فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 1942

قيل: يا ابن رسول الله؛ فما الجدال بالتي هي أحسن والتي ليست بأحسن؟ قال (ع) : أما الجدال بغير التي هي أحسن: أن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها الله ولكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل ان يعين به باطله فتجحد ذلك الحق مخافة ان يكون له عليك فيه حجة لأنك لا تدري كيف المخلص منه، فذلك حرام على شيعتنا ان يصيروا فتنة على ضعفاء اخوانهم وعلى المبطلين. اما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف ما في يديه حجة لهم على باطلهم، وأما الضعفاء منكم فتغمّ قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في رد المبطل.

وأما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر الله تعالى به نبيه ان يجادل به من جَحَدَ البعث بعد الموت وإحيائه له فقال الله حاكيا عنه (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، قال من يحيي العظام وهي رميم) فقال الله تعالى في الرد عليه: (قل) يا محمد (يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم(1) .

نستنبط من هذا الحديث ثلاثة أمور هي:

1-على الداعي ان لا يورط نفسه بالجدال ما دام لا يرى في نفسه الكفاءة التامة عليه.

2-عليه ان لا يجحد حقا لإثبات حق آخر، بل يبين الفارق بينهما. فلو قال المبطل للمحق انك تعتقد بأن للأرض نظاما فلماذا نعتقد بالله مع ان النظام يكفي لتفسير ظواهر الخلق، فلا يقل المحق: ليس في الأرض نظام. فيكون قد انكر حقا. بل ليقل: (لا منافاة بين ان يكون للأرض نظام وان تحتاج الأرض في خلقها ونظامها إلى خالق مقتدر) .

3-يندب الجدال بالتي هي أحسن بالنسبة إلى كل مسلم قادر. وهذا الحديث يجعلنا نثبت لأنفسنا الحق ـ ليس في عرض الفكر الإسلامي ـ بل وحتى في الاستدلال له، ذلك ان الدليل الباطل لن يهدي الإنسان إلى الحق. وان تراءى للبسطاء كذلك وهذا ذات ما قد سبق من وجوب الإلتزام المطلق بالمنهج الديني، حتى لا نعرض الدين في ثياب غريبة عنه.

مغالطات مفضوحة..

بعد تمهيد الطريق بذكر معنى (الجدال الحسن والجدال السيء) نعرض جملة من مغالطات الماديين وشبهاتهم حول الله، نفضح ما فيها من تناقض.

1-يقول الدكتور الألماني (بخنر) : بما اننا لم نجد ظاهرة واحدة في هذا الكون الرحيب، من أبعد نقطة اكتشفناها في الفضاء إلى أقرب جرم الينا، لم نجدها شاذة عن النظام الكوني، فليس لنا الحاجة إلى افتراض وجود الله.

الجواب: ان عدم وجود شذوذ في النظام أو شمولية النظام في الكون لا يكون دليلا على عدم وجود الخالق، بل يكون دليلا قاطعا على وجود من خلق النظام وهو الله الخالق العظيم، وإلاّ فمن جعل هذا النظام وقَدَّره وأجراه ؟ وبعد هذا فهل الكون كله خاضع للنظام، أو هل اثبت العلم الحديث هذا النظام؟ لنسمع (هايزنبرغ) العالم الفيزيائي يقول ـ في نظام الذرة ـ: ان من المستحيل علينا ان نقيس بصور دقيقة كمية الحركة التي يقوم بها جسيم بسيط وان نحدد في الوقت عينه موضعه في الموجة المرتبطة به بحسب الميكانيكا الموجبة التي نادى بها (لويس دوبروغلي) فكلما كان مقياس موضعه دقيقا كان هذا المقياس عاملا في تعديل كمية الحركة ومن ثم في تعديل سرعة الجسيم بصورة لا يمكن التنبؤ بها ومهما تعمقنا في تدقيق المقاييس العلمية ابتعدنا أكثر عن الواقع الموضوعي.

هذا في الذرة التي سماها البعض بمبدأ النظام في اللانظام. وأما في المجرة وهي أكبر وحدة وجودية فإن أحدث النظريات الفلكية اثبتت انه بالرغم من وجود نظام متناسق فيها فإن فيها مجالا واسعا لما نسميه بالصدف.

2-قال طاليس (من قدماء فلاسفة اليونان) : لقد كانت المادة ذرات أزلية فاصطدمت ببعضها وكان الكون. وإلى هذه النظرية ذهب بعض الماديين الجدد قائلين ان المادة عبارة عن الذرات الصغار الخالدة التي لا عدم فيها، انها تتكون بين فترة وأخرى بشكل أو بآخر ثم تتلاشى لتتكون بصورة جديدة.

ويقول (هكسلي) : (لو جلست ستة قرود على آلات كاتبة تضرب على حروفها ملايين السنين فلا نستبعد ان نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير، فكذلك كان الموجود الآن نتيجة لعمليات عمياء ظلت تدور في المادة لبلايين السنين) .

الجواب:

أ- كيف ومن أين عرفتم ان المادة كانت أزلية ؟ هل كنتم مع المادة في أزلها، أم آمنتم بها غيبا؟ فإذا أجبتم بالثاني قلنا إذن من اين وكيف آمنتم بأزلية المادة غيبا وانكرتم الله؟ كيف صح ان تؤمنوا بما لا تروه ولا يصح للموحدين الإيمان بما لم يروه؟ ونسأل أيضا: هل المادة الأزلية كانت حية؟ فمن أين جاء الموت، أم هي ميتة فمن أين جاءت الحياة؟ وانكم تقولون ان المادة تصادمت مع بعضها، فما الذي سبب تصادم أجزاء المادة؟ أبالصدفة كما يقول (طاليس) أم بالضرورة أم بإرادة واختيار؟

ب- فإن قلتم بالصدفة قلنا: ألستم تقولون ان للطبيعة قوانين معينة لا يخرج عليها ولا يشذ عنها، فكيف حادت عنها؟ أم كيف تركت نظامها إلى نظام جديد؟ ثم هل تأتي الصدفة بهذا النظام الدقيق المتناسق الذي يحير العقل من دقته وعمقه واتقانه؟ ، ان الصدفة لا تصنع ساعة يد - كما يقول انشتاين - فكيف تصنع العقل المفكر والاجهزة المحيرة للعقول الموجودة في الدماغ؟ وكما يقول أحد العلماء ان القول بأن الحياة وجدت نتيجة (حادث اتفاقي) شبيه في مغزاه بأن تتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار يقع في المطبعة دون فعل فاعل .. ان احتمال ان يكون الضرب على آلة كاتبة على يد أمي سببا لقصيدة شكسبير أبعد من ان يشافى كل مرضى العالم بتناول مواد تقضي على أمراضهم صدفة كأن يذهب أحدهم إلى الحقل ويتناول حشيشة وصدفة يكون فيها دواؤه، ويذهب الآخر الىالبحر فيتناول صدفة سمكة يكون فيها شفاؤه، ويذهب الثالث إلى الصحراء وتلدغه أفعى يكون فيه دواء مرضه، وهكذا كل مريض في العالم وفي يوم واحد يشفى صدفة بسبب مجهول. لو حدث مثل ذلك لما تمالكنا عن القول بأن معجزة إلهية كبيرة قد وقعت. ثم كيف يمكن ان تكون الحياة صدفة مع ان الخلية الحية تحتوي على أجزاء منها البروتين، واحتمال ان يحدث بروتين واحد صدفة يتطلب ـ حسب نظام الاحتمالات ـ مادة يزيد مقدارها الف مليون مرة عن المادة الموجودة ؟ ، وأما المدة التي يمكن فيها ظهور نتيجة ناجحة لهذه العملية فهي أكثر من 1-243 عاما أي مائتان وثلاثة وأربعون صفرا أمام عشر سنين.. وبعد هذا هل يمكن القول بتكون كل العالم صدفة؟

ج- وان قلتم بالضرورة ، أي ان المادة من طبيعتها ومن قانونها الاجتماع. قلنا فلماذا كان ذلك حادثا ولم يكن منذ القدم كذلك فإن المادة قديمة (كما تدعون) وقوانينها قديمة فيجب ان يكون هذا العالم من قديم ويجب ان تكون ما فيها من صور قديمة ، وليس الواقع كذلك قطعا.

وان قلتم انما صارت كذلك بإرادة واختيار، قلنا: ممن كانت الإرادة ؟ من الطبيعة أم من المادة أم من ذات أغلب وأقوى منهما؟ إذًا دعنا ننظر: ما هي الطبيعة؟! ان هي الا النظام (وهل النظام عاقل؟) . وما هي المادة، أليست المادة هذه الذرات، فهل هي الإرادة؟ ارجعوا إلى عقولكم وفكروا. وثم لماذا بدلت صورتها بعد ان كانت في صورة واحدة؟

الضرورة أم الإرادة أم بالصدفة، وكل ذلك من سفه الفكر.

3 -ويقولون لقد تغلغلنا في أعماق المادة وكشفنا غورها البعيد فلم نر غير المادة شيئا وغير النظام مربيا ومدبرا.

الجواب: نحن لا ننكر النظام والمادة، ولكن من خلق المادة والنظام؟ ان العقل يحكم بأن المادة لابد لها من خالق وان النظام لابد له من مدبر عليم، وهل يمكن ان ينكر الإنسان شيئا بمجرد انه لا يراه؟

(1) - بحار الانوار ،ج2، ص125 ،ح2 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت