فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 1942

ولو افترضنا إلها غير ذي العرش ـ تعالى ـ إذن لكان بينه وبين الله سبحانه فارقا يميزه عنه كالمكان والزمان و. و.. وإذن لكان الفاصل خالدا خلود الإلهين لأنه مقوم لهما محقق لوجودهما ولولاه لما تميز عن الإله الآخر، ثم يأتي الحديث عن هذا الفاصل الذي يميز بين الإلهين والذي افترض انه قديم فنقول انه لو كان قديما لكان وجوده من نفسه وإذا لكان غنيا عن الخلق. إذ كل شيء قديم لا يمكن ان يكون مخلوقا بل غنيا عن الخلق وبالتالي إلها، وإذا كان كذلك فلابد ان يكون بينه وبين الإلهين فارقان ولكان الفارقان إلهين أيضا ولكان يجري فيهما ما قد جرى في الآلهة السابقة من لزوم الفارق بينهما وبين غيرهما من الآلهة، وهذا لا يقف عند حد محدود، إذ كلما افترضنا إلهين قلنا فيهما انهما يحتاجان إلى ما يفرقهما عن بعضهما ولابد ان يكون الفارق إلها، وهكذا نستمر إلى ما لا نهاية. كل ذلك فيما لو افترضنا ان الإلهين بعيدين عن بعضهما اما لو قلنا ان أحد الإلهين يكون حاملا للآخر إذا لكان المحمول مخلوقا محتاجا، ولم يكن في الكون الا اله واحد.

2-ثم ان وجود إلهين اثنين لا يخلو من ان يكون واحدا من أمرين؛ اما ان يقدر أحدهما على دفع الآخر عن موضعه أو لا يقدر، فإن كان قادرا لم يكن ذاك الآخر إلها وان لم يكن قادرا لم يكن هذا الها، إذ الإله لابد ان يكون قادرا بالذات، ولا تكون القدرة الذاتية بمحدودة أبدا، إذ كما مر ان الذاتي يعني ان كون القدرة من ذات الفرد، ولا يناسب القدرة الذاتية العجز عن ناحية معينة. فمثلا: يكون الله قادرا بالذات ثم لا يكون قادرا على خلق نجمة مضيئة؟ هذا تناقض. وبما ان العجز عن التغلب على الإله الآخر نوع من العجز فإنه لا يناسب القدرة الذاتية، إذ انا نعرف -بالوجدان- ان القدرة بالذات لا يمكن ان تنقلب إلى العجز ولو بالنسبة إلى شيء واحد.

جاء في السنة: سأل زنديق، الإمام الصادق (ع) عن قول من زعم ان الله لم يزل ومعه طينة موذية فلم يستطع التفصي منها الا بإمتزاجه بها ودخوله فيها فمن تلك الطينة خلق الأشياء؟! قال الإمام (ع) : (سبحان الله وتعالى ما اعجز إلها يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصي من الطينة، ان كانت الطينة حية أزلية فكانا إلهين قديمين أزليين فامتزجا ودبَّرا العالم من أنفسهما، فإن كان ذلك كذلك فمن أين جاء الموت والفناء، وان كانت الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الأزلي القديم، والميت لا يجيء منه حيّ) (1) .

3-إذهب ببصرك أنّى شئت من لدن نفسك حتى تبلغ أبعد مجرة في السماء، فلا ترى الا الترابط والتماسك التام، بعضها يحتاج إلى بعض ولا يتم الا به، وليس ذلك الا شاهدا ودليلا على وحدة التقدير والتدبير، والمقدر والمدبر، الذي يحفظ توازنهما ويمسكهما ان يتصدعا فكما يوجد نظام تجاذب الأجسام بين النجوم والمنظومات والمجرات، فكذلك يوجد في داخل الذرة الصغيرة من أجسام أو اشعاعات. والنظام الذي يوجد في العوالم الكبرى نجده في صورته الكاملة في أصغر عالم عرفناه. فنحن نعرف -طبقا لاحدث معلوماتنا- ان الذرة أصغر عالم وانها قد تناهت في صغرها حتى لا يمكن ان نشاهدها الا بالمنظار الذي يكبر الاشياء ملايين المرات. ولكن هذه الذرة، مع ما وصفناه بها تحتوي بصورة رائعة على نظام الدوران الموجود في النظام الشمسي، والسؤال ماذا يدل عليه الترابط والتشابه؟ والجواب:

انك إذا رأيت كتابا قد أتقنت فصوله ونسقت تنسيقا قلت ان مؤلفه انما هو فرد واحد. وأما إذا رأيت كتابا مختلف الفصول في المستوى وفي الموضوع عرفت ان من ألفه ليس بواحد. فكيف لا يشهد العقل بوحدة مدبر الكون من وحدة تدبيره وتناسق أجزائه وترابطها؟ ولو كان هناك آلهة إذا لكان يظهر في الكون آثار قدرتهما ولكان يختلف تدبيرهما وإذن لكان يفسد الكون بهما.

قال الله سبحانه: [لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا] (الأنبياء 22) .

4-لو كان مع الله اله آخر، لكان يبعث إلينا رسلا نهتدي إليه بهم، إذ ان معرفة الله لا يمكن الا به وبإرشاده، وإذ لم يبعث إلينا رسلا عرفنا انه لا يخلو من ثلاث: فاما انه ليس بموجود، واما انه عاجز، أو انه غير آبه بعباده. وليس ذلك كله من صفة الخالق القادر الغني بالذات.

جاء في السنة عن الامام علي عليه السلام: (لو كان مع الله اله لأتتك رسله(2) .

التذكر بالله

ان لمعرفة الله مرحلتين؛ الأولى تتناول موضوع معرفة الله، والثانية في انه: كيف نذكر الناس بالله، وكيف ندعوهم إليه، وقد استوعبنا الحديث عن المرحلة الأولى، وها نحن نعرض المرحلة الثانية:

ملاحظات تمهيدية:

1-في هذه المرحلة، يسعى الداعي إلى إثبات الله للمنكرين، وتعتبر هذه المرحلة بمثابة تمهيد طريق يؤدي إلى المعارف التي بينت في المرحلة الأولى، ذلك لأنه يعرض في البدء الأدلة المثبتة لوجود الله سبحانه، فإذا آمن الفرد، يعرض له صفات الله وكيفية معرفته وما أشبه، مما سبقت الإشارة اليها في أحاديثنا السابقة.

2-هل تستطيع العقول اثبات الله؟ بالوجدان نرى ان كل ذي لب يستطيع بعد التوجه إلى آيات الله ان يهتدي إلى وجود الله. وإلى هذه الحقيقة تشير النصوص التالية: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ان في ذلك -لآيات لقوم يعقلون(3) . إذن في الكون آيات لمن تفكر وعقل. فالفكر والعقل يهديان إلى وجود الله.

في الحديث (لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته(4) .

3-والناس في الدعوة إلى الله فريقان: منكر متردد، ومنكر جاحد. وعلى الداعي ان يجاري كلا منهما بما يناسبه من دليل أو تذكر.

4-على الداعي ان يثبت وجود الله في ثلاث مراحل:

أ- تذليل الغريزة الجاحدة والتي ينكر الحق أكثر من ينكره تحت ضغط تلك الغريزة.

ب- رد الشبهات والأفكار الضالة التي ترسبت في النفس بسبب اوبآخر.

ج- إضاءة الضمير بالتوجيه إلى آيات الله الدالة عليه.

واذا نجح الداعي في دفع الفرد من مستوى الجحود إلى مستوى الشبهات ومنها إلى مستوى الآيات فقد انتصرت حجته ومضت دعوته.

وعلى الداعية ان يعرف أولا مستوى صاحبه في مجال الدعوة. فبعض الناس مُسلِّمون للحق ـ بطبعهم ـ وليس لهم سوى الغفلة عنه، وهزة واحدة لهم بالتذكير تنقلهم من الضلال إلى الهدى، في حين ان لبعضهم قلبا أقسى من الحجر، لا ينفذ فيه الهدى أبدا.. وإليك الآن بيانا وتفصيلا للمراحل ومقتضياتها:

مرحلة الجحود

ان الجحود مرض نفسي، ناشئ من الطغيان والتكبر، وعلاجه الوحيد يكمن في تذليل النفس وتبديل طغيانها رضا وتسلميا.. والطريق الإسلامي إلى هذا التبديل، توجيه النفس بكل عنف وإصرار إلى ثلاث نقاط:

أ- ان الكفر يوجب غضب الله وعذابه في الآخرة.

ب- ان الكفر يؤدي إلى عذاب عاجل في الدنيا.

ج- ان الإيمان بالله يسبب مغفرة من الله وأجرا في الدنيا والآخرة (5) .

(1) - بحار الانوار ، ج3 ، ص209 ،ح5 .

(2) - نهج البلاغة ، في وصيته الامام الحسن عليهما السلام

(3) - النحل 12 .

(4) - نهج البلاغة ، الخطبة 49 .

(5) - وينبغي ان نستفيد من الحقائق التي سوف نبينها ان شاء الله عند الحديث عن فوائد الإيمان كما ينبغي ان سنتفيد من نصوص الكتاب والسنة وذلك في أسلوب تذليل النفس البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت