2 ـ الصبغة الانسانية العامة: ليست حضارة الاسلام محدودة المكان أو وطنية النزعة أو قومية مغلقة على أهلها أو طبقية محصورة في أسرة معينة، وإنما هي إنسانية عالمية واسعة الأفق تخاطب أي إنسان في أي مكان وتصلح للانتشار في أي بقعة أرضية وتقيم أخوة إنسانية عالمية (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير ) )يعم خيرها الجميع وتفيد كل امرئ بما تقدمه من علم نافع وعمل صالح لأن (( الخلق كلهم عيال الله، وأحب الخلق أنفعهم لعياله ) )وهذا المعنى من عظمة الله بدليل أنه يرزق الكافر والمؤمن ويمنح المواهب مَن يشاء وحينئذ تتفتح العبقريات في كل شعب وفي كل زمان ومكان.
وإذا كان العطاء الإلهي عامًا وجب أن يكون النتاج الحضاري عامًا لا حكرًا على أناس دون غيرهم لأن رائد الحضارة الأصيل هو إسعاد البشرية جمعاء وصعيدها العدل والحق والخير والكرامة. وهذه هي حقيقة تعاليم الاسلام التي تنفر من كل فكرة استعمارية أو نظرة إقليمية أو قومية ضيقة أو عصبية أو طائفية، باعتبار أن روح الاسلام عالمية لا تعرف متعصب إلا للخير العام وفي سبيل الصالح العام ومن أجل إقرار الحق (( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله... ) )ـ (( ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ) ).
3 ـ النظرة الشاملة للانسان والحياة: لقد تبين من تاريخ الحضارة أن كلا من الروحية البحتة أو المادية البحتة وحدها لا تصلح أن تكون سبيلًا لسعادة الانسان، فليس في مسلك الروحية البحت سوى التخلف وتعطيل الإرادة والتفكير وطاقات العمل وقتل آدمية الانسان وخسارة منافع الكون، وكذلك ليس في مسلك المادية البحت سوى الطغيان والظلم والاستعباد والذل والتحكم الغاشم بالأرواح والأموال والأعراض.
أما حضارة الاسلام الخالدة فقامت على أساس الجمع أو التوازن بين المادية والروحية الانسانية فتصبح الروحية المهذبة أساس المادية المهذبة، وعندها ينعم الانسان بالإرادة والحرية والتفكير وثمرة الجهود والعمل في إطار من الإيمان والأخلاق القائمة على العدل والأمن والاستقرار والرحمة والمحبة. وبهذا العنصر الانساني تميزت حضارة الاسلام التي سبقت كل الحضارات القديمة والحديثة كما أنها تميزت بامتداد جذورها إلى جميع نواحي الحياة الجديرة بالإعزاز والمحققة لسعادة الانسانية. قال الله تعالى واضعًا جوهر رسالة النبي (ص) : (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) )وأما المرتكزات الحضارية المادية من تفكير وإرادة وتضحية وعمل فقد حوتها آية أخرى وهي (( وأتبع فيما أتاك الله الدارة الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض. إن الله لا يحب المفسدين ) ).
4 ـ رسالة الأخلاق: إن سياج الحضارة الاسلامية هو الدين والأخلاق، فمبادئ الأخلاق تتدخل في كل نظم الحياة وفي مختلف أوجه نشاطها سواء في السلوك الشخصي أم في السلوك الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. ومن المحال إقامة النظام الصالح أو المجتمع الفاضل من دون أخلاق وقيم شريفة، وهذه القيم ونحوها هي صمام أمان يكفل دوام الحضارة ويمنع انحرافاتها وتعثرها بدليل قيام الحضارة الحديثة عليها في مبدأ الأمر وتعرضها للإفلاس والانهيار في شرخ قوتها عندما طغت عليها الصفة المادية.
5 ـ دور العلم: أقام الاسلام حضارته الرفيعة على منهج العلم والمعرفة والعقل والبحث والتجربة والاستنباط تقديرًا منه لحيوية العلوم في بناء الدولة والمجتمع فابتدأ بالقضاء على الجهل والأمية والتنديد بالتقليد الأعمى ثم أشاد بالعلم والعلماء في مختلف الاختصاصات الشاملة لكل إدراك يفيد الانسان في القيام برسالته في الحياة وهي تعمير الأرض والاستفادة من خيراتها وكنوزها كما يرشد إليه إطلاق النصوص القرآنية: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (وقل ربي زدني علمًا) (إنما يخشى الله من عباده العلماء) .. وكان حب العلم لذاته هو خلق العلماء القدامى دون التفات لمكسب مادي أو مغنم أدبي رخيص أو بقصد الشهرة وإذاعة الصيت ولم يجعل العلم وسيلة للمعاش إلا في عصور التخلف، وفي أوقات الحاجة المهيمنة الآن إلى كسب الرزق. وما أجدرنا أن يكون الدافع ذاتيًا إلى تعلم العلوم الحديثة وأن تهيئ الدولة كل المناخ الملائم لتطبيق النظريات العلمية الحديثة ليطلع فجر الحضارة الاسلامية من جديد وتمتلئ الحياة بالمجالس والمناقشات والأبحاث العلمية والتطبيقية، قال النبي (ص) : (( ومَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا... سهل الله له طريقًا إلى الجنة ) ).
6 ـ الحفاظ على الشخصية الذاتية: إن الأخذ بأسباب الحضارة الغربية لا يعني ضياع الشخصية الاسلامية وإهدار المقومات الذاتية، فلقد استفاد المسلمون في الماضي من حضارة غيرهم مع طبها بطابعهم الشخصي والمحافظة على القيم الاسلامية أما الإصرار على جعل المدنية الغربية طريقًا وحيدًا لإحياء الحضارة الاسلامية فهو تشكيك للنفوس وقتل للمعنويات وإهدار للجهود، ودعم الزعم القائل بعدم كفايتنا وإبقائنا عالة على غيرنا دون أن نستطيع مواجهة الغرب فضلًا عن مناهضته ومغالبته.
7 ـ الاعتصام بالحق والخير: الاسلام دين الحق كما عرفنا وطريق الدعوة إلى الخير وحضارته تقوم على مبدأ مناصرة الحق والعدل ومكافحة الباطل وعمل الخير وقمع الشر.. فلا ظلم ولا هضم للحقوق ولا إنتاج إلا للخير ولا ابتكار لما يضر ولا ينفع. وإحقاق الحق وتثبيته يتطلب تخطيطًا وثباتًا وقوة وتفانيًا. والخير الذي يشمل كل أنواع الرقي المادي والمعنوي لا يتوفر بدون تعاون الفرد والجماعة والحاكم والمحكومين، وأما الشر فيمثل كل مظاهر الانحراف والشذوذ والتخلف.
8 ـ الإيمان صمام الأمان: الإيمان في مفهوم الحضارة الاسلامية هو الذي يقيم قواعدها ويميز عناصرها الصالحة من الرديئة، وليس الإيمان مجرد عقيدة قلبية أو ديانة شخصية وإنما معناه الاسلام بكامله.
والاسلام نظام متكامل للأخلاق والمدنية والاجتماع والاقتصاد والسياسة، فهو الذي يوحد الأمة ويحفظ جهودها ويحافظ على وجودها وحضاراتها، وكلما قوي الإيمان قويت الحضارة، وكلما ضعف الإيمان ضعفت الحضارة وبقدر سيطرة تعاليم الاسلام على المجتمع بقدر ما يكون ازدهارها في المجال الحضاري.
وإذا كنا نجد الآن خلاف كل هذا في مجتمعنا تبين لنا بحق سبب تأخر المسلمين وما أصابهم من تقهقر اقتصادي وتمزق سياسي، وإمعانًا في بقاء هذه الحال مع أشد الأسف نرى الاتجاه العام يسير نحو عزل الاسلام عن الحياة والعلم والثقافة سيرًا وراء النواعق التي تنعق بأن الاسلام لا يستوعب الحضارة المعاصرة أو جهلًا بحقيقة الاسلام أو مشاركة في الخيانة المفضوحة أو المقنعة لإبقاء حالة الضعف القائمة وتأمين مصالح الرؤوس الكبيرة والدول العظيمة!!
ولكنا ما زلنا نؤمن بأن النصر والمستقبل سيكون لدولة الحق والاسلام المشرق بحضارته الوضاءة، لما نجده في النفوس من بقية طيبة من الإيمان والألفة والعزة والحمية والغيرة ولما نعيشه من واقع مؤلم تتوالى فيه الضربات والطعنات وتدمى منها القلوب والحناجر والصدور وتهتز الأرض من تحت الأرجل وتتهدد العروش والكراسي باحتلال الغاصب وظلم المستعبد ونار المستغل.
ولن يعود مجد الاسلام وحضارته إلا بالثقة بالنفس ودفن العجز واليأس والقنوط وتغيير ما في الصدور (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) .