فليس في هذا ـ إن صح إسناده ـ حجة البتة على أنه يجوز تمكين أهل البدع من إظهار بدعهم ، والدعوة إليها ، والمطالبة بتأسيس حزب يدعو إلى الضلالة بقانون يحميهم ، ولا يقول بهذا عالم يفقه هذه الشريعة ، فيعارض النصوص المحكمة الآمرة بإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، باليد ، يد السلطان ، ويد من يقدر وجوبا ، قبل اللسان والقلب .
وإنما كان هذا القول من علي رضي الله عنه ، تبرئة للذمة ، وقطعا لأي حجة قد يحتج بها مبطل فيما لو قام رضي الله عنه فقاتلهم ، فقال: إن كنتم مع جماعة المسلمين ، لم تُمْنعوا من المساجد ، وإن كانت أيديكم معنا في جهاد أعداءنا ،لم تمنعوا الفيء ، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا ، وسكت عما وراء ذلك ، وكان بينه وبين القوم مناوشات ، وكانوا طائفة خرجت من جيشه ، في وقت يحارب أعداءه ، وكان يتربص بهم حكم الله فيهم ، وأن يحسّهم حسّا بسيفه فرحا بذلك ، مستبشرا بما سيجريه الله على يديه من الخير العظيم بإنكار منكرهم العظيم .
وليس في هذا من الدلالة ، من شيء ، على أن الإمام له أن يأذن بإظهار البدع ، أو يقر الدعاة إليها فلا يأخذ على أيديهم ! عجبا لهذا الاستدلال ما أضعفه ، وأبعده عن الفهم الصحيح !
بل ما يجب على الإمام العادل ، من منع إظهار البدع ، أعظم مما يجب من منع إظهار المعاصي ، فالولايات أصلا لم تنصب إلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تقدم.
وقد كان علي رضي الله عنه ، يمنع ويعاقب على بدع أدنى من بدع الخوارج ،
كما قال شيخ الإسلام رحمه الله:
"وروي عنه بأسانيد جيدة أنه قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري . وعنه أنه طلب عبد الله بن سبأ لما بلغه أنه سب أبا بكر وعمر ليقتله فهرب منه ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر برجل فضله على أبي بكر أن يجلد لذلك ، وقال عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عسل ؛ لما ظن أنه من الخوارج: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك ، فهذه سنة أمير المؤمنين علي وغيره قد أمر بعقوبة الشيعة: الأصناف الثلاثة وأخفهم المفضلة ، فأمر هو وعمر بجلدهم"
وكذا كانت سنة الخلفاء ، قال شيخ الإسلام ابن تيميه:
"فأما إذا كانت البدعة ظاهرة - تعرف العامة أنها مخالفة للشريعة - كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والجهمية ."
فهذه على السلطان إنكارها ؛ لأن علمها عام ، كما عليه الإنكار على من يستحل الفواحش والخمر وترك الصلاة ونحو ذلك .
ومع هذا فقد يكثر أهل هذه الأهواء في بعض الأمكنة والأزمنة حتى يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئا - عند الجهال - لكلام أهل العلم والسنة حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء فيحتاج حينئذ إلى من يقوم بإظهار حجة الله وتبيينها حتى تكون العقوبة بعد الحجة .
وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة: قال تعالى { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} .
ولهذا قال الفقهاء في البغاة إن الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها وإن ذكروا مظلمة أزالها كما أرسل علي ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج فناظرهم حتى ظهر لهم الحق وأقروا به ، ثم بعد موته نقض غيلان القدري التوبة فصلب"أ.هـ."
*** والحاصل: أن التعددية بالمفهوم العصري كفر وضلال مبين ، والتعددية ـ إن جاز هذا الإطلاق ـ التي وجدت في الإسلام ، هي أمر آخر يختلف اختلافا عظيما ، بل يتناقض تناقضا تاما مع التعددية في عرف العصر.
*** مع أنه يجب أن يعلم أن ثمة فرق كبير بين التعاطي مع واقع سياسي مخالف ، لم يصنعه الإسلام ، التعاطي معه بما يحقق مصلحة المسلمين ، وبين إقامة أو المشاركة أو الدعوة إلى إقامة هذا الواقع المخالف بإسم الإسلام.
وذلك يشبه من وجه ما يقوله الفقهاء: قد يجوز استدامة ، ما لا يجوز ابتداء.
وذلك أيضا كما يجوز للمسلم أن يرتكب أدنى الضررين ليدفع أشدهما عند التزاحم ، ولا يجوز له أن يصنع الضررين بنفسه ، ليختار أدناهما ضررا !!
ومن الأمثلة على هذا أن المسلمين لا يجوز لهم أن يطالبوا بقضاء لا يقضي بالشرع ، ولا أن يشاركوا في صناعة هذا النظام ، لكن إن وجدوا في نظام قضائي يخالف الشرع ، جاز لهم التحاكم إليه إن اضطروا لرفع الظلم عنهم ، كما رفع نبي الله يوسف عليه السلام شكايته على ظلم الوزير ، إلى الملك الكافر ، رسالة مع ساقي الملك الذي يسقيه الخمر.
فالعجب والله كل العجب ممن يقول ، إن هذه الأحزاب المخالفة للإسلام ودعوتها إلى كفرها وضلالها ، واقع ما له من دافع ، فلماذا لا نقنن هذا الواقع بما يحميه ، وينظّمه ، ويشرّعه ؟!
فما مثل هذا القائل ـ ليت شعري ـ إلا كمثل من يرى الخمر قد شاع شربها ، والفاحشة قد ذاع فعلها ، فدعا إلى تشريع ينظم العصابات القائمة على هذه المنكرات ، وتنظيمها في ناظم يقنّنها !!
بل الدعوة إلى تنظيم الداعين إلى المنكر في الاعتقادات ، والعلم ، والتصورات التي تفسد الإيمان ، وتقنين دعوتهم ، أشد قبحا ، لو كانوا يعلمون .
*** وأخيرا فإن هذه التعددية العصرية الزائفة ، ما هي إلا خداع ألقاه مفكروا الغرب التائهون إلينا ، فاغتر به من خضع لضغط هذا الواقع الجاهلي المزيّف ، لتبقي هذه الأمة في حال الفرقة والخلاف .
أما العالم الغربي فقد بقى متشبثا بالجامع الذي يجمع الأمة ، متعصبا له أشد التعصب ، متطلعا لفرضه على العالم .
كما قال المفكر الدكتور عبد الوهاب مسيري عن الفكر المادي الغربي بشكل عام:
"يمكن القول بأن النموذج الكامن وراء جميع الأيدلوجيات العلمانية الشاملة ـ ومثل لها بالليبرالية أيضا ـ هو ما يسمى"التطور أحادى الخط"UNILINAR، أي الإيمان بأن ثمة قانونا علميا وطبيعيا واحدا للتطور تخضع له المجتمعات والظواهر البشرية كافة ، وأن ثمة مراحل تمر بها كل المجتمعات البشرية تصل بعدها إلى نقطة تتلاقى عندها سائر المجتمعات والنظم بحيث يسود التجانس ، وهذا ما يسمى أيضا"نظرية التلاقي"CONVERGENC THEORY"
والتلاقي هو تواجد النماذج كلها بحيث تبع نمطا واحدا وقانونا عاما واحدا ، هو قانون التطور والتقدم بحيث يصبح العالم مكونا من وحدات متجانسة ، ما يحدث في الواحدة يحدث في الأخرى ، ويرى بعض المؤرخين أن العصر الحديث هو بحق عصر نهاية التاريخ"أ.هـ الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ 267"
ولهذا فإني لا أجد في وصف هذا الزيف الذي يسمى التعددية أحسن من وصف الكاتب راسل جاكوبي في كتابه"نهاية اليوتوبيا"حيث قال:
"فضلا عن أن مونتييه الذب ابتكر الشعار عاش حياة لايمكن أن توصف بالاستقامة ، ولقي حتفه مختنقا في مبغى ، وباختصار إن الشعار المرفوع كشعار للتعددية الثقافية الأمريكية ، ليس فقط مفتقدا تراثا كلاسيكيا واضحا ، بل مختلطا أيضا بالغموض والفضيحة ، وهذا أحد مؤرخي القرن التاسع عشر ، حين بحث في هذا التاريخ الشائك ، وجدها أمرا مخزيا:"
لقد كنا غير محظوظين بشكل استثنائي ، في اختيار هذا الشعار ، ومن الصعب أن تجد شعارا آخر أكثر ابتذالا ، وأقل لباقة منه بالتأكيد ، ليس ثمة شعار يمكن أن يكون نابيا وبلا دلالة مثله ، شعار ذو أصل حديث مبتذل لا علاقه له بأصل كلاسيكي ، شعار بلا مستدعيات أدبية أو تاريخيه ، شعار مجرد تماما من أي صدى ديني أو أخلاقي ، شعار يمكن أن يعني الإتحاد أو التفكك في أهواء كل فرد ، ولسوء الحظ غالبا ما يعني المعنى الأخير لدى واضعيه الأصليين"ص 45"