وإذا تم البحث عن عامل التوتر في التجربة الماركسية في روسيا بعد 1917م، فإننا نجد الوعود والآمال التي تأسس عليها المجتمع الماركسي تدفع (استاخانوف ) إلى أن ينتج عشرة أطنان من الفحم في الوقت الذي كان زملاؤه ينتجون خمسة فقط.. وكذا ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية فإنها نهضت من العدم وذلك بفعل التوتر الذي كان يشعر به الألماني تجاه بلاده، وما كان يحمله من ثقافة جعلت من الصعب أن تغير النكبة التي تعرضت لها ألمانيا من معادلته الاجتماعية (14) . فكان للفكرة وما أحدثته من توتر دور رائد في تحقيق الفعالية، من خلال المبررات التي تأتي بها الفكرة، فتطبع في النفوس توترًا يخرجها من حالة الفتور، إلى حالة التوتر الاجتماعي الذي يدفع الإنتاج بقوة وحرارة، عندما تتوفر المبررات الدافعة لليد والعقل والقلب لكي تحقق متساندة حضارة ذات إشعاع (15) .
مظاهر الفعالية:
يرى ابن نبي (رحمه الله) أن الفعالية يمكن التأكد منها في الواقع في روابطها بواقع الحياة مباشرة، وهي أكبر ما يميز المجتمعات في القرن العشرين، كما سبق القول، حتى أن التقدم أو التأخر الحضاري يمكن أن يلاحظه الإنسان من خلال ملاحظة عامل الفعالية، إذ يجده يقسم العالم إلى شطرين، أحدهما يتميز بالفعالية ويطبع بها كل جهوده وسلوكه، والآخر يتميز باللافعالية والتسيب في كل مظاهر حياته. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مشاهدة النسيج الاجتماعي، والمؤسسات الاجتماعية التي توجد في كلا الإطارين الحضاريين (16) .
بعبارة أخرى، يمكن رؤية نموذجين اجتماعيين مختلفين، أحدهما النموذج الغربي يطبعه التنظيم والديناميكا، أي تنتظمه الفعالية في واقع حياته، والآخر النموذج المتخلف، تنتظمه ضروب من التسيب واللافعالية. وهذا كله في إطار التاريخ، إذ لو رجعنا قرنين أو ثلاثة إلى الوراء -كما يرى ابن نبي- لوجدنا الصورة معكوسة تمامًا، إذ أن هذا المستكشف يجد الصورتين معكوستين، فكل ضروب النشاط والفعالية يجدها على محور طنجة-جاكرتا، وكل ضروب التسيب واللافعالية يجدها على المحور الغربي.
فمسألة الفعالية في حقيقتها تتعلق بالمرحلة الحضارية التي تعيشها الحضارة، كما تتعلق بنمط الثقافة التي هي إما دستور لقيام حضارة، وإما شبكة من النفايات والأفكار القاتلة والميتة التي تطبع إنسان ما بعد الحضارة (خارج إطار الحضارة ) ، مثل إنسان ومجتمع (ما بعد الموحدين ) في العالم الإسلامي (17) .
أهمية النموذج في تحقيق الفعالية:
يرى ابن نبي أن اختيار (النموذج ) يحدد المنهج، وهذا بدوره يجعل عملية بناء الحضارة عملية قصدية، تتحقق في إطار زمني منضبط.. فكل حضارة يتكون لها نموذجها ومثلها الذي تجعله نصب عينيها، سواء كان هذا النموذج مستمدًا من الحاضر أو الماضي أو كليهما، أو شيئًا آخر، ولكن لا بد من نموذج ومثال يحتذى. واختيار النموذج يحدد المنهج إلى حد ما، فهناك ارتباط بين النموذج والمنهج، في إطاره تتحقق صور التنظيم والديناميكا; أي الفعالية.
ويضرب ابن نبي مثالًا بالغرب واليابان كامتداد لمحور واشنطن-موسكو-طوكيو، حيث النموذج واضح في كل من الغرب واليابان الذي التحق بمحور القوة، لما توجه به الفكر المحافظ من العهد (الميجي ) والعقل الصناعي إلى تركيب حضاري، يبدو أنه اتجه نحو مشاكل الإمبراطورية أكثر مما اتجه نحو مشاكل الإنسان، أي نحو مشاكل (القوة ) ، غير أن نجاح التجربة كان واضحًا، إذ حينما قادها العقل المنهجي، وحين قادها منطق التأثير الفعال منذ العهد (الميجي ) ، فإن اليابان اجتاز في نصف قرن المرحلة التي تفصل محور طنجة-جاكرتا عن محور واشنطن-موسكو (18) . فارتقى إلى المستوى الاجتماعي للحضارة (19) ، وحققت له الرؤية الواضحة لنموذجه منهجًا أنجز به التركيب التاريخي التكويني للإنسان والتراب والوقت، وهو اختار النموذج الغربي، وانتهج منهج (القوة ) ، وهو يعلم ما هو جوهري في اختياره، أي أنه كان ينجز حضارته بفعل قصدي مهما كانت اختياراته، بينما كانت المشكلة في العالم الإسلامي تتجه لأن تُحلَّ من تلقاء نفسها، بقوة الأشياء لا بحكم الفكر. أما المجتمع الغربي فإن نموذجه الذي اختاره نما مع القرون التي امتدت منذ عصر النهضة، وشكلت له تقاليد حضارية، زادتها الفنية الديكارتية فعالية في تحقيق نتائجها على مستوى التاريخ (20) .
وغياب الفعالية في المجتمع الإسلامي يعزوه ابن نبي (رحمه الله) إلى أن العالم الإسلامي لم يختر حتى الآن نموذجه، الذي يعطيه تحديدًا لمنهجه، وبقيت النهضة تنمو تحت تأثير نموذج غامض لم تختره، بل فُرض عليها تلقائيًا من أذواق القوم.. وما يبدو أنه اختيار للنموذج الغربي في العالم الإسلامي، هو في حقيقته من قبيل (وضع الثور قبل المحراث ) ، وتكديس لمنتجات الحضارة الغربية، وهذا التكديس قد تم في تنكر كامل تقريبًا للنموذج ولفضائله الواقعية ولقيمه العامة، وكان انجرارًا وتقليدًا للجانب السافل منه (21) .
من هنا يمكن أن نؤكد أن الفعالية من وجهة اجتماعية (سوسيولوجية ) ، تنتج من خلال التركيب التاريخي للعناصر الأولية للحضارة، والتي هي الإنسان والوقت والتراب، على ضوء هداية منهج مكيف طبقًا للنموذج الذي اختاره المجتمع.
فالفعالية في جوهرها منهج فكري، بمعنى أنها (مسألة أفكار ومناهج وليست مسألة وسائل ) (22) ، كما اعتقد العالم الإسلامي حين اتجه إلى البحث عن الوسائل المادية، بينما الأمر يتعلق بنمط الثقافة وما تحدده من مناهج، وما توفره من أفكار وجو فكري، يفعِّل الأداء الاجتماعي للفرد والمجموع.. ولهذا فابن نبي (رحمه الله) حين يتحدث عن النموذج والمنهج، فهو في الحقيقة يتحدث عن ترجمتهما في صورة مشروع ثقافي، يكتل الجهود، ويشكل دستور الحياة، من خلال ما تحويه الثقافة من عناصر الفكر والأخلاق والعمل والجمال (23) ، وحينما ينعدم الإطار الثقافي بعناصره هذه، فإن الأفكار تتجه إلى الدوران حول التقليد، وتفقد اتصالها بنموذجها الثقافي الذي تكونت فيه أصالة، ويضمن لها الدور الفعال في التاريخ، وتتحول إلى معوقات إن لم تكن أمراضًا تقضي على بوادر النمو.
ولذا فإن ابن نبي يجعل انعدام الفعالية يكمن في انفصال الأفكار عن نموذجها في عالمها الثقافي الأصيل، فتصبح هذه الأفكار حينئذ الجراثيم التي تنقل الأمراض الاجتماعية، سواء الموروثة عن عهود التخلف، أو الأفكار المميتة القادمة من عالم ثقافي آخر انفصلت عنه (24) .
الثقافة والفعالية:
كما سبق القول، فإن الفعالية في مفهوم ابن نبي (رحمه الله) لا يمكن الحديث عنها منفصلة عن نظريته في الثقافة، ذلك أن الثقافة تشكل الإطار الذي ينظم سلوك الفرد في محيطه الاجتماعي، ويمنحه الوجهة التي يسير وفقها. وأساس كل ثقافة هو تركيب تفاعلي بين عناصر الوجود الاجتماعي; الأشخاص والأشياء والأفكار.. وضمن هذا التركيب تتوجه الثقافة إلى أن تكون إطارًا لتحقيق الفعالية أو الركود (25) .