فالآلة الميكانيكية تفترق عن السيارة في ان الآلة ذات محدودية ضيقة، وبرغم تحركها فهي لا تتطور ولا تتوسع. وإن الكون يجري لمستقر معلوم. له بداية وله توسع وتناقص وله نهاية. ومن هنا فليست المجرات وهي تتغير وتتطور كالساعة الأوتوماتيكية التي صنعت ثم جعلت تتحرك بذاتها، بل هي كالساعة وهي تُصنع وتُكمل لحظة بعد لحظة، لأنها في صنع وتقدير مستمرين. فمثلا: مجرات الكون تسير حينا باتجاه بعضها ولكنها لا تتصادم أبدا، بل تتداخل ثم تتوادع وتتابع كل واحدة منها مسيرتها بسلام.
وهناك تكوّن جديد للنجوم ولكنه لا يتكون في أي موقع كان وفي أي زمان كان، بل يتكون في لحظة معينة وفي موقع معين ولهدف معين ليُعرف ان وراء الأمر حكيمٌ يدبره تدبيرا.
وان للصدف مجالا واسعا فيها ولكنها صدف مقصودة، الشهب تقاذفها الصدف ولكنها في النهاية صدف حكيمة تنطلق في وقت معين ولهدف معين. سبحان من يرصدها وسبحان من يرميها.
و - وحسب أحدث النظريات الكونية ان في آفاق السماء خلقا مستجدا دائما ولكنه خلق مقصود ومتعمد.
والميكنة قد تفسر شكلا خاصا من الأحداث، ولكن هل بإمكان المصنع الذي ينتج السيارة ان يصنع الطائرة في لحظة معينة؟ كلا! لقد عبر عن هذه الحقيقة عالم كبير بطريقة لطيفة فقال: انه يستحيل على مصنع يخرج منه الرجل ان يصنع المرأة لو لم تكن هناك حكمة بالغة تدبر الأمر بالغيب! وكذلك قال الله في كتابه: [وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] (الروم 25-27) وفي الأرض آيات للسائلين. فكل ما في الأرض جاء لمصلحة كل فرد. وجدير بنا ان نسأل كيف خلقت الصدفة كل شيء في صالح الإنسان؟ فحجم الأرض لو كان بحجم القمر، إذن لقلَّت جاذبيتها إلى السدس واشتدت البرودة فيها ليلا والحرارة نهارا ونقصت مياهها، وانهار توازنها واستحالت فيها الحياة… ولو كان حجمها أكبر منها بضعف إذن لانكمش غلافها الجوي واشتد ضغط الهواء فيها وأثر في استمرار الحياة عليها.. والضغط الجوي لا يزيد عن 15 رطلا لكل بوصة مربعة لأن هذا القدر فقط يفيد حركة الإنسان ونشاطه.
والضغط من الجاذبية، وقد كشف نيوتن عن وجود تجاذب بين أي جسم وجسم وبقي متسائلا: كيف ينجذب جسم ميت إلى جسم ميت ان لم تكن لهما أهداف مشتركة وراءهما، وممسك عظيم، وفي الأرض اختلاف الليل والنهار واختلاف المواسم، ولم يكن ممكنا وجود هذا الاختلاف دون تدبير دقيق جعل الأرض تدور في زاوية 33 درجة. تصور لو لم يكن فيها هذا التدبير، أفلم يكن قد غمر الظلام القطبين أبدا وما بقي على الارض غير جبال الثلج والفيافي الجرد واستحالت الحياة؟
فسبحان من علم وقدر وقضى ونفذ القضاء بقوة، بل يقولون صدفة، بئس ما يخدعون به أنفسهم.
ان سمك الأرض لو كان أكثر عشرة أقدام لامتصت الارض الأوكسجين واستحالت الحياة، ولو كانت البحار أعمق بضعة أقدام لاستحالت الحياة أيضا، ذلك لأنه كان قد انجذب ثاني أكسيد الكربون والأوكسجين.
أكان كل ذلك صدفة؟ سبحان الله عما يصفون.
ز- ان منظر المطر رائع، وفيه منافع للناس جميعا. فلنتصور أي تدبير حكيم هذا الذي يجعل البحر يتبخر صاعدًا ويأمر الرياح ان تحملها إلى حيث (يشاء هو) فيهطل عليهم بقدر ما يصلحهم، ويزيد لهم الرعد والبرق وهما ضرورتان للزراعة.
وتقول صدفة تمطر سنة هنا وسنة هناك؟! كلا انما هو وفق نظام دقيق يناسب تدبير الحياة والاحياء كما يناسب سائر قوانين الكون.
قال الله تعالى: [فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَآئِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ] (عبس 24-32) . وقال: [وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمآءِ مَآءً فَاَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَاَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا] ( الانعام 99) .
ح- وحياتنا الشخصية هل تدبر بالصدفة؟ قليل من الناس يستطيع ان يقول ماذا سيصبح في المستقبل، بل ماذا يكسب غدا ومتى يموت. ولو تدبرت قليلا لوجدت ان صدفا ما غيرت مسيرة حياتك، وحوادث ما جعلتك تغير أفكارك، بل انك في لحظات اضطررت ان تختار طريقا مختلفا عن آمالك، بل اخترته بصورة فجائية لم تسبقك إليه بادرة أبدا. ولقد عبرت عن هذه الحقيقة آية شريفة تعبيرا لطيفا، فقال: [اَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ] (الانفال 24) . وانك تعلم كثيرا، ولكنك لا تختار بالضبط متى تعلم وكيف تعلم. وبالرغم من ان هناك أسبابًا معينة للتعلم فإن يدا غيبية تنظم التعليم وتوجهه. وأكبر العلماء وأقدرهم يرى نفسه ـ حسب اعترافات فريق عظيم منهم ـ تلميذا متواضعا للغيب يفتح له أبواب العلم بقدر معلوم.
ولم تتم الاكتشافات العظيمة الا في حالات تشبه الغيبوبة والتنبه الخاطف. ونعلم أشياء ثم ننساها وصدفة نتذكرها وحين نتدبر لحظات نرى ان هناك مصالح عامة عملت في ذهولنا.. ولا نعلم أشياء، وصدفة نعرفها ويكون ذلك في صالحنا ونسميه الحس السادس. هكذا يتقلب البشر بين أصابع الله سبحانه. فإذا به يجد ذاته مدبرا محدود الاختيار. قال الله سبحانه: [إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الاَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] (لقمان 34) .
وقال الإمام أمير المؤمنين (ع) في جواب سؤال وجه إليه ان بما عرفت ربك قال: ( الله بفسخ العزائم ونقض الهمم(1) .
ط- وفي حالات عديدة يرتبط وجداننا بقوة غيبية فنسأل صاحبها (باسم أو بآخر) ونتضرع إليه بقلوبنا، فنجدها ذات اثر فعال في توجيه حياتنا نحو الأفضل، ونجد الحياة المستصعبة تيسرت، حتى نخال ان القدرة كانت من ذواتنا بصورة أصيلة.. وعندما تهجم علينا المصائب تتوسل قلوبنا بقوة غيبية قاهرة لا نعلم أين هي وكيف هي، بل لا نعرف عنها الا انها قادرة على انقاذنا. وقد تصفو النفس إلى درجة تحسب انها ترى الله، بل هو أشد من الرؤية وضوحا آنذاك، ولو يتذكر الإنسان تلك اللحظات لعرف ان الله لا ريب فيه، فاطر السموات والأرض الرؤوف الرحيم.
قال الله في كتابه الكريم: [هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ اُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنّ َمِنَ الشَّاكِرِينَ] (يونس 22) .
(1) - بحار الانوار ، ج3، ص42 ،ح 17 .