ولابد لنا ان نتبع القرآن في التذكرة بالله والدعوة إليه، ويكمن السبب في ان البشر عاجزون عن بلوغ المعرفة الصحيحة الا بسبب من الله تعالى. ولذلك تخبط الإنسان في ظلمات الاوهام حينما ترك الاهتداء بنور القرآن فاعتقد بالخرافات وزعم: ان الله جسم لا نهاية له أو انه جسم محدود، وقد تنزل فأصبح الخلق، فإذا ارتفع الناس أصبحوا آلهة. وانه بعيد عن خلقه بمباينة، ويده عنهم مغلولة، وانه أولد عيسى وعزير، وان اليهود أبناءه، وانه تعالى عاجز عن إزالة الشر، وانه يبغض البشر ولكن لا يقدر عليهم (1) .
ولم يفضح هذه الخرافات الا القرآن وما صح من تفسيره على لسان نبي الاسلام و أهل بيته عليهم جميعا صلوات الله ، فعلينا الاهتداء بهداه والاقتباس من نوره.
والواقع ان البشر أثبت عمليا عجزه عن بلوغ المعرفة الخالصة لله سبحانه دون التنور بهدى الأنبياء عليهم السلام.. إذ ان تاريخ الإيمان بالله يرشدنا إلى ان الإنسان كان يتخبط، حين ابتعد عن منهج الله تعالى، في ظلمات الجهل والغفلة. فالناس كانوا بين من أنكر الله أو أثبته وأنكر صفاته الحسنى، ومن أثبت له صفة العجز والذل -سبحانه- أو بالغ في إلصاق الصفات البشرية حتى زعم انه مركب. ومن يطلع على ركام الجهالات البشرية هذه يعرف مدى الحاجة إلى الرجوع إلى الله في تعريفه لنفسه، وذلك في كتابه الكريم الذي تجلى فيه لعباده لو انهم كانوا يبصرون. قال الله تعالى: [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ] (ابراهيم 1-2) .
أنواع المعرفة
وللإنسان في المعرفة أحوال ثلاثة: المعرفة التامة، والجهل التام والمعرفة البسيطة.
1-فقد تعرف مثلا تفاصيل حدث كائن غدا.
2-وقد لا تعرف شيئا من ذلك.
3-وتارة تعرف ان شيئا ما كائن غدا، ولكن لا تعرف كيف هو وأنى هو؟
فهذه ثلاثة أحوال في المعرفة بصفة عامة، أما حول الله فليس لنا معرفة الله تفصيلا ولسنا عاجزين عن معرفته رأسا، وان لنا بين ذلك سبيلا وسطا وهو ان نعرفه بآياته دون ان نحيط علما بكنهه وذاته. وإليك مثالا نقدمه عن معرفة العلم (تعالى الله عن الأمثال) : حينما ترى آيات العلم ترى أنك تحيط ببعض الأشياء علما وأنت على يقين بأن علمك هذا شيء غيرك. عند ذلك تصدق بواقع العلم، ولكن كيف عرفت العلم؟ ام كيف أحطت به؟ وبأي وسيلة؟ أبعلم أحطت به، ولا يحيط الشيء بنفسه؟ ام بالجهل عرفت العلم، وكيف يرشدك الجهل إلى العلم؟ وهل يكون الظلام رائد النور؟ لابد لك من ان تصدق بوجود العلم وليس لك أمر فوق ذلك تصدق به، لأنك لا تستطيع ان تنكره بعد ان رأيت آياته الباهرات، ولا تحيط به لأنك لا تملك وسيلة إلى ذلك.
حتى ان العلم بوجود واقع العلم لا يعني اننا نثبت للعلم وجودا كما نثبت للمعلوم وجودا. ذلك لأنه ليس لنا طريق إلى اثبات وجود للعلم، بل كل ما يعني ذلك اننا نخرج العلم عن اطار العدم وننكر ان يكون معدوما.
فالمعرفة التي يمكننا تحصيلها في هذا المجال هي التي تجعلنا بين النفي والاثبات، حيث ننفي العدم، ولا يمكننا ان نشير إلى الوجود. صحيح ان انكار العدم بذاته دليل الوجود إذ لا وسيط بينهما، ولكن لا يمكننا الإثبات الصريح لأنه لم نؤت وسيلة إلى ذلك. وهكذا تكون المعرفة بالله!
حينما نرى السماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات في غاية الدقة والنظام، لا نملك الا ان نعترف بأن موجدها وخالقها ليس عدما. ولكن هيهات لنا ان ندعي له وجودا الا بقدر (ان كل ما ليس بمعدوم فهو موجود) . وهذا يختلف عن القول بثبوت الوجود له على غرار (الوجود) الذي نعهده في الأشياء -سبحانه.
وحينما نرى في آيات الله آثار التدبير والتقدير نعلم بأن بارءها يتعالى عن الجهل والضعف. وهل يعني هذا اننا عرفنا (علم الله) واحطنا (بقدرة الله) ؟ كلا! لا يعني هذا الا نفي الجهل والضعف عنه وان نقول تعالى الله عما هو صفة المخلوقين.. وما قولنا ان الله قدير عليم الا إشارة إلى نفي الضعف والجهل عنه، لا اننا علمنا منه (العلم والقدرة) لانه قد سبق ان عقولنا اعجز من ان تصل إلى مستوى الخالق. والى هذه الحقيقة تشير الأحاديث التالية:
سأل سائل الإمام الصادق (ع) عن الله؟ فقال: هو الرب وهو المعبود وهو الله، وليس قولي (الله) اثبات هذه الحروف (الألف واللام والهاء) ولكن أرجع إلى معنى هو شيء خالق الاشياء وصانعها، وهذه الحروف -المسمى به الله والرحمن الرحيم وأشباه ذلك- من أسمائه، وهو المعبود جل وعز.
قال السائل: فانا لم نجد موهوما الا مخلوقا؟ قال ابو عبد الله (ع) : لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنا مرفوعا، لأنا لم نكلف ان نعتقد غير موهوم، ولكننا نقول كل موهوم بالحواس مدرك بها تحده الحواس وتمثله فهو مخلوق. ولابد من اثبات صانع للأشياء خارج من الجهتين المذمومتين؛ أحدهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال والعدم، والجهة الثانية التشبيه من صفة المخلوق الظاهر التأليف والتركيب. فلم يكن بد من اثبات الصانع لوجود المصنوعين، والاضطرار منهم إليه. فثبت انهم مصنوعون وان صانعهم غيرهم وليس مثلهم. إذ لو كان مثلهم لكان شبيها بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد ان لم يكونوا، وتنقلهم من صغر إلى كبر، وسواد إلى بياض، وقوة إلى ضعف، وأحوال موجودة لا حاجة لنا إلى تفسيرها لثبوتها.
قال السائل: فقد حددته إذا أثبت وجوده. قال (ع) : لم أحده ولن أثبته إذ لم يكن بين الإثبات والنفي منزلة. قال السائل: فله إنيه ومائية (2) ؟. قال الإمام (ع) : نعم لا يثبت الشيء الا بانية ومائية. قال السائل: فله كيفية؟ قال (ع) : لا لأن الكيفية جهة الصفة والإحاطة ولكن لابد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه، لأن من نفاه أنكره ورفع ربوبيته وأبطله، ومن شبهه بغيره فقد اثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين لا يستحقون الربوبية، ولكن لابد من إثبات ذات بلا كيفية لا يستحقها غيره ولا يشارك فيها ولا يحاط بها ولا يعلمها غيره.
وسئل ابو جعفر (ع) : يجوز ان يقال لله انه شيء؟ فقال: نعم يخرجه من الحدين؛ حد التعطيل وحد التشبيه.
وقال الصادق (ع) : ان العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار ولا يعرفه بما يوجب الإحاطة بصفته. فإن قالوا كيف يكلف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به؟ قيل لهم انما كلف العباد من ذلك ما في طاقتهم ان يبلغوه وهو ان يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه ولم يكلفوا الإحاطة بصفته.. (وذلك لأن الله لا يرى بعين الوهم) .
المعرفة فطرة الإنسان:
الإنسان جزء متفاعل مع العالم كله، يرتبط معه في كل شيء؛ في مواد جسمه وسنن حياته ومعارف عقله وشهوات قلبه. واي محاولة لفصله عن طبيعته المتفاعلة المنسجمة مع الكون تكون فاشلة. والمعارف البشرية سعي متواضع لكشف بعض مناحي هذا التفاعل الواسع بين البشر والكون من حوله.
(1) - كانت هذه بعض خرافات الفلسفة وأساطير مشركي أهل الكتاب، وقد سبقت طائفة منها لدى بيان الفلسفة الإسلامية.
(2) - أي هل ان الله شيء محقق له صفات خاصة؟ وكلمة انية مشتقة من حرف أنّ وهو للتحقق، وكلمة مائية مشتقة من لفظة: ما هو؟ وهي سؤال عن صفة الشيء.