذي يقود - في الحقيقة - معركة الباطل ويجند لها جنوده من الرجال والنساء كما قال سبحانه وتعالى: { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } (الإسراء:64) .. وقال سبحانه وتعالى: { أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا } (مريم: 83) ، وقال الله تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } (النساء:76) ، وقال سبحانه: { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ } (الحشر:16) ...هذه المفاهيم الأساسية للعقيدة الإسلامية ، ليست في نظر العولمة الفكرية والثقافية سوى خرافة .

كما أن الموقف من أمم الأرض - في نظر العولمة الفكرية والثقافية - ليس على أساس المفهوم القرآني القائم على التقسيم العقائدي إلى:

أ- (( المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم ) )أخرجه احمد وأبو داود و غيرهما ، وأنه تجب موالاة المسلم لأخيه المسلم ونصرته ، وأن يكونوا أمة واحدة تجمعها العقيدة ولا تفرقها أي وشيجة أخرى .

ب- وإلى كفار تجري عليهم الأحكام الشرعية بحسب علاقتهم بالمسلمين .

-هذه المفاهيم القرآنية الإسلامية الأساسية كلها تنقضها العولمة الفكرية والثقافية من أصلها ، وتهدمها من أساسها ، فالكون - في نظر العولمة - ما هو إلاّ ميدان تنافس على المصالح الدنيوية ، والإنسان حيوان دائب البحث عن ملذاته وشهواته ومنافعه ، وليست الحياة سوى فرصة قصيرة لا ينبغي أن تضيع في غير اللذة والشهرة والجنس والمال والثروة والجمال، وليس وراءها شيء آخر ، وما هي إلاّ سباق بين الناس في هذا الميدان لا ينقصه سوى تنظيم هذه اللعبة لئلا تفسد على الجميع ، ولا يصحّ التفريق بين الناس على أساس عقائدهم فهم أمة واحدة في الإنسانية تجري عليهم أحكام واحدة لا يجوز بحال أن تتفاوت هذه الأحكام بسبب الدين أو العقيدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت