فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 1942

والدين الحق تعبير صحيح عن الكون؛ روحه وجسمه، باطنه وظاهره. وفي الكون هذا الإنسان المتفاعل معه، والكون خليقة الله العظمى ومظهر اسمائه الحسنى فهو أبرز شاهد وأكبر آية على الله تعالى. وبحكم تفاعل الإنسان مع هذا الكون، وبحكم ان الكون شاهد على الله فهو مفطور على الدين ليس في عقله وروحه فقط بل في كل شيء منه، فهو مرتبط بأكثر من خيط بأصله وطبيعته. وشعوره لا يعدو أن يكون مفطورا على معرفة الله وحبه والإنابة إليه، وهذا نوع من المعرفة الفطرية تأكدت بمعرفة أخرى عندما بدأ الله خلق الإنسان، حيث أشهده على نفسه وعرفه خلقه. وهنالك عرفنا ربنا معرفة تامة، وعلق بأنفسنا ما يشبه الظل من تلك المعرفة، ذلك الظل الذي يدفعنا أبدا إلى البحث عن الله، فتارة نهتدي إليه وتارة نضل عنه فنتخذ اندادا من دون الله ونزعم بأنها هو الذي عرفناه سابقا. ولولا هذه المعرفة الأولية التي تدغدغ ضمير كل بشر لما بحث الناس عن إله، ولما ابتغوا إليه الوسيلة بشتى الأسباب. وهذه الفطرة تساعد الإنسان على معرفة الله الحق. فليس أمامه سوى ان ينبه به ويذكر إليه فإذا بشعاع المعرفة يغمر فؤاده، الا ان يجحد عنادا وطغيانا.. قال تعالى: [وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ] (الأعراف 172) وجاء في الحديث في تفسير هذه الآية [وإذ أخذ ربك من بني آدم…] انه سئل معاينة كان هذا؟ قال الإمام: نعم فثبتت المعرفة ونسوا الموقف، وسيذكرونه، ولولا ذلك لم يدر احد من خالقه ورازقه. وفي تفسير قوله (فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال: فطرهم على التوحيد (1) .ان هذه الحقيقة لتهدينا إلى عدة حقائق:

أ- ان البشر لا يحتاج لمعرفة الله إلى أكثر من التوجيه والتذكير.

ب- ان ما قاله الماديون في تفسير توجه الناس إلى الدين ورغبتهم الملحة إلى معرفة الله ان ذلك من ضعفهم وجهلهم عن التفسير الصحيح للحوادث، انما هي ضلالة بعيدة، إذ لو لم يكن لديهم فطرة أولية تهديهم إلى الله لما أظهروا ضعفهم بهذا الشكل.

ج- انما السبب في توجه الناس إلى الله وترك ما كانوا يعبدون من الشركاء، وذلك حين تمسهم الضراء والبأساء، انما السبب في ذلك وجود معرفة فطرية لديهم بالله، إذ تنقشع عن أنفسهم آنئذ حجب الغفلة والمصلحة ويتوجهون إلى الله.

دور الأنبياء في المعرفة

بما ان الإنسان مفطور على المعرفة في عالم سابق على هذا العالم، ولم يحدث له إلا النسيان والغفلة عن تلك المعرفة والاحتجاب عنها باتباع الشهوات، فانه لا يحتاج الآن الا أن يلفت نظره إلى ما غفل عنه من المعرفة بعد أن ترفع عن وجهه غشاوة الحجب. ولم يكن من الممكن عودة الإنسان اللاصق بالارض بمباهجها ومشاكلها وأمانيها البعيدة الاّ برسول مبعوث من الله ، إذ أن هذه العودة تستوجب تناسي الإنسان لعالمه المادي القريب وتطلعه إلى الآفاق البعيدة حيث الغيب الذي يدبر أمور الحياة وذلك أمر مستصعب لا يلائم طبيعة الانسان، ولهذا بالذات بعث الانبياء (ع) فقد جاءوا لكي ينذروا البشر عن التمادي في الغفلة عن معرفة الله تعالى ويذكروهم بربهم الذي أنعم عليهم بنعم لا تحصى.

ولقد كانت هذه سنة الانبياء عليهم السلام. فهذا القرآن تذكرة بالله ، فليس في القرآن سورة، بل ولا آية الا وتذكر بالله بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ورفع حجب الغفلة من دونه. وهكذا كانوا يصرحون للناس ان الهدف الرئيسي من بعثهم كان تذكرة العباد بربهم وتوجيههم إلى خالقهم. قال تعالى (فذكر انما أنت مذكر، لست عليه بمسيطر(2) . وفي الحديث: سئل الامام الصادق (ع) عن الناس: (أضلالا كانوا قبل بعثة الانبياء(ع) أم على هدى؟) فقال: (لم يكونوا على هدى، بل كانوا على فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ولم يكونوا ليهتدوا حتى يهديهم الله) .

الدليل إلى الله

آيات الله

أ-ما هو الدليل إلى الله؟.. تدبر في نفسك واسرح ببصرك في الآفاق فانظر ماذا ترى؟.. ألست ترى ما تعجز عن وصفه عالما متوازنا مبدعا مدبرا وأنت فيه صغير يدبر شؤونك مولى عطوف ويربيك طورا فطورا.

ب-ويقولون: ان الكون جاء صدفة ونظم صدفة ويسير بغير دليل. سبحان الله، ما هي الصدفة؟ هل يمكن تفسيرها؟ أو لا تعني الصدفة سوى أن حادثتين وقعتا في حالة واحدة، وكان لكل واحدة منهما سببها، الا انه كانت في وقوعهما معا حكمة جديدة؟ هذه هي الصدفة التي نعرفها، ولا نعرف الصدفة عملا بغير عامل، أو خلقا بدون خالق، أو حادثا بدون سبب.

ج- الكون لم يحدث بل كان أزليا. هل هذا صحيح؟ كلا! ان جميع شواهده يدل على حدوثه، تطوره، تناميه، تناقصه، تناقضه، حاجة بعضه إلى بعضه، تركيب أجزائه بدقة وتناسق. ان في هذه آيات الحدوث.. بل كل اكتشافات العلم تهدي إلى ان للوجود عمرا محدودا. فالحرارة المتاحة للحياة تتناقص، وعمر النجوم محسوب، والأرض لم تكن ثم كانت، والوجود كان مركزا ثم حدث فيه انفجار هائل ثم أخذ يتباعد وانه سيرسو في نهاية محدودة (3) .

[أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا] (الأنبياء30) وهل هي بحاجة إلى أكثر من لفتة نظر، حتى نعرف ان هناك من نحتار في كنهه ولا نعرف الا انه شيء فوق الأشياء، شيء لا يشبه الأشياء وهو قادر عليم وهو الذي أبدع الكون إبداعا.

د- يقولون: هي الصدفة التي نسقت علاقة الأشياء ببعضها. فصدفة وبدون أية حكمة أو تدبير كانت حركة كوكبنا (الأرض) حول الشمس منضبطة تمام الانضباط بحيث لا يمكن ان يحدث أدنى تغير في سرعة دورانها حتى بعد مرور قرن من الزمان، وصدفة كان نظام القمر الذي يتبع في حركته الأرض يدور في فلك مقرر ومنضبط مع تفاوت يسير يتكرر بدقة فائقة.

هل هي صدفة؟. نحن لا نفقه من لفظة الحكمة الا النظام الدقيق، فهل هم يفهمون منها ما يرادف كلمة الصدفة.. ان الفضاء الكوني فسيح جدا تتحرك فيه كواكب لا حصر لها (4) ، بحيث لو أوتيت ـ فرضا ـ أجنحة من نور وسارت بك الف مليون سنة في سرعة الضوء لما قدرت ان تحيط بالكون، لأنه في توسع مستمر يسبق أجنحتك الخيالية السرعة.

ان دقة التنسيق وروعته تبهران الإنسان وهو يتدبر في آفاق السموات التي تهتف به انها تُدَبَّر من لدن حكيم عليم.

هـ - ان شواهد العمد والتصميم السابق متوافرة في كل حركة في الكون. فبالرغم من وجود سنن كونية تجري عبرها الكواكب والمنظومات، فإنها ليست كآلة ميكانيكية، بل انما هي كسيارة في عراء قد استوى عليها صاحبها وسيرها بقدرة وخبرة بالغة.

(1) - هناك مجموعة ضخمة من الشواهد العلمية الحقيقية والأدلة الفلسفية تؤكد الحقيقة الا ان المجال لا يسع لذكرها لأننا لسنا الآن في معرض بيان هذه الحقيقة بل انما نريد هنا عرض الفكرة الإسلامية عن التوحيد وتفسير عدة ظواهر وجدانية عنها.

(2) - الغاشية 22

(3) - سبق الحديث حول ذلك عند الحديث عن طبيعة الوجود.

(4) - أقوى تلسكوب في العالم يستقر في (مأونت بالومار) في الولايات المتحدة ويشاهد بلايين النجوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت