فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 1942

وفي الحالتين كان هؤلاء الذين يصدقون ممن يجلسون أمام شاشة التليفزيون ساعات طويلة ويستمعون إلى مختلف القنوات الفضائية وغير الفضائية ولا يفوتهم تعليق أو تصريح نشرته الصحف ولا أي تفاصيل مهما كانت صغيرة، تتعلق بما يدور من أحداث، هذا الموقف يوضح لجلال أمين أننا لا زلنا نتعامل مع ما يرد إلينا من معلومات كأنها في الأساس محايدة خالية من التحيز، ونميل إلى التمييز بأكثر مما ينبغي، بين التعليق الذي نعرف انه قد يكون متحيزا وبين المعلومة التي نعاملها وكأنها محايدة والخطر هنا من استخدام وسائل الإعلام كما يتصوره أمين ليس هو مجرد أن يؤدي بالناس إلى اعتناق أفكار خاطئة ولكنه يصل إلى حد تشكيل عواطف الناس وتوجه هذه العواطف في الاتجاه الذي يحقق مصالح المسيطرين على هذه الوسائل، فإذا أضفنا إلى هذا ما أصبحت تتسم به وسائل الإعلام من درجة لا يستهان بها من احتكار وان هناك تداخلا بين هذه الشبكات التلفزيونية، على قلتها يجعلها تكاد تعبر عن نفس الاتجاه وتصب في نفس المصالح فان الخطر الذي يتعرض له مشاهدو التليفزيون، بل وقراء الصحف والمجلات بدرجة متزايدة مع تزايد درجة الاحتكار في ملكيتها أصبح خطرا في رأيه شديدا إذا أصبح هؤلاء المشاهدون والقراء (محكومين) في تحديد اتجاه عواطفهم ودرجة التهاب هذه العواطف بما يناسب المسيطرين على هذه المصالح ويحقق أهدافهم.

أن ما حدث، والكلام هنا لامين، من اعتداء على العراق لم يحدث فقط بالمدافع والبنادق والدبابات بل حدث أيضًا بأجهزة التصوير ووسائل مندوبي التليفزيون والصحف ووكالات الأنباء والقتل المادي الذي جرى لآلاف العراقيين لا يقل عنه ظلما وقسوة القتل النفس الذي جرى لملايين من العرب والمسلمين في العراق وخارج العراق، وقد اصطلح على تسمية الوسائل التي تم بها هذا النوع الثاني من القتل بوسائل الإعلام وهى تسمية لا تقل في درجة تضليلها عما تبثه من سموم.

لكن يبدو أن عملية التغيير التي تحدث لا تتوقف عند أجهزة الإعلام، حيث يشير أمين إلى انه لم تمض أكثر من أيام معدودة على احتلال الأميركيين للعراق حتى أعلن مسؤولون في الإدارة الأميركية عزمهم على تغيير مناهج التعليم في العراق ومراجعة الكتب المقررة على الطلاب كتابا كتابا لحذف منها ما لا يجوز ووضع أشياء أخرى محلها، بل وقيل أن الولايات المتحدة ستقوم بنفسها بإعداد وطبع بعض الكتب وتوزيعها على التلاميذ العراقيين هدية منها إليهم.

ولم يكن غريبا في اعتقاد أمين أن ينهض في بلادنا من الكتاب والمعلقين من يقول بان هذه الأهداف الأميركية من إصلاح نظام التعليم في العراق والبلاد العربية الأخرى هي نفسها أهداف للمصلحين العرب ولا يهم في الحقيقة ما إذا كانت الدعوة إلى الإصلاح تأتي من هنا أو هناك طالما أن الهدف واحد مشيرا إلى أنه كان هناك بعض المحتجين الذين رفعوا أشعار «بيدي لا بيد عمرو» قاصدين بهذا انه إذا فرض أن كان التغيير ضروريا فدعنا نقوم نحن به لا غيرنا فهذا شأننا ولا يجب أن يكون شأن أحد سوانا.

ويقول المؤلف أن إصلاح التعليم شأن داخلي لكن الأخطر من هذا أن التغيرات المزمع تنفيذها لا علاقة لها بالإصلاح أصلًا بل هي في حقيقتها اقرب إلى الإفساد منها إلى الإصلاح وهو بالطبع ما يجب أن نتوقعه ولا نتوقع شيئا غيره والزعم بغير ذلك في رأيه خداع كريه كان المفروض أن يكون واضحا كالشمس.

ويعتقد أمين انه ليس هناك عاقل يمكن أن يصدق الزعم بان من بين الأهداف التي تهتم الإدارة الأميركية بها إزالة الإشارات التي تنطوي على تقديس حاكم بعينه أو المبالغة في تمجيده فالعالم الثالث مليء منذ ما يقرب من نصف قرن بالأمثلة على نظم وحكومات موالية للولايات المتحدة وتتمتع برضائها ومباركتها وغارقة حتى قمة رأسها في مختلف أساليب تقديس الحاكم، وأي بادرة لإصلاح هذا الخلل أو تنبيه إلى ضرورة التخلي عنه أو الزعم بان طريقة التعليم تشجع على التعصب وتخلقان من التلميذ شخصا سهل القيادة ويجعله فريسة سهلة للحركات الدينية المتطرفة مما يجعل هذه المنطقة معمل تفريخ للإرهاب فانه يثير في رأي أمين كثيرا من المشكلات المنطقية فالمهم في نظر الأميركيين ليس هو الانقياد أو عدمه ولكن موضوع الانقياد ووجهته، فإذا استطاعوا أن يضعوا نظاما للتعليم يجعل العرب أكثر استعدادا للانقياد للسياسة والإدارة الأميركية وأكثر قبولا للتصالح مع إسرائيل ونسيان محنة الفلسطينيين والسكوت على طريقة إسرائيل في إرهابهم فلابد أنهم سوف يفضلون هذا النظام من نظم التعليم على نظام آخر يجعل العرب أكثر استقلالا في الرأي وأكثر حرية في الفكر وأكثر ممارسة لمكلة النقد.

ويقول أمين أن كل الدلائل تشير إلى أن الإدارة الأميركية كان لديها ولا يزال مخطط لإحكام سيطرتها على أماكن متعددة من العالم وعلى موارد اقتصادية أساسية خارج حدودها، من أهمها النفط وان أحداث 11 سبتمبر عام 2001 ساعدت الإدارة الأميركية في السير سيرا حثيثا نحو تنفيذ هذا المخطط مشيرا إلى أن كان من المفيد جدا للإدارة الأميركية وكذلك المشروع الإسرائيلي أن تستغل أحداث 11 سبتمبر إلى أقصى درجة لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين، فسواء كان المخططون والمنفذون لهذا الحادث هم بالفعل عربا ومسلمين وان الهدف من تنفيذ هذه التفجيرات شيء له علاقة بالخلاف بين المسلمين أو العرب وبين السياسة الأميركية أم لا، فقد كان ولا يزال في رأيه من المفيد جدا للإدارة الأميركية الزعم بان هذه هي الحقيقة ذلك أنه من الصعب أن تتصور أن تستطيع الإدارة الأميركية السير في تحقيق مخططها العسكري والاقتصادي من دون وجود عدو بل عدو خطير يبرر كل هذا الخلاف على الحرب وكل هذه التضحيات التي لابد أن يتحملها الشعب الأميركي اقتصادية وبشرية وقد وجد أن الإسلام والمسلمين عدو مناسب جدا لوجوده وانتشاره في معظم المناطق التي يراد تنفيذ المخطط العسكري والاقتصادي فيها ولسهولة الربط بين العنف والخطر المراد تخويف الناس منهما وبين الدين، إذ أن التطرف أو التعصب الديني يمكن قبوله بسهولة كتفسير للعنف والقتل والاعتداء، ويعتقد أمين أن من الأرجح أن هذا المنحى من التفكير نشأ وبدأ وضعه موضع التنفيذ قبل أحداث 11 سبتمبر بل وحتى قبل سقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة ذلك أن التفكير الاستراتيجي لا ينتظر حتى آخر لحظة لتفجير حملة دعائية مفيدة بل لابد من التمهيد لها شيئا فشيئا حتى يبدو التطور طبيعيا للغاية، لافتا إلى أن إسرائيل لابد أنها استفادت من أي تشويه لسمعة الإسلام والمسلمين منذ خمسين عاما على الأقل، كما أن تضخيم حجم ما سمى بالإرهاب الإسلامي بل وربما خلقه خلقا في بعض الأحوال كان مفيدا لتحقيق أهداف أميركية مهمة حتى قبل 11 سبتمبر بكثير كتخويف بعض الحكومات العربية وإجباره على الاعتماد على الدعم الأميركيي لمواجهة هذا الإرهاب وفي الوقت نفسه إعطاء هذه الحكومات مبررا للاستمرار في الحكم واستخدام أساليب القمع بحجة التصدي للإرهاب الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت