فهرس الكتاب

الصفحة 1933 من 1942

يرى' ابن نبي (رحمه الله) أن الفعالية تعد إحدى خصائص العقل الغربي، وأن العقل الغربي يخضع لمبدأ الفعالية (1) .. هذه الخاصية اكتسبها الغربي على المستويين الفردي والاجتماعي، وصارت تصبغ كل أفعاله وإنجازاته في إطار التاريخ.. وهو -الغربي- اكتسب هذه الفعالية من التحديد الإيجابي لثقافته، الذي قام به (ديكارت ) ومن أتى بعده في بداية حركة النهضة الحضارية الأوروبية. كما يرى أن الفعالية على المستوى الاجتماعي هي القدرة على توليد ديناميكا اجتماعية، من خلال وضع المعادلة الاجتماعية في الحسبان، ومعرفتها بدقة، وبالتالي الدخول في تخطيط منهجي لا يحتوي خليطًا من الأفكار المتناقضة (2) .

وبالنسبة للغرب، فإن المعادلة الاجتماعية تمت صياغتها على أسس الثقافة الغربية بدستورها ذي الفصول الأربعة: المبدأ الأخلاقي، والنزعة الجمالية، والمنطق العملي، والفن التطبيقي الموائم لكل نوع من أنواع المجتمع (الصناعة بالتعبير الخلدوني ) (3) . واتجهت اتجاهًا ماديًا، كما سبق القول عند الحديث عن المادية.

ويبدو أنه اعتمادًا على اعتباره للمادية مذهبًا فلسفيًا يتخذه الغرب في تفسير الكون والتاريخ والأحداث، فإن ابن نبي يرى الفعالية في المفهوم الغربي هي الحسم، أي حسم المشاكل الإنسانية على أية حال، كما نجده ينظر إليها باعتبارها ظاهرة اجتماعية تميز الغرب، وأنها تعني في المجتمع الغربي: القدرة على كفالة الضمانات الاجتماعية للفرد (4) .

فالغرب في رأيه يعتبر الفعالية من وجهة اجتماعية عملية، أي محققة في الواقع في صورة ضمانات اجتماعية يقدمها المجتمع للفرد في أطوار حياته المختلفة. وخاصة بعدما جاء ديكارت، كما يقول ابن نبي (رحمه الله) : (وأتى ديكارت بالتحديد الإيجابي، الذي رسم للثقافة الغربية طريقها الموضوعي، الطريق الذي بني على المنهج التجريبي، والذي هو في الواقع السبب المباشر في تقدم الحضارة الغربية الحديثة تقدمها المادي ) (5) .

ولهذا فإن ما يفصل المجتمعات في هذا القرن هو مدى فعاليتها، حيث يوجد في القرن العشرين تشابه واختلاف بين المجتمعات، والاختلاف اللافت للنظر يكمن في ما يطبع نشاط أي مجتمع من فعالية تتفاوت درجتها من مجتمع إلى آخر، هذا العنصر الذي أصبح أساسيًا في فلسفة العصر، التي تعنى بتقدير الكم، فتجعله فوق القيم الأخرى، وهو يختلف باختلاف المجتمعات حتى يمكن أن نتخذه مقياسًا خاصًا لقياس المستوى التاريخي لهذه المجتمعات (6) .

ولهذا نجد أن أوروبا رجحت قيم الفعالية على قيم الأصالة، أي أن المبدأ الأخلاقي (المسيحية ) الذي أخرج أوروبا إلى الوجود وأدخلها التاريخ، ومنحها القوة الدافعة، قد اضمحل لحساب النهج الاستعماري (النفسية الاستعمارية ) ، وصار لعالمها الثقافي وجهان; وجه يلتفت إلى ذاتها بأخلاقيته الخاصة، ووجه يتلفت نحو العالم، وهمه الوحيد الفعالية (7) .

فالفعالية، كما يرى ابن نبي، ليست شيئًا فطريًا مركبًا في فطرة الرجل الغربي، أوالمجتمع الغربي، وإنما هي نتاج لتركيب ثقافي معين متحرك في إطار التاريخ، ومرتبط بالوضعية التي يقفها المجتمع من دورة الحضارة.

العامل النفسي للفعالية:

يرى ابن نبي (رحمه الله) أن العامل النفسي هو الذي يناط به توجيه النشاط والطاقات الاجتماعية.. والطاقات الاجتماعية يُبحث عن مفهومها في حقيقة الواقع الاجتماعي، وإذا حُللت إلى عناصرها الأولية فإنها تنحصر في ثلاثة: اليد، والقلب، والعقل، (لأن كل الطاقات الاجتماعية تنطلق منها، و العملية الاجتماعية نفسها لا تخرج عن هذه العناصر; فكل طاقة اجتماعية تصدر حتمًا من دوافع القلب، ومن مبررات وتوجهات العقل، ومن حركات الأعضاء، فكل نشاط اجتماعي مركب من هذه العناصر، والفعالية تكون أقوى في الوسط الذي ينتج أقوى الدوافع، وأقوم التوجيهات، وأنشط الحركات ) (8) .

هذ العامل النفسي، هو ما يسميه (التوتر ) ، والفعالية نتاج حالة خاصة من التوتر، توتر في الضمير، أي توتر أخلاقي واقتصادي وعلمي ونفسي... وهو حالة نفسية اجتماعية دلّ التاريخ على أنها تنشأ في ظروف معينة، تكون فيها المبررات التي تكوِّن الدوافع الإنسانية التي تدفع النشاط إلى أعلى قمته (9) ، وكانت المسيحية أكبر منتج للفعالية في المجتمع الغربي، الذي منحته الدفعة الروحية، ورفعت من طموحاته. ونظرة إلى واقعنا لنرى الرجل الغربي والرجل المسلم; أيهما ذو نشاط وعزم وحركة دائبة ؟ ليس هو المسلم بكل أسف، وهو الذي يأمره القرآن بالقصد والانضباط: (ولا تمش في الأرض مرحًا ) (لقمان:18) ، (وأقصد في مشيك ) (لقمان:19) ، وليس ذلك ضربًا من الافتراض بل هو شهادة الواقع (10) .

ويرى ابن نبي أن الأمر لا يتعلق بصحة الفكرة المسيحية أو زيفها، بقدر ما يتعلق الأمر بقانون اجتماعي وسنة من سنن التاريخ، وهي تسجيل الفكرة في النفوس، وخاصة في هذا العصر، ففي منطق هذا العصر لا يكون إثبات صحة الأفكار بالمستوى الفلسفي أو الأخلاقي، بل بالمستوى العملي. فالأفكار صحيحة إذا هي ضمنت النجاح (11) .

ولا يعني هذا أن ابن نبي يقصد عدم فائدة صحة الفكرة وأصالتها، في تقدير فعاليتها، ولكنه لما كان ينظر إلى الفكرة في التاريخ وفي علاقتها بالمعطى الاجتماعي، فإنه يحاول إخراج الضمير المسلم من المناقشات البيزنطية، التي تتحدث عن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، في حين أن الإسلام غائب عن قيادة الحياة. فهو ينظر إلى الحقيقة الموضوعية، وما تسجله الفكرة في الإطار الاجتماعي من تغيير وصياغة للنفوس وما تحدثه من أثر في التاريخ.. ومن هذه الجهة، فإن ابن نبي محق عندما دعا إلى العمل على تأكيد الصلاحية للفكرة وليس أصالتها، من خلال ربطها بالواقع، فهو يرى أن الفكرة الإسلامية لا يمكن مقارنتها بالفكرة المسيحية على مستوى الأصالة الذاتية من أي وجه من الأوجه، في قيمتها أو مصدرها أو في شموليتها. لكن الأمر يتعلق بالمسلم الذي انفصل واقعه الاجتماعي عن تأثير الفكرة الإسلامية وإن لم يفقد إيمانه بالله يومًا من الأيام (12) .

ولهذا فإنه يرى أن الفكرة الإسلامية لا تحتاج أن نبرهن على صدقها نظريًا، وإنما من خلال صياغة الحياة بها كما كان يفعل السلف، وإظهار فعاليتها في الواقع.. وكما يرى ببساطة، ينبغي العودة إلى روح الإسلام نفسها (13) .

فالتجربة الإسلامية الأولى التي صاغها النبي صلى الله عليه و سلم -كما يرى ابن نبي- غيرت المعادلة الاجتماعية للعرب، وأخرجت إنسانًا جديدًا غيَّر مجرى التاريخ وشاد حضارة خلال نصف قرن، وأنتج أشخاصًا أمثال عمار بن ياسر وبلال وربعي وعمر رضي الله عنهم أجمعين. فعمار بن ياسر كانت روحه المتناغمة مع نداء الفكرة الإسلامية وحرارتها الإيمانية، كانت هذه الروح تدفعه إلى أن ينقل حجرين بدل حجر واحد عند بناء المسجد النبوي، وبلال الذي ينادي: أَحَدٌ أَحَد، إنما كانت روحه أقوى من تلك الصخرة التي على صدره، إذ كانت تتطلع بفعل التوتر الذي أحدثه الإسلام فيها إلى حياة أسمى من ذلك العذاب الذي كان يلاقيه فلا يحس به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت