فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 1942

وبما أن البشر قد فُطِرَ على حب الذات فإنه يستسلم لدى تخويفه بالعذاب ويرجع عن طغيانه عندما يُرَغّب في الثواب. والنصوص القرآنية تعطينا درسا بليغا في مجال دعوة الجاحدين، وتبين لنا سر نجاح القرآن في هداية الجاحدين وكيف أذلت نفوسهم الطاغية وأخضعتها للحق. وفيما يلي نثبت نماذج قرآنية لذلك:

قال الله تعالى - وهو يخوف الإنسان بالعذاب -: [إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَآ أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ] (الانفطار 1-7) .

وقال سبحانه:

[وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَآ ءَايَةً لِّلْعَالَمِينَ * وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] (العنكبوت 14-17) .

وقال الله تعالى وهو يجعل لمن آمن أجرا عظيما في الآخرة ويرغبهم فيها:

[فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلاَُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِنْ خِلاَفٍ وَلاُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَن نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَآ * إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَاُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّى] (طه 70-76) .

كما يجعل لمن آمن أجرا عظيما في الحياة الدنيا، فيقول تعالى:

[وإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُم مِنَ الصَّالِحِينَ * وَذَا النُّونِ اِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لآ إِلَهَ إِلآَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ * وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ * وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَالَمِينَ * إِنَّ هَذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] (الأنبياء 85-92) .

ومن تدبر في القرآن يجد ان أكثر آياته تسير على هذا النهج ذلك لأنها تجابه الملحدين بالإنذار والبشارة ثم توجههم إلى الله الحق.

وتسلك نصوص السنّة الشريفة أيضا نفس الطريق. نثبت فيما يلي نموذجا واحدا منها نقتبسه من خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال:

(الحمد لله المعروف من غير رؤية، والخالق من غير منصبة. خلق الخلائق بقدرته، واستعبد الأرباب بعزته، وساد العظماء بجوده، وهو الذي أسكن الدنيا خلقه، وبعث إلى الجن والإنس رسله، ليكشفوا لهم عن غطائها، وليحذروهم من ضرائها، وليضربوا لهم أمثالها، وليبصروهم عيوبها، وليهجموا(1) عليهم بمعتبر من تصرف مصاحها (2) واسقامها وحلالها وحرامها، وما أعد الله للمطيعين منهم والعصاة من جنة ونار وكرامة وهوان، أحمده إلى نفسه كما استحمد إلى خلقه، و جعل لكل شيء قدرا ولكل قدر أجلا ولكل أجل كتابا.. واعلموا انه لن يرضى عنكم بشيء سخطه على من كان قبلكم، و لن يسخط عليكم بشيء رضيه ممن كان قبلكم ، وانما تسيرون في أثر بين وتتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم).

ثم قال:

(واعلموا انه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار، فارحموا نفوسكم فإنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا، أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه والعثرة تدميه والرمضاء تحرقه؟ فكيف إذا كان بين طابقين من نار، ضجيع حجر وقرين شيطان.. أعلمتم ان مالكا(3) إذا غضب على النار حطم بعضها بعضا لغضبه، وإذا زجرها توثبت بين أبوابها جزعًا من زجرته (4) .

هكذا تحاول الآيات والنصوص الإسلامية إزالة جحود الجاحدين بالتخويف والترغيب وعلى الداعية ان يستعمل نفس الأسلوب ليكون ناجحا.

مرحلة الجدال

تمهيدا لعرض طائفة من الشبهات ودحضها يجب ان نعلم ان الجدال يعني في منطق القرآن المناقشة بصفة عامة وهو على نوعين: جدال ممدوح وآخر مذوموم، وهما:

1-الجدال بالتي هي أحسن.

2-الجدال بغير التي هي أحسن.

والحديث التالي يفرق لنا بين النوعين كما يبين حكمهما لدى الإسلام:

ذُكِرَ عند الإمام الصادق عليه السلام الجدال في الدين وان رسول الله والأئمة قد نهوا عنه، فقال الصادق (عليه السلام) : لم ينه عنه مطلقا ولكن نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن، اما تسمعون الله يقول: (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن) وقوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين، والجدال بغير التي هي أحسن محرم، حرمه الله على شيعتنا.وكيف يحرم الله الجدال جملة وهو يقول: (وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى) قال الله: (تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) فجعل علم الصدق و الايمان بالبرهان وهل يؤتى بالبرهان إلاّ في الجدال بالتي هي أحسن؟!

(1) - هجم عليه ... دخل غفلة ويعني عليه السلام: انهم أثاروهم مفاجئة بالمواعظ.

(2) - مصاحها: بمعنى الصحة والعافية.

(3) - هو الملك الذي وكله الله على النار.

(4) - نهج البلاغة ، الخطبة رقم 183 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت