فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 1942

والملفت للنظر اهتمام الفقهاء المربين المسلمين بصحة الصبيان في الكتاب، فنصحوا بعزل الصبي المريض عن رفاقه حتى لا ينتشر المرض بينهم، يقول ابن الحاج العبدري:"ينبغي إذا اشتكى أحد من الصبيان وهو بالمكتب بوجع عينيه , أو شيء من بدنه، وعلم صدقه أن يصرفه (المعلم) إلى بيته ولا يتركه يقعد في المكتب" (22) . وذلك ليترك لأهله الاهتمام به , والعمل على معالجته ؛ خوفًا من انتشار عدوى المرض بين الصبيان.

وطلب إلى معلم الصبيان منعهم من أكل الطعام والحلوى المكشوفة والمعروضة من قبل الباعة الجوالين"فلا يدع المعلم أحدًا من البياعين يقف على المكتب ليبيع للصبيان، إذ فيه المفاسد إن اشترى منه" (23) ، وبلغ الحرص عندهم لدرجة"ترتيب طبيب يحضر بالمكتب في كل شهر" (24) .

ووصلت عناية المربين المسلمين بنظافة الصبيان في المكتب بأن أوجبوا عليهم أن يكون لمسح الألواح مكان طاهر نظيف، وأن يستخدموا الخرق الطاهرة لمسح الألواح، ولا يستخدموا البصاق بل الماء الطاهر، لأن البصاق فيه القذارة وعدم الاحترام للمادة المكتوبة على الألواح.

أما تمويل التعليم في الكتاب فكان يتم عن طريق ما يقوم به الآباء نحو أبنائهم، وما يدفع لمعلمهم من أجر مشاهرة، أو مسانهة ( أي معاملة بالسنة ) أو مقاطعة ( أي يقطعه مقاطعة مقابل تعليم الطفل ) أو بما يقوم به القادرون ماديًا، نحو أقاربهم الفقراء وغير أقاربهم من أبناء المسلمين، مما يدخل في باب التكافل العلمي عند المسلمين.

ولقد أبرز التطبيق العملي لمبادئ الإسلام صورًا من التضامن الشعبي في مجال الخدمات التعليمية , مما رفع عن كاهل الدولة الصرف على التعليم وتمويله إلا في أضيق الحدود، ولعل ذلك كان سببًا للانتشار الواسع لمؤسسات التعليم الأولي في العالم الإسلامي.

المسجد ورسالته التربوية عند المسلمين:

نشأ التعليم ودروسه بنشأة الإسلام، فكان جماعة من الصحابة يعلِّمون في مسجد قباء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، واستخدمت المساجد للتدريس منذ العهد الأول."ومسجد قباء هو أول مسجد بني في الإسلام ثم مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم" (25) ويعد المسجد النبوي أول مكان علمي أنشئ في الإسلام، وقيامه قيام أمة الإسلام في المدينة، وتاريخ مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض جانبًا كبيرًا من تاريخ هذه الأمة.

وإذا دققنا في خطط القواعد الإسلامية الأولى نرى أن ظاهرة انتشار المساجد لم تكن وليدة الصدفة , بل كانت أثرًا من آثار سياسة الدولة الإسلامية المرسومة لعمارة البلدان الإسلامية في البلدان المفتوحة، وترجع هذه السياسة إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حين كتب إلى ولاته في الأمصار أن يتخذوا مسجدًا للجماعة (26) .

ولقد انتشرت المساجد انتشارًا كبيرًا جدًا في أنحاء العالم الإسلامي، وقام الخلفاء والأمراء والأثرياء والعلماء والفقهاء ببناء المساجد في كل مدينة وقرية ؛ انطلاقًا من دعوة الآيات القرآنية لتعمير المساجد وبنائها وتكريمها , والاهتمام بها على اعتبار أنها إحدى الصدقات الجارية , ولارتباطها أيضًا بالشعور الديني الحماسي العارم عند المسلمين , وبخاصة في الفترات المتأخرة من العصر.

وارتبط تاريخ التربية الإسلامية ارتباطًا وثيقًا بالمسجد،"ولهذا فالحديث عنه حديث عن المكان الرئيسي لنشر الثقافة الإسلامية، وقد قامت حلقات الدراسة في المسجد منذ نشأ، واستمرت كذلك على مرّ السنين والقرون، وفي مختلف البلاد الإسلامية دون انقطاع، ولعل السبب في جعل المسجد مركزًا ثقافيًا هو أن الدراسات في سني الإسلام الأولى كانت دراسات دينية تشرح تعاليم الدين الجديد وتوضح أسسه وأحكامه وأهدافه , وهذه تتصل بالمسجد أوثق اتصال" (27) .

لقد توسع المسلمون في فهم مهمة المسجد"فكان مصلى ومدرسة وجامعة ودارًا للافتاء، ومنطلقًا للثوار والوطنيين في كل العصور، وبذلك لعب المسجد دورًا خطيرًا في حياة المسلمين , وما يزال إلى اليوم مركزًا هامًا للوعي الإسلامي... ولم تقف وظيفة المسجد التربوية عند هذا الحد بل كانت أشبه بنواد أدبية , تثار فيها المسائل والمجادلات الأدبية واللغوية المختلفة، كذلك كانت مقصدًا للقصّاص يجلسون فيها , فيقصون على الناس القصص التي تجمع بين العبرة والتسلية... وكذلك كانت المساجد مسرحًا للشعر العربي" (28) .

والظاهرة الأولى من المظاهر التربوية في المسجد خطبة الجمعة التي هي"الدرس التربوي الأسبوعي للمسلمين , والتي تُلقى من على منبر المدرسة الأولى للمجتمع, وتلكم هي المسجد، ولأمر ما اقترن التعليم بالمساجد في نشأة الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي ؛ تجسيدًا للعلم والإيمان وأهميتهما في بناء الفرد الصالح , والمجتمع الفاضل" (29) .

والمساجد ملك للجماعة الإسلامية استخدمتها معاهد للتعليم"لأن العلم كان دائمًا من اختصاص الجماعة، فلم تكن دول الخلافة أو دول السلاطين مسئولة عن التعليم حتى في عصر الراشدين , وإنما كان التعليم من اختصاص الأفراد والجماعة، فكانت الجماعة تتكفل بمعاش المعلمين , سواء كانوا معلمين صغارًا , يعلمون الصبيان القراءة والكتابة , ويحفظونهم القرآن، أو شيوخًا أجلاء يقرؤون علمهم على طلابهم في المسجد في علوم القرآن والحديث والفقه واللغة والأدب , فلم نسمع أن الدولة قررت راتبًا لمعلم أو شيخ إلا ابتداء من منتصف القرن الخامس الهجري ( الحادي عشر الميلادي ) عندما قامت المدارس" (30) .

ولقد أدى استخدام المسجد كمعهد للعلم إلى تلك الخاصة الهامة التي امتازت بها الحضارة الإسلامية وهي الحرية الفكرية، فقد ارتاد مجالس المساجد العلمية الراغبون في العلم، والعلماء المسلمون من جميع أنحاء الدولة الإسلامية، وكان متاحًا في مجالسها لأي شخص من المستمعين أن يسأل العالم، وفي حال عجزه عن الرد وإقناع السائل، يفقد الثقة، ويضطر إلى ترك حلقته إما لينتقل إلى مسجد آخر، أو ليعد نفسه علميًا من جديد.

ولقد ضمنت مثل هذه المواقف"كفاءة العلماء من ناحية , وحرية أهل العلم من ناحية أخرى , فقد أصبحوا -بهذا- في امتحان ومحنة يومًا بعد يوم، ومن المؤكد أنه لو كانت الأمة تركت العلم لرجال الدولة لما ظل العلم في بلاد الإسلام دائمًا في ذلك المستوى الرفيع، فقد كان على العلماء أن يواصلوا الدرس ؛ ليحافظوا على مكانتهم أمام الناس الذين يستمعون إلى دروسهم."

ولو تبنت الدولة العلم لفرضت على الناس -إذا شاءت- الأدعياء والدخلاء , وأفسدت العلم بذلك، ولو قعد العلماء للتدريس في دور بنتها لهم الدول , وتقاضوا أرزاقهم فيها لأصبحوا في عداد خدامها وحواشيها... ولكن الجماعة الإسلامية كلها كانت تشرف على القضاء , وتحافظ على تقاليده , وكانت ترعى العلم والعلماء وتحرص على أن تظل مؤسسة العلم -أو نظام العلم وأهله- في مستواها الرفيع من الجد والوقار والتعاون وحسن السمعة والإخلاص للعلم... وكان أكبر ما أعان الجماعة على المحافظة على سلامة مؤسساتها -كالقضاء والعلم- أنها كانت تملك المساجد , فوضعتها تحت تصرف القضاة وأهل العلم" (31) ."

وتبين الدراسة في المساجد أهم خصائص التربية الإسلامية ومبادئها من"البساطة ومساواة الفرص والحرية في التحصيل والارتباط والانسجام بين حاجات الدين وحاجات الدنيا" (32) والحرية المطلقة للمعلمين والمتعلمين في اختيار مناهج الدراسة وطرائقها، وأوقاتها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت