وإذا كانت العلوم الطبيعية أقل تحيزًا، وإن لم تخل من هذا التحيز ( 3 ) ، فإن العلوم الاجتماعية والإنسانية تبدو أكثر تأثرًا بالخلفيات الفلسفية والنظرية لمؤسسيها (4) ، وتتجلى فيها الخصوصية بشكل واضح، ذلك أنها تدرس الإنسان كفرد أو في جماعة، ومعلوم أن دراسة الإنسان والعلاقات الإنسانية لا تخلو من تدخل التصورات التي يحملها الإنسان عن الكون وعن الحياة، وعن الإنسان ذاته ورسالته في هذا الوجود، وصلته بخالقه، وارتباطه بمثله الأعلى ومآله الأخروي.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العلوم الاجتماعية تجيب في حقيقتها عن أسئلة الإنسان، وتحاول تفسير وتحليل أسباب مشكلاته، وتعمل على تطوير أدائه ارتباطًا مع شبكة العلاقات الاجتماعية التي يتصل بها هذا الإنسان.. كما أن هذه العلوم التي تطورت في الغرب، تدرس علائق الإنسان الغربي ارتباطًا بالمرحلة الحضارية التي يعيشها الإنسان الغربي، وعلى الرغم من أن هذا لا ينفي وجود الجانب المشترك من المعرفة الإنسانية التي اشتركت فيها أجيال الإنسانية وتطورت بمشاركة كل الأمم، فإن الأمر كما يطرحه ابن نبي يأتي من جانبين:
الأول: الجانب العلمي; من حيث إن الرؤية الغربية المرتكزة أساسًا على المادة تستبعد الجانب الغيبي من الاعتبار العلمي، كما أنها برؤيتها العالمية المركزية ترى نفسها وعلومها نموذجًا عالميًا وحيدًا (5) ، وعن طريق فعاليتها الحضارية ذات المرتكز المادي فإنها تدرس الظواهر وتقدم الحقائق ارتباطًا بمنطق الفعالية الذي يعني في العرف الغربي الحسم بأية وسيلة، وهي تستبعد الجانب الأخلاقي من خلال تقديمها لذوق الجمال على حساب الجانب القيمي الروحي.
والثاني: الجانب العملي; من جهة اتصاله بجهود النهضة في العالم الإسلامي والتي تحتاج إلى علوم خاصة بدراسة الحالة التي تعيشها الأمة الإسلامية وفق المرحلة التي تعيش فيها الأمة حضاريًا، وتعمل على تحليل أسباب التخلف الكامنة في الذات الإسلامية طيلة قرون، والعمل على تفكيك خيوط شبكة (الأفكار الميتة والمميتة ) (6) المتصلة بالحقيقة الموضوعية الموجودة في العالم الإسلامي.
ولهذا فإنه اقترح تأسيس علم اجتماع خاص بالعالم الإسلامي، يدرس مشكلاته المتصلة بمرحلة الاستقلال السياسي، وهي المرحلة التي أعقبت الاستعمار المباشر، يقول ابن نبي: (ينبغي أن ينشأ علم اجتماع خاص بمرحلة الاستقلال ) (7) . ومع أن ابن نبي لم يكن صاحب اختصاص في علم الاجتماع، من الناحية الأكاديمية العلمية، فإن اتصاله بعلم الاجتماع يبدو في نظر خبراء الاجتماع يتجاوز الاطلاع العام إلى امتلاك رؤية تحليلية اجتماعية (8) . وكما سبق أن ذكرنا، فإن هذه الدعوة لا تنطلق من دافع التميز الحضاري فقط، وإنما من الناحية الموضوعية أيضًا، باعتبار أن المجتمع الإسلامي يختلف في نشأته وتطوره عن المجتمع الغربي، وإن هذا العلم الاجتماعي تطور بشكل كبير في أحضان أرضية المجتمع الغربي، ثم إن علم الاجتماع الحديث من حيث نظرياته ومفاهيمه ومناهجه ومقولاته نشأ في واقع اجتماعي يختلف في طبيعته وتكوينه وتطوره اختلافًا جذريًا عن الواقع الإسلامي.
وتطبيقًا لهذه الدعوة، فإن ابن نبي (رحمه الله) قدم نموذجًا للدراسة الاجتماعية من منظور علم اجتماع إسلامي، يعتمد على الوحي في منطلقاته، وتتمثل هذه المحاولة في دراسته التي صدرت في كتاب (ميلاد مجتمع -شبكة العلاقات الاجتماعية ) ، الذي درس فيه تعريف المجتمع من وجهة سوسيولوجية إسلامية، وقدم فيه نظريته الاجتماعية، مرتكزًا على الأبعاد النفسية والتاريخية، منتقدًا منهج علم الاجتماع الحديث في بعض تحديداته.
وإذا كانت قضية -أسلمة العلوم الاجتماعية- من القضايا التي اهتم بها المعنيون في حقل المعرفة الإسلامية في حقبة الثمانينيات، فلا بد أن نسجل هنا أن ابن نبي كان رائدًا في إثارة هذه القضية، بل في الإسهام في التنظير لها، ومعالجتها) (9) . وهي خطوة تعتبر رائدة من حيث تقديم بديل نظري وتطبيقي لعلم الاجتماع الحديث باتجاهاته الماركسية أو الليبيرالية. وهذه الخطوة جاءت بعدها كثير من الدراسات الطموحة إلى تأسيس علم اجتماع إسلامي، متميز في موضوعه بدراسته لمشكلات العالم الإسلامي، ومتميز في منهجه من خلال تحريره من الإحالات الفلسفية المادية المتمركزة على الذات الغربية (10) .
كما أن ابن نبي قدم محاولة أولية في تحديد موضوع علم الاجتماع الخاص بالعالم الإسلامي، وهي دراسة المشكلات المتصلة بالمرحلة الحضارية التي يعيشها العالم الإسلامي بعد الاستقلال.. كما أنه قدم محاولة أخرى تتعلق بتحديد منهج هذا العلم، وذلك بقوله: (ينبغي أن يكون هذا المنهج شاملًا، أي أن يتناول الإحصاء والتفسير، أو بعبارة أخرى ينبغي أن يعنى بالكشف عن الحالة الشاذة من ناحية، وأن يدرس مصدرها أوتاريخها من ناحية أخرى ) (11) . هذا الاقتراح أو المحاولة التي تقدم بها ابن نبي، تعد أولية تحتاج إلى جهود تنضجها، وتحولها إلى خط علمي واضح المعالم، وهو ما تقوم به اتجاهات الأسلمة منذ السبعينيات، حيث حولت هذه الدعوة التي تقدم بها ابن نبي إلى همٍ فكري ومعرفي يقوم على تحقيقه الكثير من الباحثين والعلماء المسلمين، وبعض المنظمات العلمية الإسلامية.
شبكة المفاهيم الجديدة:
يرى الأستاذ محمد المبارك رحمه الله، أن ابن نبي لم يكن باحثًا أكاديميًا نظريًا، منكبًا على أوراق بحثه في مكتب منعزل عن الحقيقة التي فيها أمته، بل إنه شعر في عمق ذاته بالمأزق الذي تعيشه، فراح يبحث لها عن حل عملي يخرجها مما هي فيه (12) . ولهذا لا يمكن عده من الناحية الأكاديمية متخصصًا في واحدة من العلوم الاجتماعية بقدر ما هو باحث عن حلول لأمته، جعلته يوظف كل العلوم المتاحة لديه ويأخذ منها بعض مصطلحاتها وأدواتها، ولكنه يطوعها لمنظوره وإطاره التحليلي، ويوظفها داخل نسقه الخاص بعد تخليصها من صلتها بالعلم الذي أخذت منه، وهذا ما يمكن أن نسميه التوظيف التكاملي للعلوم من أجل خدمة هدف محدد.
غير أن السؤال الذي يبقى مطروحًا أمام الباحثين في فكر ابن نبي هو مدى قدرة هذه المصطلحات على أن تصير مصطلحات مفتوحة أمام الباحثين وسهلة التعامل، ومقبولة من قبل العرف العلمي المشترك ؟ كما أن هناك من المصطلحات -كمصطلح القداسة مثلًا- التي قد تثير بعض الجدل في مدى أصالتها واتصالها بحقل المعرفة الإسلامية، وذلك على الرغم من حرص ابن نبي على انتقاء مصطلحاته.. وفي هذا تقول الباحثة (فوزية بريون ) : (وبالرغم من بعض المصطلحات اللغوية والفنية التي حجزت كتبه عن الوصول إلى القارئ العادي، فإن أفكار ابن نبي وتأملاته مثيرة للنفوس، كما أن مؤهلاته العلمية واضحة في الميدان الفكري، وهو معروف جيدًا بعنايته الفائقة في تحديد مصطلحاته، وترتيب مقدماته، والوصول إلى نتيجته) (13) .