فهرس الكتاب

الصفحة 1930 من 1942

وهذا التوجه الإنساني نحو العالمية بفعل اضطراد التاريخ وتقدم الإنسانية، والذي كانت العالمية الغربية أهم أسبابه، لا يعني أن هذه العالمية الأوروبية، عالمية موضوعية، إذ يرى ابن نبي أن أوروبا التي كانت تبتغي امتلاك العالم، انقلب عليها سحرها، وقيدتها قوتها، فأوروبا (الغرب ) التي تقدمت بفعل اطراد عملها وضميرها، يبدو أنها تعاني من فصام بين هذين العاملين، فالعلم يدفعها نحو التوحد مع الإنسانية، بينما ضميرها متخلف عن تقدمها العلمي، مما جعلها تحاول أن تجعل من إشعاعها العالمي نوعًا من الهيمنة التي تؤكد التمركز الغربي على حساب الشعوب والأمم الأخرى (15) .

ولكن هذا التمركز حول الذات الغربية لا ينسينا أن الحضارة قد أصبحت مع الثقافة الغربية هدفًا مقصودًا -كما سبق القول- وعملًا شعوريًا ووظيفة اجتماعية للإنسان تتطلب ذكاءه وإرادته وكل قدراته، وصارت الحضارة غاية مبتغاة.. فالحضارة الغربية وسعت أولًا من حقل الحضارة نفسها، حين مدته من النطاق القومي والعنصري، إلى النطاق العالمي والإنساني. ولكن الغرب حين حقق امتداد الحضارة في المكان بفعل القوة الصناعية، قد أحدث تحولًا في الطبيعة التاريخية للحضارة، فلم تعد فيما يبدو خاضعة لقانون (الدورات ) كما هو في المفهوم الخلدوني، أو في مفهوم (شبنجلر ) ، وإنما أصبحت عالمية، أي في نطاق عالمي يتجاوز حدود الوحدات التاريخية في مفهوم (توينبي ) (16) .

وإذا كان الامتداد العالمي للحضارة الغربية سمة مميزة للقرن العشرين، ويبدو فيه امتدادها قانونًا تاريخيًا لعصرنا، حيث لوتأمل أحدنا الأشياء المحيطة به، أو في حجرة المكتب مثلًا، فإن معظم الأشياء غربية إن لم تكن كلها (17) ، فإن هذه الخاصية التاريخية المرتبطة بمجريات الواقع، أنتجت -كما يرى ابن نبي- همًا عالميًا، وطبعت أحداث القرن العشرين بطابع العالمية، وهي في واقعها المادي نتاج رائع لمقدرة الإنسان، وللمستوى الجديد الذي رفعت إليه هذه المقدرة ألوان نشاطه، حتى أصبحت العالمية غريزة القرن العشرين ومعناه، بل إنها تصريح لعصرنا وغاية محتومة لتطورنا الراهن، وضرورة تفرضها الظروف الصناعية والنفسية التي بلغها العالم مع اطراد التقدم على محور طنجة-جاكرتا، ومحور موسكو-واشنطن، وهذه الاعتبارات ترد مشكلة الحضارة إلى المستوى العالمي (18) .

وإذا تساءلنا عن مدى صدق هذه النتائج، فإن ابن نبي يوجهنا إلى تأمل الحركة التاريخية للحضارة الغربية وإفرازاتها، فأوروبا من جهة جعلت من الحضارة عملًا قصديًا، ووحدت من الهم الإنساني، ودفعت بفعل عاملها التكنولوجي إلى الربط بين أطراف المجتمع الإنساني، فإنها من جهة أخرى جعلت العالم يعيش مثقلًا بالعلم وبثقافة الإمبراطورية، مليء يضج بروح الحرب وبوسائل الحرب، ولكن هناك فراغًا كبيرًا من الضمير ينبغي له أن يمتلئ، فأوروبا تعيش في عالم كوّنه علمها، غير أن ضميرها لا يعلمه تمامًا، لأنها تجهل فيه مسألة رئيسة، تجهل الإنسان الذي اعتادت أن تنظر إليه بروح القرن التاسع عشر حتى الآن على أنه من أبناء المستعمرات (19) .

وهذا ما يجعل عالمية الحضارة الغربية ينقصها البعد الإنساني الحقيقي، ذلك أن فيها فصامًا بين علمها وروحها، فهي من جهة العوامل الفنية تدفع بالإنسانية -ولو من غير قصد- إلى التوجه العالمي، أما من جهة روحها وضميرها، فإنه مثقل بثقافة الإمبراطورية، أي ثقافة السيطرة، المتجذرة في اللاشعور الغربي.. وهذه الروح جعلت من الحضارة تهمل إنسانية الإنسان لما بقيت النفسية تتعامل مع الإنسان غير الغربي باعتباره هامشًا، وملحقًا بالمركز الغربي لأنه ابن المستعمرات، أو المستعمرات السابقة. ولهذا فمن مقتضى النظر المنهجي تتبع المسار الذي تشكلت فيه هذه (العالمية المركزية ) للحضارة الغربية، لنكون على وعي بالنتائج التي أوصلت الإنسانية إليها.

مسار التأسيس (للعالمية المركزية) :

يعطي ابن نبي (رحمه الله ) أهمية خاصة للقرنين التاسع عشر والعشرين، باعتبار أن القرن الماضي شهد توسعًا غربيًا شمل كل قارات العالم، وخضع العالم بدوره للسيطرة المباشرة للغرب من خلال الاستعمار، ثم مع مجيء القرن الحالي انحسر الاستعمار المباشر، ولكنه شهد انتشارًا للغرب من نوع آخر، كان هذا الانتشار والتوسع عن طريق العامل الصناعي الفني، والقوة التكنولوجية. إذ استطاع العهد التكنولوجي أن يقرب المسافات، ويتجاوز الحدود التقليدية، ويجعل من العالم قرية صغيرة متشابكة المصالح، وأصبح التعايش بين الحضارات ضرورة حتمية مع العهد الذري ونتائج النمو الصناعي، ومع الفتوحات العلمية الرهيبة التي أتاحت للطاقة الإنسانية أن تتحكم في كثير من السنن الطبيعية وتطوِّعها، كما مكنت الإنسان من السيطرة شبه التامة على الكرة الأرضية (20) ، وفرضت التكنولوجيا على كل مجتمع أن يضع في حسابه وجود الآخرين (21) .

وفي تحليله للنفسية التي كان عليها الغربي وهو يبسط وجوده في العالم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، يقول ابن نبي: (وفي هذا الجو المفعم بالشعور بالتفوق نشأت النفسية الأوروبية، وظهرت كتابات تنظر إلى تاريخ البشرية وكأنه بدأ مع الإغريق والرومان، ثم حدث فيه تقطع أو جمود، ثم عاد للظهور في باريس ولندن من جديد ) (22) .

والسبب في ذلك كما يرى، أن أوروبا التي ورثت التقاليد الرومانية من عصر النهضة قد أصبحت رهينة ثقافة إمبراطورية، تلك الثقافة التي تنحو إلى السيطرة، والتي أنتجت الاستعمار والعنصرية، فقد تغذى ضميرها بما أثار القرن التاسع عشر من قضايا، وهو القرن الذي شهد ازدهار فكرة (جوبينو ) العنصرية، ذلك الكاتب الذي طبق أفكار (دارون ) عن أصل الأنواع على مجال الإنسان، فخلّف بهذا القرن العشرين تراثًا روحيًا ضارًا ثقيلًا أنتج أمثال (هتلر ) والدكتور (مالون ) (23) .

وفي نظر ابن نبي (رحمه الله) ، أن الاستعمار سبب ونتيجة في الوقت نفسه، فهو من جهة نتيجة لثقافة الإمبراطورية المتأصلة في النفسية الأوروبية، والتي يعبر عنها كاتب مثل (توسيديد ) عندما يقوم ببتر المفهوم التاريخي حين أبطل ماضي الإنسانية كله بقوله: (إن حدثًا مهمًا لم يقع في العالم قبل عصره ) ، فمثل هذه الأقوال التي تخلق ثقافة الإمبراطورية، تلك الثقافة التي تقوم على أساطير السيادة العنصرية والاستعمار (24) . والاستعمار من جهة أخرى سبب للكبرياء والتعالي والنرجسية، إذ أن الغربي الذي يولد في الجو الاستعماري، يتربى في جو يعلمه النظر إلى الإنسانية بتعالٍ وكبرياء، ويعلمه ازدواجية النظرة إلى الأشياء، فهو يرى بصورة طبيعية مشاكل الغرب، أما حين ينظر إلى مشاكل الشعوب الأخرى، فإنه يضع نظارة على عينيه، ويرى الصور بشكل مختلف (25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت