وينبغي أن يعلم أنه يجب على المسلمين الدعوة إلى الحق الذي نزل به الوحي ، والاجتماع عليه ، وجهاد ضده .
ثم إن لهم أحوالا:
1ـ أن يُمكّنوا في الأرض ، فيجب عليهم أن يقيموه كما أمره الله تعالى ، بالسلطان القاهر ، والسيف الظافر ، وأن يجتمعوا على الحق ولا يتفرقوا فيه ، وأن يحكموا بين العباد بما أنزل الله تعالى ، وأن يجاهدوا في الأرض لإعلاء كلمة الله .
2ـ أن لا يُمَكّنوا فيجب عليهم الصبر على غربتهم ، مع التمسك بالحق دون تنازل عنه ، ولا مداهنة فيه ، والسعي لتجميع أسباب القوة ، حَتّى يُمَكَّن لِحَقّهِمْ ويعلون به على الجاهلية .
3ـ أن يستجمعوا أسبابا من القوة تمكنهم من الجهاد ، فيجب عليهم أن يقوموا به ، مجاهدين بالسلاح حتى يصلوا إلى التمكين .
أما أن يجدوا أنفسهم في غربة بسبب تمسكهم بالحقّ ، فيشتدّ عليهم بلاؤها ، فيدفعونها عنهم جزعا بتأويل الشرع المنزّل ، ليوافق الواقع الجاهلي المبدّل ؟! فهذا هو الذي حذر الله تعالى منه نبيه صلى الله عليه وسلم قائلا:"وَدّوُا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوُن"، وهو البلاء المنتشر هذه الأيام ، قد تكبكب الناس فيه زرافات ووحدانا ، وضلّ فيه من ضلّ ، وزاغ فيه من زاغ ، وهو خلاف ما أمر الله به من الثبات على الهدى ، والصبر على الغربة فيه ، نسأل الله أن يثبتنا بفضله ومنّه وكرمه .
وقد عاش من عاش من الأنبياء في غربةٍ فصبروا ولم يغيروا ولم يداهنوا ، ومضى من مضى من الصالحين أولي بقية ينهون عن الفساد في الأرض في غربة فثبتوا ، وما بدّلوا تبديلا.
وإنما الأمر لله ، بيده الأمر كلّه ، وإليه يرجع الأمر كلّه ، علانيته وسره ، ليس علينا سوى الاستقامة على ما أمر ، والدعوة إلى دينه بالثبات والصبر .
الدرس الثالث
عالمية الإسلامية في مواجهة عولمة المادية
الإسلام قوة عالمية تمتلك كلّ مقومات الحضارة القادرة على قيادة العالم ، فبلاد الإسلام تملك الطاقة ، والثروة ، والكثافة السكانية ، والامتداد الإقليمي ، في أغنى بقع العالم ، وأكثرها تحكما في المواصلات الجوية ، والبحرية ، والبرية .
والحضارة الإسلامية تمتلك أغنى ثقافة إنسانية مصدرها رباني محفوظ ، قادرة على إخراج الإنسان من الظلمات إلى النور ، ومن الباطل إلى الحق ، ومن الضياع إلى الهدى ، ومن التخبط إلى الرشاد ، قال تعالى ( ، فمن اتبع هداي فلا يضل ولايشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ، ونحشره يوم القيامة أعمى ) .
ولكن العالم الإسلامي ، بات يعاني من هجوم أجنبي ، غربي ، هدفه:
الحليولة دون عودة الإسلام حضارة قيادية للعالم ، ولهذا فهو يستهدف حضارتنا ، على شتى المستويات ، وذلك عن طريق:
1ـ التشكيك في ثوابت الحضارة الإسلامية ، في الرسول صلى الله عليه وسلم ، والقرآن ، والشريعة الإسلامية ، والتاريخ الإسلامي.
2ـ تمزيق العالم الإسلامي ، وتشجيع التباعد بين أقطاره ، وشعوبه ، بدعم الحروب الداخلية ، والعنصريات البغيضة ، وتأجيج الأزمات فيه .
3ـ إبقاؤه في حالة تخلف إقتصادي ، وعسكري ، وإجتماعي ، وتكنلوجي ، وسياسي.
4ـ إشاعة الفساد الأخلاقي المتمثل في الإباحية ، والشذوذ ، والميوعة ، عن طريق الاعلام المفسد ، الذي يقدم النماذج المهترئة للشباب المسلم .
5ـ منع القيادات الإسلامية الملتزمة ، والجادة ، والنهضوية ، من تولي زمام الأمور في العالم الإسلامي ، على مستوى الأنظمة السياسية ، وعلى مستوى التوجيه الثقافي ، والفكري ، والحضاري.
6ـ غرس النماذج الثقافية ، والقيادية ، التي تخدم المخطط الغربي ، في مواقع صنع القرار ، والقيادة الفكرية في العالم الإسلامي .
والعالم الغربي يجدد هذا الغزو الفكري ، و الشمولي ، اليوم ، تحت شعار العولمة ، التي تدعو إلى الماديّة النفعيّة التي تقدّس المال ، واللذّة فحسب ، ويقدم هذا الدين الجديد ( العولمة ) على أنه البديل الحضاري العالمي ، الذي يجب أن يسود العالم .
فالعولمة في حقيقتها هي هوية بلا هوية ، وثقافة مفرغة من أيّ قيمة إنسانية تنفع البشرية ، فهي بإختصار تعبيد البشر للمادة ، فهي صنم العولة الأكبر ، وأما محرابها الذي تدعو الناس إلى السجود فيه ، وقبلتها التي تيمم وجوههم إليها ، فأسواق المال ، وأما شريعتها فهي عبادة الحياة الدنيا ، والتنافس فيها ، كما يتنافس الحيوانات في شريعة الغاب ، وأصدق شيء في وصفها ما قاله الله تعالى: ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لايهدي القوم الكافرين ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس وإنتكس ، إن أعطي رضي ، وإن منع سخط ) .
فهذه العولمة الغربية تعست وانتكست ، وستقود العالم إلى الفوضى ، والدمار ، والصراع الحيواني على الملذّات ، والمنافع المادية ، ولهذا نجد الحروب ، والفقر ، و الدمار، قد ازدادت وتيرتها ، وتضاعفت ، بعد إنطلاق العولمة التي يقودها الغرب .
ولا خلاص من مصير البشرية الأسود الذي ينتظرها إذا إنحدرت وراء العولمة الغربية ، إلا بعالمية الإسلام الذي يدعو إلى:
1ـ غرس الإيمان بالله تعالى ، والآخرة ، في نفوس الناس ، فهو الوازع الأعظم الذي يعصم الإنسان من التحوّل إلى حالة البهيمية المدمرة للحضارة البشرية .
2ـ تقديم القيم الأخلاقية التي تقدس الإحسان ، والنفع الخيّر المتعدّي ، على الجشع الرأسمالي المادي.
3ـ الجمع بين حاجات الجسد المباحة ، وحاجات الروح التي لاقوام للإنسان ، ولا سعادة ، ولافلاح ، إلاّ بها .
مسؤولية الإسلام عالمية:
وقد غرس الإسلام في نفوس أتباعه الشعور بالمسؤولية تجاه العالم ، عندما وصف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) .
وجعل عناوين هذا الدين الرئيسة هي: الإسلام ، والإيمان ، والإحسان ، ووصف أمته بأنها أمة الخير ، وما ذلك كلّه إلا لتحميلها مسؤولية قيادة البشرية ، و العالم ، إلى الهدى والنور ، إذ هي التي تحمل السلم ، والأمن ، والإحسان ، والخير للعالم .
ولهذا يجب على الأمة الإسلامية أن تسعى للقيام بدورها الحضاري العالمي عن طريق:
1ـ العودة إلى شريعتها التي تحدد هويّتها ، وتشكّل ثقافتها ، وإلى تحكيمها في كلّ مناحي الحياة.
2ـ توحيد الأمّة الإسلامية كلّها في نظام ينتظم جميع عوامل القوة والإستقلال ، ويحمل رسالتها العالمية في إطار حضاري شامل ، يواجه مشكلات العصر ، ويحلها ، بثوابته الهادية ، بوسائل مكافئة عصرية.
ملحق
العولمة الثقافية وخطرها
قال تعالى: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
إن الموقف المطلوب من المسلمين تجاه العولمة الثقافية والفكرية هو التفاعل الحضاري والتعامل الثقافي الحذر ، القادر على التمييز بين النافع والضار ، حفاظًا على عقيدة الأمة وهويتها من التضليل والعبث الفكري والثقافي
الحمد لله الذي لا إله إلاّ هو ، لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته . والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء محمد وعلى آله وصحابته وبعد: