وكان للمتعلم الحرية في أن يذهب إلى أية حلقة في المسجد، وإلى أي شيخ يأنس له ولعلمه، وإذا أتم علمًا من العلوم عند شيخ من الشيوخ انتقل إلى الآخر، وقد يبدأ بدراسة علم ما , فيجد شيخه من خلال ما لديه من خبرة وحسن فراسة أن هذا المتعلم لا يصلح لهذا العلم , فينصحه أن يتخصص بعلم آخر هو أنسب له، وأكثر تلبية لحاجاته وقدراته.
ولقد اشتهرت مساجد وجوامع متعددة في العصر العباسي، وكانت قبلة أنظار العلماء والمتعلمين، ومن هذه المساجد في العراق جامع المنصور في بغداد، ومساجد الكوفة والبصرة، وفي الشام الجامع الأموي، وفي مصر جامع عمرو بن العاص، وجامع ابن طولون، والجامع الأزهر، وانتشرت في هذه المساجد الحلقات العلمية فلم تقتصر على الحلقات المتخصصة بالدراسات الدينية واللغوية , بل تعدتها إلى سواها من معارف ذلك العصر , كالفلك والحساب والطب وغيرها.
يقول عبد اللطيف البغدادي (ت 629هـ/ 1231م) "كانت سيرتي في هذه المدة أنني أقرئ الناس بالجامع الأزهر من أول النهار إلى نحو الساعة الرابعة وسط النهار, يأتي من يقرأ الطب وغيره، وآخر النهار أرجع إلى الجامع الأزهر فيقرأ قوم آخرون" (33) .
ومن المؤكد أن تعليم الطب الذي يشير إليه البغدادي في الجامع الأزهر والذي مارس تعليمه هو الجانب النظري منه، لأن الجانب العملي التطبيقي ترك ليمارس في المدارس والبيمارستانات.
"ولا نزاع في أن الدراسات الدينية كانت أهم ما يجذب الطلاب , ويعنى به العلماء المعلمون في حلقاتهم، والتي كان نشوء نظامها في المساجد هو نشوء نظام في التخصص" (34) .
أما الحلقات العلمية في المساجد فقد توالى ذكرها في كتب التاريخ والتراجم، بل يكاد لا يخلو تاريخ عالم من العلماء أو شيخ من الشيوخ، من الإشارة إلى (حلقة) له بمسجد من المساجد، وكانت تلك الحلقات منتشرة منذ العصور الأولى في المساجد الجامعة بالحجاز والشام والعراق ومصر والقيروان وقرطبة , وغيرها من المناطق والممالك الإسلامية وعواصمها ومدنها، وسمي الدرس (حلقة) لأن الطلاب كانوا (يتحلقون) أي ينتظمون في شبه عقد أو حلقة حول شيخهم وكانت الحلقة تضيق أو تتسع أو تتضاعف تبعًا لعدد الطلاب" (35) ."
فهذا محمد بن سليمان أبو بكر البغالي (ت 380هـ/ 990م) "كانت حلقته في مسجد عمرو العتيق تدور على سبعة عشر عمودًا من كثرة من يحضرها" (36) .
لقد كان الشيخ يتخذ مكانه في المسجد إلى جانب أسطوانة يستند إليها بظهره إن أمكن"وإذا اقترب أحد من هذه الحلقة سمع النداء: دوروا وجوهكم إلى هذا المجلس، وقد أحصى المقدسي في المسجد الجامع بالقاهرة وقت العشاء مائة عشر مجلسًا من مجالس العلم" (37) .
وكان المتعلمون يجلسون حول الشيخ"على شكل دائرة إن كان العدد صغيرًا بشكل كاف وبحيث يدع المعلم يشرح المادة بطريقة موحية بالألفة والدفء، ومشجعة للنقاش الحيوي بينما الطلاب يسجلون الملاحظات ويوجهون الأسئلة" (38) . أما إذا زاد العدد فتتخذ الحلقة شكل نصف دائرة.
وقد سمي مجلس الشيخ أحيانًا بالطاق أو المحراب، وقد تسمى الحلقة زاوية، فهذا ابن جبير في القرن السادس الهجري يشاهد في الجامع الأموي بدمشق للمالكية زاوية للتدريس في الجانب الغربي يجتمع فيها طلبة المغاربة ولهم أجر معلوم (39) .
ولقد أصبحت بعض المساجد وحلقاتها مطمحًا ومطلبًا لبعض العلماء، ربما لما تعطيه للعالم من مكانة علمية أو اجتماعية، ورغبة في نشر العلم بين أكبر مجموعة من الجماهير المسلمة، فهذا الخطيب البغدادي يذكر أنه"لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات وسأل الله ثلاث حاجات: آخذًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ماء زمزم لما شرب له"فالحاجة الأولى أن يحدث بتاريخ بغداد، والثانية أن يملي الحديث بجامع المنصور، والثالثة أن يدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي" (40) .
وبنتيجة للصراعات السياسية والمذهبية، سرعان ما جمعت المساجد بين الصبغتين العلمية والمذهبية، كما كان الحال بالنسبة للجامع الأزهر، والذي اختص في العهد الفاطمي بعلوم آل البيت، وتخصصه بمثل هذا النوع من المعرفة"كان نموذجًا شيعيًا لتأسيس (المدرسة) في عالم السنة، فالمعهدان مظهران من مظاهر التنافس المذهبي في العالم الإسلامي، فيهما استخدمت وسائل التربية والتعليم لأغراض موازية متباينة، فالدعوة لمذهب من المذاهب تحت رعاية الدولة أصبح مألوفًا منذ بدء التنافس بين الفاطميين والعباسيين على السيادة في القرن الرابع الهجري" (41) .
وكان المسجد مركزًا للتعليم العالي، وقد أثر في نمو العلوم وانتشارها لاتصاله بالدين وكونه مكانًا للعبادة، وكذلك فتح أبوابه ليتلقى الجميع العلم فيه، على اعتبار أن بيوت الله ليس لأحد عليها سلطان، ولا يحتاج الدخول إليها إلى استئذان، ويشعر الطالب فيها بالحرية واليسر أكثر مما هو الحال في منازل العلماء والحكماء ومجالسهم الأدبية والخاصة، فالمنازل محجورة على الناس إلا مَنْ أبيح له دخولها، ولها مكانتها واحترامها وأدبها.
ولقد عدَّ المسجد بمثابة مدرسة عالية وقسِّم طلبته إلى قسمين:
1 ـ طلاب منتظمون في الدراسة لا ينقطعون عن الدرس إلا بعد إتمام المنهج , والحصول على إجازة من الأستاذ المختص، وهؤلاء يتفرغون للعمل سنوات عدة , فيحضرون إلى الجامع من الصباح الباكر ينكبون طيلة النهار على الدرس.
2 ـ طلاب مستمعون غير منتظمين وهؤلاء يذهبون لاستماع بعض الدروس , كما نذهب نحن لاستماع بعض المحاضرات العامة دون تقيد بمنهج معين (42) .
ولقد عمد الخليفة في فترة من فترات العصر العباسي إلى تعيين شيخ الحلقة، وكان بعض أصحاب النفوذ في الدولة يوجهون نظره بعض الأحيان إلى من يختاره، مع الإشارة إلى أن مكانة العالم العلمية والاجتماعية كانت تلعب دورها الكبير في اختياره للتدريس في المسجد.
ويعد الفقهاء"أكثر العلماء طلابًا، وكان ذلك طبيعيًا لأن الفقهاء يعلمون العلم الذي يؤهل أصحابه لتولي مناصب يعيشون منها" (43) . ولأهمية العلوم الدينية في ذلك العصر وبخاصة مادة الفقه. ولكن لو قورن عدد التلاميذ في ذلك العصر بما نراه اليوم لوجدناه صغيرًا مما يدل على كثرة العلماء بالنسبة للتلاميذ.
ويرى أحد الباحثين"أن الطلاب يكثرون في حلقات المتكلمين لما يجري بينهم من مناظرات وكان الطلاب يختلفون إليها للفرجة والتعليم" (44) .
ولا شك في أن مثل هذه المجالس تستهوي الناس فهي مثل من أمثلة الإقناع"وصورة بارعة للحركات العقلية المختلفة في الهجوم والدفاع والمداورة واستعمال الحيلة، والجمهور بطبيعته مأخوذ بمشاهدة مثل هذه الخصومات ومتابعة مثل هذه الحركات , متطلع دائمًا لمعرفة نتائجها من ظفر هذا وانقطاع ذاك" (45) .
ومن الوسائل التي كانت تعرف بها أعداد الطلاب"إحصاء محابرهم التي يضعونها أمامهم والتي كانت أهم عتاد الطالب" (46) ، وكانوا يمسكون في أيديهم بالأقلام والأوراق للكتابة ويضعون أمامهم المحابر،"ويحضرون كتبهم في شيء يسمى قارورة , ولعلها سميت بهذا الاسم من قبيل الفكاهة" (47) .