فهرس الكتاب

الصفحة 957 من 1942

فإن الدعوة إلى العولمة الثقافية لا تخرج في حقيقتها عن محاولة لتذويب الثقافات والحضارات وإلغاء الخصوصيات الحضارية لصالح حضارة الغالب .. وعالم المسلمين يعد أول المستهدفين .. ذلك أن الثقافة الإسلامية التي تشكل هوية الأمة وقسمات شخصيتها الحضارية ، هي في ثوابتها من عطاء معرفة الوحي ، لذلك فالاستهداف يتركز حول عقيدة الأمة الإسلامية ؛ لأن الدين ليس أمرًا مفصولًا عن الثقافة .

أعمدة الهيمنة الأربعة:

ولقد أصبح من الواضح في تحليل السياسة العالمية بصورة عامة منذ تفرد الولايات المتحدة بكونها القوة الكبرى المهيمنة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، أن العولمة ما هي إلاّ أحد الأعمدة الأربعة التي أوثقت بها دول القلب ( الولايات المتحدة وأوروبا ) ، التي تشكل موقع صناعة القرار العالمي ، ما حولها من العالم تفي أسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية - والتي غدت لا تعني سوى كونها سوقًا مربحة أو ساحة مصالح لدول القلب - أو ثقتها بهذه الأعمدة لتجبرها على البقاء تحت هيمنة دول القلب ، تجري في فلكها لتضمن تحقق السيطرة الكفيلة بضمان تفوق الغرب على الشرق والشمال على الجنوب ، وتدفق المصالح الاستراتيجية من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال.

وأما الأعمدة الثلاثة الأخرى فهي:

الشرعية الدولية:

حيث تحتكر دول القلب هذه الشرعية المتمثلة في ( الأمم المتحدة ) وتستعملها لإسباغ الشرعية أو نزعها عن أي دولة تحاول التخلص من الوثاق ذي الأعمدة الأربعة التي أوثقت به دول القلب العالم ، ولم يعد يهم دول القلب أن تتعسف وتتناقض وتكيل بمكيالين في استعمال أداة (الشرعية الدولية) فتصدر قرارًا من مجلس الأمن لعقاب من تريد ، لأنه أعلن رفضه لقانون الهيمنة الذي فرضته دول القلب على العالم ، بينما تكتفي بموقف المتفرج في حالات أشد خطورة وانتهاكًا لحقوق الإنسان وقيم الأمم المتحدة ، لسبب واضح وهو أن دول القلب لم تشعر بالحاجة إلى تحريك (الشرعية) هنا لضمان مصالح أو تأديب خارج على قانونها ، قانون الهيمنة والسيطرة .

السلاح:

وبوسيلة هذا العمود تتحكم دول القلب بالحروب والتوترات العالمية ، وتأجج أو تخمد مناطق الصراع العالمية على وفق مصالحها .

والخامات:

مثل النفط والقمح ، وبوسيلة هذا العمود تتحكم دول القلب بالتنمية والتطور والتكنولوجيا أيضًا في الدول الواقعة في أحزمة مصالح دول القلب ، وذلك وفق مصالحها وبما يضمن بقاء تفوقها وتدفق المصالح الاستراتيجية إليها.

والعولمة تعتمد على محورين أساسين:

المحور الأول:

التجارة العالمية .

المحور الثاني:

الإعلام الذي يحمل الثقافة والفكر .

والعولمة التجارية يقصد بها ضمان تدفق رؤوس الأموال الغريبة إلى أسواق العالم ، وضمان تدفق المصالح المادية نحو دول القلب ، كما تقدم .. والعولمة الإعلامية يقصد بها إخضاع العالم لقيم العالم الغربي .

الموقف من العولمة الفكرية والثقافية:

يمكن تلخيص المواقف تجاه العولمة في أربعة:

الأول:

الموقف القابل للعولمة ، الذائب فيها ، المؤيد لها تأييدًا مطلقًا .

الثاني:

الموقف الرافض لها جملة وتفصيلًا .

الثالث:

الموقف الملفق الذي يحاول التلفيق بين ما تحمله العولمة والإسلام.

الرابع:

الموقف المتفاعل معها على أساس الانتقائية المشوبة بالحذر .

-أما الموقف القابل بإطلاق فهو موقف تابع ، و قد جلب ، ولا يزال يجلب سلبيات الحضارة الغربية ، لأنه موقف قائم على الخلط بين مقومات الحضارة الإنسانية التي هي بناء فكري ينبثق منه منهج للتعامل مع الخالق والحياة والإنسان والكون ، وبين الآلات والتكنولوجيا التي هي منجزات علمية مشتركة بين الناس .. فالأول هي الحضارة وهي لا تستورد ولا تشتري ولا يمكن نقلها من أمة إلى أمة إلاّ بإحداث انقلاب جذري استئصالي .

-وأما الموقف الرافض ، فهو موقف خاسر غير واقعي ، وسيؤدي إلى الانكفاء والانعزال فالموت الحضاري .

-وأما الموقف الملفق وهو الموقف الذي يتزعمه بعض من يسمون أنفسهم الليبراليين في عالمنا العربي ، والذي يعتبرون أنفسهم معتدلين ، لأن المتطرفين منهم هم أصحاب الموقف المؤيد تأييدًا مطلقًا للعولمة .. ويدندن حول هذا الموقف من يسمون أنفسهم (اليسار الإسلامي ) أيضًا .. وهاتان الفئتان تضيعان وقت الأمة بممارستهما عملية (قص ولزق ) وبتر لبعض قيم الأمة وعزلها من سياقها المتكامل لإخضاعها للفلسفات المعاصرة ، وما هذا الصنيع إلاّ تكريس لإلغاء الذات أو تشويهها لصالح الأجنبي.

-وأما الموقف الرابع القائم على التفاعل الحضاري الناقد والانتقائي الحذر ، الذي يقوم على الفحص والتدقيق وتقليب الشعارات والتنقيب عن المسميات ، فيكشف ما تحت بريق العولمة من الظلمات كالإباحية والمادية النفعية والميكافيلية الشريرة والاستغلال الرأسمالي للإنسان باسم التحرير ، وفلسفة اللذة والمتعة وعبادة الدنيا ، ثم يأخذ ما في العولمة من الصواب والخير بعد التمييز والتفتيش والنقد الموضوعي المنبثق من الثقة بالذات والاعتزاز بالهوية ، ويرفض ما في العولمة من الشر والضلال.

الموقف الصواب من العولمة:

وهذا الموقف لا شك أنه هو الحق الذي يجب اتباعه ، وأصله في الشريعة الإسلامية قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( ...حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) )رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وورد في بعض ألفاظه: (( ولكن لا تصدقوهم .. ولا تكذبوهم ) )أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .. ووجه الاستدلال به ، أنه إذن بالتفاعل الحضاري والتواصل الثقافي مع ما عند أهل الكتاب ، غير أنه صلى الله عليه وسلم أمر برفض ما يعارض القرآن وقبول ما يوافقه والحذر مما لا يعلم صدقه من كذبه .

وحتى نبرهن على صحة هذا الموقف من العولمة ، نقف عند أهم أخطارها الثقافية والفكرية على أمتنا ، لتأخذ حذرها وتدرك كيفية التعامل مع وجهة العالم الجديد ، مما يمكنها من إبلاغ رسالتها وإلحاق الرحمة بالعالمين قيامًا بدورها في الشهود الحضاري.

أهم أخطار العولمة:

تعرف العولمة مطلقًا بأنها:

ظاهرة الانتماء العالمي بمعناه العام ، وهي تعبير مختصر عن مفاهيم عدة ، فهي تشمل الخروج من الأطر المحدودة - الإقليمية والعنصرية والطائفية ، وغيرها - إلى الانتماء العالمي الأعم .. ففي جانبها الاقتصادي تشمل الانفتاح التجاري وإلغاء القيود التجارية ، وتوفير فرص للتبادل التجاري الواسع محكومًا بقواعد السوق فقط ، بدون وجود إجراءات حمائية حكومية .. وفي جانبها الفكري والثقافي هي الانفتاح الفكري على الآخر وعدم الانغلاق على الذات ، ورفض التعصب الفكري الذي يدعو لإلغاء (الآخر) ، لا لشيء سوى أنه مغاير للفكر .. وفي جانبها السياسي هي شيوع تطبيق القانون على الجميع ومراعاة الحقوق السياسية للإنسان ..فهي باختصار الشعور بالانتماء الكبير العالمي بدلًا من الاقتصار على الانتماء المحلي الإقليمي ( الديني ، العنصري ، الطائفي) .

لكن هذا العرض اللطيف الذي حاول تجميل وجه العولمة ، ليس سوى محاولة لإخفاء حقيقتها التي تنطوي عليها أهدافها .

أهداف العولمة:

1-محاولة سيطرة قيم وعادات وثقافات العالم الغربي على بقية دول العالم ، خاصة النامي منها ، وإذابة خصائصها .

2-تهميش تميز دين الإسلام ، وإزالة الحدود الفاصلة بينه وبين غيره من الأديان الباطلة ، تمهيدًا لشن هجوم على مبادئه وتعاليمه وصد الناس عن الإيمان به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت