فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 1942

وأن المخلوقات خلقت لنفع الإنسان قال تعالى: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا) (النحل 30) فهذا التصور الشامل يساعد الإنسان على التعمير والإبداع والإنتاج، لأن العلم والمعرفة هما الأساس للإبداع، ومن جانب آخر فإن الإنسان المسلم لا يحتاج إلى أن يشغل عقله وتفكيره في عالم الغيب، لأن المعلومات حوله كافية، لذلك يسخر كل عقله وطاقاته للتعمير المادي في حين لو انشغل عقله بعالم الغيب لما استطاع أن يبدع في عالم المادة.

قانون السببية في الخلق واحترام السنن:

يقوم الخلق كله على قانون السببية فقال تعالى: (أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور 35) ، (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) (الكهف 85) ، وقد أقر الإسلام هذا القانون في إطار متوازن مع الإيمان بقدرة الله تعالى وإرادته دون تعارض ولا تصادم، ولذلك فرق بين التوكل والمطلوب الذي يعني الاعتماد على الله والإيمان بقدرته، ثم الأخذ بجميع الأسباب المتاحة، وبين التواكل المنبوذ الذي يعني التكاسل وإهمال الاخذ بالأسباب وبالتالي الفشل والخسران.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع تصرفاته وحركاته وفتوحاته يعتمد على جميع الأسباب المتاحة بعد التوكل على الله تعالى حيث لم يهمل أي سبب متاح، ففي هجرته خرج بشكل اعتمد فيه على كل وسائل الإخفاء عن قريش بما لا يدع أي مجال للشك في أن الأخذ بالأسباب مطلوب حتى للأنبياء، وكذلك في غزوة بدر حتى استفاد من الشمس حيث جعلها خلفه حتى تطلع متجهة نحو عيون المشركين، وقد لبس في غزوة أحد درعين وتعويدا للاخذ بالأسباب، حيث كانت سيرته العطرة تجسيدًا لهذا التوازن الرائع بين الإيمان بالله والتوكل عليه وبين الأخذ بالأسباب المشروعة المتاحة.

بل إن القرآن الكريم إضافة إلى أمره الأخذ بالأسباب وإعداد القوة ما استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فإنه قد حدد النسبة في البداية بواحد من المسلمين إلى عشرة من المشركين، ثم خفف إلى واحد إلى اثنين فقال تعالى: (الآنَ خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئِتَيْنِ) (الأنفال 66) ولم يكلف بأكثر من ذلك، مما يدل على أهمية الكثرة والعدد بجانب القوة المعنوية.

وهذه العقيدة القائمة على الأخذ بالأسباب جعلت المسلمين يبذلون كل جهودهم لتحقيق أسباب القوة والحضارة والتمكين غير معتمدين على الخيال والخرافات، وحتى الكرامات والمعجزات التي إن أتت فهي بفضل الله تعالى، فلم يدخل المسلمون على مر تاريخهم في أية معركة عسكرية أو حضارية معتمدين على المعجزات والكرامات فقط، بل اعتمدوا على الله تعالى ثم على جميع الأسباب الممكنة، ولذلك أراد الله تعالى أن يشهد صحب الرسول صلى الله عليه وسلم هزيمة عسكرية في معركة أحد، حينما خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الأمر الذي كان يتعلق أيضًا بالأخذ بالأسباب، حيث أمر الرماة أن لا ينزلوا من فوق جبل عينين، لكنهم نزلوا فحدثت المصيبة، فقال تعالى: (أَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) (آل عمران 165) .

ومن هنا استطاع المسلمون أن يحققوا حضارة رائعة خلال أقل من قرنين شهد بتقدمها والابتكارات فيها المنصفون.

قيمة البقاء والفناء

ويعلم المؤمن أنه خالد بروحه وأعماله وإن بليت الأجساد، وأن الدينا مزرعة الآخرة، وأنه يجب عليه أن يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا، ولآخرته كأنه يموت غدًا، وبذلك يوازن بين دنياه وآخرته كما أنه يؤمن بأنه لن ينفعه في الآخرة إلا الأعمال الصالحات الباقيات والصدقات الجاريات، ولذلك لن يترك الدنيا إلا وقد ترك أثارًا طبية تبقى بعده من العلم والعمارة لتشهد له في الدنيا والآخرة اقتداء بإبراهيم عليه السلام قدوة الأنبياء حيث دعا ربه فقال: (وَاجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الآخِرِينَ) (الشعراء 84) ، أي ذكرا حسنًا، وفقني لأن أترك آثارًا نافعة طيبة يراها الناس من بعدي فيذكروني بالخير حيث بنى الكعبة المشرفة، والمسجد الأقصى فيذكره جميع المؤمنين.

نظرة الإسلام إلى الحضارات

ينظر الإسلام إلى أن الحضارات جميعها تراث إنساني فيه عناصر الخير والشر، والبناء الهدم، والنفع والضرر، وفيه الحسنات والسيئات.

وأن الامة الإسلامية ليست مسؤولة عما جرى لهذه الحضارات الماضية: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (البقرة 134) وإنما الأمة الإسلامية مطالبة بأن تأخذ منها ما هو صالح ونافع وتضيف إليه ما تستطيع إضافته ليكون لها دور وريادة وقدرة على البناء والتمكين.

فالمسلمون مطالبون بأن يأخذوا كل ما هو أحسن من القول والفعل والتراث والعلم، والحضارة (فالحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنى وجدها) .

وكرر القرآن الكريم (الحكمة) عشرين مرة، فجعل تعليم الحكمة من أهم وظائف الرسول صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: (هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة 2) ، وقال تعالى: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا) (البقرة 269) ، وجعل تعليم الحكمة من أكبر النعم على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء 113) .

وأمر الله تعالى رسوله، والدعاة أن تكون دعوتهم قائمة على الحكمة فقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل 125) قد ربط الله تعالى بين الحكمة وبقاء الملك وشد احكامه وقوته وتطويره فقال تعالى في حق داود عليه السلام: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَاتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) (ص 20) ، بل إن الله تعالى جعل الحكيم من أسمائه وصفاته، وكرر القرآن الكريم هذا الاسم أكثر من مائة مرة.

ومن هذا المنطلق بذل المسلمون جهودًا كبيرة وأموالا طائلة في ترجمة التراث الإغريقي واليوناني والفارسي والهندي إلى اللغة العربية، حتى يحكي أن المأمون كان يوزن المخطوطة بالذهب، فيدفع في سبيلها ووزنها ذهبا، وكان الخلفاء والأمراء يتباهون بكثرة الكتب في مكتباتهم، حتى إن خزانة الكتب بمصر كانت تحوي كتب يزدجرد (ملك الفرس) وأن مكتبة الخليفة عزيز (بمصر عام 386هـ ـ 996م) تحتوي على ستمائة ألف كتاب، وأن الحكم صاحب الأندلس يتكون فهرس مكتبته من أربعة وأربعين جزءا، وأن فهرس كتب الصاحب بن عباد (ت 384 ـ 994م) يقع في عشرة مجلدات ضخام؟، ولم يكن بها إلا أسماء الكتب فقط دون أي تعليق، ويقارن الأستاذ آدم متر هذه الكثرة بقلة الكتب في كنائس الغرب قائلًا: (ولنذكر ما كان في بعض خزائن الكتب في الغرب على سبيل المقارنة: كانت في مكتبة الكانذرائية بمدينة كنستانز في القرن التاسع الميلادي ثلاثمائة وستة وخمسون كتابا، وفي مكتبة دير البندكتيين عام 1032م ما يزيد على المائة بقليل، وفي خزانة كتب الكانذرائية في مدينة بامبرج سنة 1130م ستة وتسعون كتابًا فقط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت