وجاء رجل إلى الإمام الصادق عليه السلام يقول: يا ابن رسول الله! دلّني على الله ماهو؟ فقال له الامام عليه السلام: يا عبد الله ، هل ركبت سفينة قط؟. قال: نعم . قال: فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم. قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أن شيئًا من الاشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟ قال: نعم، فقال الصادق عليه السلام: فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، و على الإغاثة حيث لا مغيث.) (1)
وهكذا يعرف الله نفسه للإنسان مرة بعد أخرى ويظهر في كل شيء ظهورا، لا تراه تلك العيون التي تعودت رؤية الفقاعات الصغيرة دون ما وراءها وانما تراه القلوب البصيرة النافذة التي تخترق ظواهر الحياة إلى حقائقها [سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الأَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ] (فصلت 53) .
أسماء الله الحسنى
1-اننا نجد في أنفسنا وفي الكون المحيط بنا نقطتين متقابلتين؛ نقطة الضعف ونقطة القوة. فإننا مثلا موجودون، الا ان وجودنا محدود بالزمان والمكان، واننا عالمون لكن علمنا محدود بالوقت والكمية، ومثل هذا كل شيء في العالم.
2-ليس لنا ان ندعي ان ما بنا من علم ووجود هو من معطيات ذواتنا الأولية، وان ذواتنا هي الوجود والعلم، إذ لو كنا نملك بذاتنا ان نوجد أنفسنا إذن لأوجدناها كبيرة قديرة كما نحب، باقية خالدة كما نأمل، كذلك لو كنا نملك العلم بذاتنا إذن لأعطينا أنفسنا علم كل شيء وبالتالي ما نسينا شيئا أبدا.
3-فإذا لم تكن ذاتنا بالعلم والوجود كما هي الحقيقة، فلا بد ان نهتدي إلى انها من طبيعة العدم والجهل. فنعرف ان ما بها من وجود وعلم هو من مصدر كامل الوجود وتام العلم، ذلك الذي لا نقص فيه ولا ضعف ولا عجز، وذلك الذي لا جهل معه ولا نضوب له، وان مالك الوجود الذي يعطينا منه قدرا مقدورا ومالك العلم الذي يفيض علينا منه قبسا محدودا، انه لا يمكن ان يُحدد وجوده بعجز أو فقر أو ضعف، ولا يجوز ان يُقدر علمه بنوع دون آخر وبكيف دون كيف أو بشيء دون شيء، وإلا لكان مثلنا مخلوقا مملوكا ويكون ذاته عدما وجهلا كما هي ذاتنا.
4-ان هذه الحقائق تهدينا إلى ان ما في الآفاق وما في أنفسنا من آيات الكمال والجمال فهي دالة على ما لواهبها من كمال ذاتي لا محدود وجمال تام لا متناهي، وان ما فيها من معالم الضعف والنقص فهي دالة على تعالي خالقها منها وتساميه عنها وبهذا نهتدي إلى ما لله من أسماء حسنى وما هو منزه عنها من صفات المخلوقين.
قال الله تعالى: [هُوَ اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] (الحشر 22-24) .
وقال امير المؤمنين عليه السلام: (الحمد لله الذي لا من شيء كان، ولا من شيء كُوّن ما قد كان، المستشهد بحدوث الأشياء على أزليته وبما وسمها به من العجز على قدرته وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامه، لم يخل منه مكان فيدرك بأينية ولا له شبح مثال فيوصف بكيفية) (2) .
الأحدية
الأحدية تعني أمرين؛ الأول ان الله تعالى صمد لا تركيب فيه، والثاني: ان الله واحد لا شريك له. والدليل على الأول:
أ- اننا نلاحظ ان المخلوق يحتاج بعضه إلى بعض ولا يتم بعضه الا ببعض، ونعلم من وجداننا ان هذه صفة الذل والعجز، وان هذا يدل على أن المخلوق ضعيف و قدرته محدودة. وهذا يهدينا -بالوجدان- إلى ان خالقنا مقدس عن أن يشارك خلقه في الضعف والعجز، إذ ان الضعيف لو كان قادرا على الخلق لم نكن بحاجة إلى الخالق بل كنا نقول: ان كل شيء قد خلق نفسه، فإذا هدانا العقل إلى الحاجة للخلق، هدانا أيضا إلى أن الخالق لابد ان يكون منزها مما يجري فينا من الصفات الناقصة. وبما ان صفة التركيب صفة من صفات العجز والضعف فإننا نعرف ان الله مقدس عنها وانه غير مركب.
جاء في الحديث: (مستشهد بكلية الأجناس على ربوبيته، وبعجزها على قدرته، وبفطورها على قدمه، وبزوالها على بقائه... تعالى عن ضرب الأمثال والصفات المخلوقة علوا كبيرا(3) .
ب- ان التركيب يعني وجود عنصرين خالدين يحتاج أحدهما إلى الآخر، وان هذا يعني عدم وجود اله أبدا، ذلك لأن الحاجة من صفة المخلوق والخالق غني بالذات عن غيره إذ لو لم يكن غنيا بالذات لم يمكن ان يكون أزليا دائما، بل كان يحتاج إلى خالق آخر غير محتاج.
هذا هو المعنى الأول للأحدية. ولمعرفة الدليل على المعنى الثاني لابد من عرض بعض النقاط التمهيدية:
التوحيد
1-قالت المجوس ان للكون إلهين اثنين أحدهما للخير والثاني للشر، ويسمون إله الخير بإله النور، وإله الشر بإله الظلمة. والذي أضلهم هذا الضلال المبين هو جهلهم بطبيعة الشر وسبب وجوده في الحياة، فزعموا: انه لا يمكن ان يكون خالق النور هو خالق الظلمة ورب الخير هو رب الشر. ولقد أضلهم هذا الجهل إلى ان الإلهين لابد ان يكونا في صراع دائم يمثله في الخارج جنود الخير والشر، والنور والظلمة. ومن هنا فهم قائلون بتعدد الآلهة ليكون أحدهما ممثلا للخير وخالقا له والثاني ممثلا للشر وخالقا له، ولابد عندهم من ان يكون النزاع دائما بين الإلهين، والا فقد التعدد معناه.
ومن هنا فإنهم يزعمون: ان كلا من إله الخير وإله الشر عاجزين عن التغلب على الآخر. فإن أثبتنا ـ كما سيأتي ـ ان الله الخالق لا يمكن ان يكون عاجزا عرفنا ان الله أحد وهو إله الخير والشر، وجاعل النور والظلام، وانه لا يمكن ان يكون هناك إله آخر ليس لله تعالى طرده والإنتصار عليه.
2-ان الفلسفة الاغريقية وروحها السارية في اليهودية والنصرانية زعمت بتعدد الآلهة بسبب زعمهم بأن الله قد أولد الاشياء، فأضلهم جهلهم بطبيعة الخلق وزعموا ان طبيعة الخلق انما هي ولادة شيء عن الله ـ سبحانه ـ وصدوره عنه كما تفيض العيون بالماء.
فإذا ثبت لدينا ان خلق الله انما هو بنحو الابداع (يقول له كن فيكون) لأن قدرته ذاتية، وعرفنا انه إذا حُدِّدَ الذاتي انقلب إلى أمر عرضي، إذ معنى ذاتية القدرة ان الذات لا يمكن ان يكون عاجزا بل انه كواقع العلم الذي لا يمكن ان ينقلب إلى الجهل بل العلم علم بالذات. أقول: إذا ثبت لدينا هذا ثبت سخافة الفلسفة الاغريقية وتابعتها اليهودية والنصرانية في هذا المجال، وانهار بناء القول بتعدد الآلهة، بناء الزردشتية الشرقية والاغريقية الغربية، هذه بعض النقاط التمهيدية، اما تفصيل الأدلة على التوحيد فهي:
1-لكل اثنين ثالث ولكل ثلاثة رابع، والسبب انه لابد لكل اثنين من عنصرين أحدهما يميزه عن الآخر والثاني يحقق وجوده، فزيد وعمر يشتركان بعنصر الرجولة ويفترقان بعنصر العمر والزمن أو الحالة والمكان وما أشبه.
(1) - بحار الانوار ،ج3 ، ص41 ، ح16 .
(2) - بحار الانوار ، ج4 ،ص221 ،ح2 .
(3) - بحار الانوار ، ج4 ،ص222 .