فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 1942

ولذلك؛ فإن من أهم وأعظم ما تقدّمه لنا رسالات اللَّه، هو إيجاد هذا الفصل في داخل نفس الإنسان بين الحق والباطل،ولذلك نقرأ في الدعاء: (وأرني الحق حقًا فأتبعه، والباطل باطلًا فاجتنبه، ولا تجعله عليَّ متشابهًافأتبع هواي بغير هدى منك ) (41) .

إن هذه الفكرة؛ أي وجود حق وباطل، وأن هناك فاصلًا بينهما، وأنه لا يمكن أن يختلطا، هي فكرة حضارية أساسية في رسالات اللَّه تبارك وتعالى، لأن هذه الفكرة تفرز فكرة أخرى وراءها وهي: أن الحق مادام حقًا فإنه سوف يكون ثابتًا، وأن اللَّه هو الذي يضمن تطبيقه، وهو الذي يقف وراءه بكل قوته وعظمته.

ضرورة البحث عن الحق وأصحابه

إن على الإنسان أن يبحث عن الحق، فترى كيف يجده، وما هو المنهج السليم للوصول إليه، ومن هم أصحابه؟

فالذي لا يعترف بأن هناك حقًا وباطلًا، وأنهما مختلفان ولا يمكن أن يختلطا، لا يبحث عن الحق، ولا يتعب نفسه في التفكير به، أو البحث عنه، وسيعجز عن أن يميز بين أهل الحق وأهل الباطل، وسوف ينظر إلى الناس نظرة واحدة، لأن هؤلاء الناس سواء في ظاهر الخلق، فلماذا -إذن- يتعب الإنسان نفسه في البحث عن أصحاب الحق، وأين يجدهم؟إنهم قد يكونون مجموعة ضعيفة، وقد يمثلون فئة تتناقض مصالحهم مع مصالحه، بل إن التفكير أساسًا عملية صعبة،فالغالبية العظمى من الناس يهربون منه، ويفضّلون أن ينساقوا في تيار الأحداث كما هي، وأن يخوضوا مع الخائضين.

ولولا وجود بواعث شديدة تدفع الإنسان إلى التفكير والبحث والتنقيب، فإنه يحجم عن التفكير، ولذلك قيل: (الحاجة أم الاختراع ) فإذا كان هناك شخص محتاج فلماذا لا يبادر إلى الابتكار والاختراع؟

وفي مجال الطاعة التي سبقت الإشارة إليها، يقول عز من قائل: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (المائدة/7) ، فالطاعة لصاحب الحق، ولمن يحمل رايته، ويبحث عنه.

أدوات البحث عن الحق

والإنسان عندما يريد أن يبحث عن الحق، فإنه يفكر أولًا في أدوات هذا البحث؛ وعقل الإنسان هو أحد هذه الأدوات، فكيف نستثير هذا العقل ونستغلّه ونستضي ء بنوره، وكيف نتجنّب الهوى؟

إن بداية الطريق إلى ذلك هي أن ننطلق مستندين إلى المنطق السليم، لأننا نهدف الوصول إلى الحق، وطريقنا إلى الحق هو عقلنا، والعقل يجب أن يبحث عن الطريق المناسب الذي يوصلنا إلى الحق، وهذه هي المرحلة الأولى.

أما المرحلة الثانية من استخدام أدوات البحث عن الحق، فهي التحرّك. فنحن إذا لذنا بالصمت والسكون فإنّنا لا يمكن أن نصل إلى نتيجة، إذ عندما نريد التعرف إلى أصحاب الحق، علينا أن نتحرّك، ونسأل عنهم، ونتحقق في صفاتهم؛وبالتالي فإن الإنسان لابد أن يحمل مشعلًا يستطيع بواسطته العثور على أهل الحق، وذلك بأن يتحرّك، ويسير في الأرض كما يحثنا على ذلك القرآن الكريم في قوله: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الاَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت/20)

فالقرآن يبيّن لنا بوضوح أن طريقنا إلى الحق طريق شاق يستدعي التحرّك، والسير، والبحث.

الحضارات تشترك في العقلانية

وهناك فكرة يطرحها المؤرخون وعلماء الحضارة، وهي أن الحضارات تختلف عن بعضها؛ فهناك حضارات جمالية،وأخرى قانونية، وثالثة علمية أو تقنية.. ولكن هذه الحضارات جميعها تشترك مع بعضها في خصوصية واحدة هي (العقلانية) ؛ فأي حضارة لابد أن تبحث عن العقل، وتعمل بالعلم والمعرفة، وتولي لهما الاحترام والتقدير،فمثلًا؛ كان الاغريق القدماء يتمتعون بحضارة راقية تميّزت بتقديس العقل والعلم والعمل ومنهجية التفكير، وكذلك الحال بالنسبة إلى الحضارة العربية الإسلامية في عصورها الذهبية فقد كانت تتميّز هي الأخرى بالعقلانية والعلمية،ونفس الشي ء يمكن أن يقال عن الحضارة الغربية الحديثة.

أمّا الإسلام؛ فعندما يأمرنا بالحق والطاعة له ولأهله، فإنه في الواقع يرسي الحجر الأساس لبناء الحضارة، والقرآن الكريم هو الذي يبيّن لنا برنامج اتباع الحق وطاعته، فعلينا -إذن- أن نولي الاحترام الأكبر لهذا الكتاب العظيم لأننا إذاكنا نمتلك شيئًا من العلم فهو من القرآن الكريم، وكلّما زاد احترامنا له كلّما اتّسعت واتضحت آفاقه أمامنا، فعلينا أن نصغي له عند تلاوته لأننا في هذه الحالة نتبادل الحديث مع ربنا.

العدالة من صميم الحق

إن الحق قد ينطلق مما يربط بينك وبين الطبيعة، وقد يتصل فيما يربط بينك وبين الناس، وحينئذ يسمّى ب (العدل ) . والفرق بين العدل والحق هو أن الحق أكثر شمولًا، فقد يكون الشي ء بينك وبين اللَّه تبارك وتعالى حقًّا،ولكن قد لا يكون بالمصطلح الدقيق هو العدل. أمّا الحق الذي بينك وبين الناس فإنه هو الذي يسمى ب (العدل ) . وفي هذا المجال يقول تبارك وتعالى: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِوَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى اَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَاتَعْمَلُونَ ) (المائدة/8) .

ومن معالم الحضارة الإسلامية والمدنية الربانية؛ العدالة. والعدالة تمثل مطلبًا يسعى كل إنسان وخصوصًا إذا كان في مصلحته، ولكن من الذي يطبق العدالة؟ إن الحضارة ليست الدعوة إلى العدالة وطلبها لنفسك بقدر ما هي حمل رايةالعدل، وأن أنت قوامًا به، وأن تطلب المزيد من القيام بالحق بالمعنيين التاليين:

1/ الكثرة الكمّية؛ أي أن تقوم بالدعوة إلى الحق وتكرّس لهذه المهمة جميع أوقاتك، وتوجّه الآخرين للعمل في سبيل اللَّه والحق. وبالطبع فإن هذه المهمة صعبة للغاية؛ فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر يجعلانك في مواجهة الآخرين،ويضطرانك إلى أن تتخذ موقفًا اجتماعيًا.

2/ النوعية؛ ففي بعض الأحيان قد نأمر شخصًا أن يترك الغيبة، ونأمر شخصًا آخر باجتناب البهتان، ونطلب من ثالث أن يؤدي صلاة الليل، أو يدفع الصدقة، وما إلى ذلك.. وفي أحيان أخرى نحمل راية العدالة الاجتماعية في مقابل طاغوت، وفي هذه الحالة سنعتبر قوّامين بالعدل، لأن محاربة الطاغوت لا يمكن أن تتم بمجرد كلمة، وبمجرد الأمربالمعروف والنهي عن المنكر، بل إننا نحتاج في هذه الحالة إلى أن نصنع حركة حضارية تعمل لفترة طويلة حتى نستطيع إسقاط الطاغوت بأنفسنا أو نمهد الطريق للأجيال القادمة لأن تسقطه، والذي يقوم بهذه المهمة يطلق عليه أسم (القوّام ) كما جاء في قوله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ) .

وفي هذه الآية إشارة صريحة إلى ضرورة أن يكون القيام للَّه؛ أي إن علينا أن نبتعد عن المصالح الشخصية والحزبيةوالفئوية، وأن نشهد بالقسط، وعندما يكون المجتمع على هذه الشاكلة سيكون مجتمعًا نشيطًا متحفزًا يحاول دائمًا أن يقتحم الصراع. فالإنسان المتحضر هو الإنسان الذي يمتلك رغبة خوض الصراع، والتدخل في القضايا والعلاقات الاجتماعية، لأن انحراف أو صلاح الأفراد الآخرين في المجتمع يمثلان مفردة تعنيه.

أزمة العدالة والقسط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت