وحين نتوجه إلى تراجم بعض الفقهاء: أمثال أبي حامد الاسفرايني (ت 406هـ/ 1015م) ، وأبي المعالي عبد الملك الجويني أمام الحرمين (ت 478هـ/ 1058م) وأبي الطيب الصعلوكي (ت 337هـ/948م) ، ومحمد بن جرير الطبري (ت 310هـ/ 922م) ، يلفت نظرنا كثرة أعداد طلاب العلم الذين كانوا يرتادون حلقاتهم، فقد تحكمت شهرة ومكانة هؤلاء العلماء في الوسط العلمي من خلال إقبال متزايد من الطلاب عليهم، وبلغ الأمر ببعضهم أن قامت بينهم وبين طلابهم جسور من المحبة والثقة والصلات الطيبة ؛ لدرجة أنهم عمدوا إلى تقديم الأرزاق والمساعدات لهؤلاء الطلاب.
أما مواعيد التدريس في المساجد فقد راعى الفقهاء المربون المسلمون في تحديدها"مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره إذا لم يكن عليه فيه ضرورة ولا مزيد كلفة" (48) . ولم يكن هناك وقت محدد بالضبط لحضور الدرس في المرحلة العالية من التعليم، لأنه غالبًا ما كان يرتبط ذلك بوقت المعلم، وربما كان أكثر الأوقات ملاءمة لإلقاء الدرس هو الصباح.
لكن هذه الأوقات تنوعت فمنها ما كان"صباحًا ومنها ما كان بعد العصر وقبل صلاة المغرب، وبما أن الطالب يقوم بدراسة أكثر من مادة واحدة في ذات الوقت , ويذهب إلى أكثر من معلم في نفس اليوم، فإن الوقت الدراسي كان من المرونة بحيث تناول اليوم بأكمله، ويحرص الطلبة على الوصول إلى مكان أستاذهم مبكرين" (49) .
أما المدة الزمنية للدرس فيبدو أنها كانت قصيرة"وعادة تتراوح بين ساعة وساعتين حتى لا يمل الطالب أو يشعر بإرهاق، والدروس يومية ومتوالية، ولا يفصل بينها أي فاصل، ما عدا أيام الجمع والأعياد، وحين يهطل المطر غزيرًا، وبعض الإجازات الأخرى المتفرقة" (50) .
وقد يمتد وقت الدرس إلى المدى الذي"يراه الأستاذ وطلابه مناسبًا ويتنوع على نحو شديد يبدأ من الاستشارة التي تعودها بعضهم، وقد لا يستغرق لحظة ويمكن أن يمتد ساعات طوالًا" (51) .
ولم يكن هناك جدول خاص يعيِّن أوقات الدروس أو نوعها , ولكن في الغالب كانت تخصص ساعات البكور والذهن في حالة تهيؤ ونشاط لدراسة العلوم النقلية التي هي عماد الدين كالتفسير والحديث والفقه والنحو والصرف وغيرها، أما بعد الظهر فتخصص لدراسة العلوم الأخرى التي تستند إلى العقل، أما المساء فجعلوه للاستذكار والحوار والتأمل.
ولكن ذلك لم يمنع أن تلقى دروس الفقه أو غيره من العلوم الأخرى في أي وقت من أوقات النهار، فقد ذكر المقدسي (ت 367هـ/ 1977م) "أن جامع عمرو كان بين العشائين مغتصًا بحلق الفقهاء وأئمة القراء وأهل الأدب والحكمة" (52) .
وذكر القلقشندي (ت 821هـ/ 1418م) أن الفقهاء في الجامع الأزهر كانوا يتحلقون فيه يوم الجمعة بعد الصلاة إلى أن تصلى صلاة العصر , وكانوا يتكلمون في الفقه، وكان الطالب ينتقل من حلقة إلى أخرى تبعًا لنشاطه , وعدد العلوم التي يرغب في دراستها (53) .
أما مدة الدراسة في المسجد، والعمر الذي يبدأ فيه المتعلم دراسته، فيرى ترتون TRITTON أنه تُفتقد الإحصاءات المتعلقة بأعمار الطلاب المسلمين في العصور الوسطى، ولم تصل إلينا سوى حالات نادرة، ويعتبر سن السادسة عشرة كبداية لدراسة العلوم في المساجد (54) أي في المرحلة العالية من التعليم.
لكن يبدو أن طالب العلم"لم يكن مقيدًا بعدد خاص من السنين أو عدد معين من الكتب يتعين عليه قراءتها فكان له أن يترك الدراسة متى شاء، ولكن يغلب على الظن أن الطالب يحتاج إلى اثنتي عشرة سنة كي يتمم منهج الدراسة بالمسجد... بيد أن كثيرًا من الطلبة قد شجعهم على طول الإقامة بالمسجد , والانقطاع لطلب العلم ما كان يدر عليهم من العطاء , ويجري عليهم من الأرزاق" (55) .
أما لغة التدريس التي كان يستخدمها العلماء في المسجد، فلا شك في أن اللغة الأساسية هي اللغة العربية لغة القرآن الكريم، إلا أنه بعد الفتوحات الإسلامية دخل الكثير من الناس في الإسلام، وهم من شعوب مختلفة منهم الفارسي والرومي والزنجي... الخ، مما حتم على الفقيه أو المحدث اتباع شتى الوسائل لإيصال المعارف لأصحابها , وخاصة إذا كانت أداتها اللغة، فهذا"موسى بن سيار الأسواري كان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها بالفارسية فلا يدري بأي لسان هو أبين" (56) .
ولقد اهتم المربون المسلمون بمجالس الدرس في المساجد فوضعوا لها آدابًا وأخلاقيات، وأصولًا ينبغي أن يتبعها العالم والمتعلم، مما يخلق أجواء نقية نظيفة تسودها العلاقات الإنسانية، والقائمة على بناء جسور الثقة والمحبة بين قطبي العملية التعليمية والتعلمية.
أما مصادر النفقات على المساجد والجوامع فقد تعددت، فالأوقاف قامت بدور كبير من أجل تدعيمها , وتمكينها من أداء رسالتها، ويمكن القول أن"قوة الشعور الديني أدت إلى ازدهار الأوقاف وانتشارها، كما أن ازدهار هذه الأوقاف أدى بدوره إلى تقوية الشعور الديني، واستمرار تدفق المشاعر الدينية عن طريق المؤسسات الدينية، ولقد تعددت الأمور الموقوفة من بلدان وضياع وأملاك وحوانيت، وتعدد المنتفعون من أئمة وخطباء وفقهاء ومدرسين وعلماء وطلبة ومؤدبين وقوام وفقراء" (57) .
ولعبت الصدقات العامة والخاصة دورها إن كان لجهة ما يقدمه الخلفاء أو ما كان يعطى في مختلف المناسبات والمواسم، أو ما يعطى من فروض الزكاة.
أما الشيعة الأمامية"فقد تمتعوا بحرية نسبية في تعليم علومهم بمساجد عرفت بالعتبات الشريفة والمشاهد الخاصة بهم ؛ لأن فيها مراقد أئمتهم , وأخذت أهمية المساجد المذكورة تزداد شيئًا فشيئًا خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة، ويعتقد الإمامية أن السكن والتدريس في المراقد المذكورة من الأمور المستحبة دينيًا."
ويروي المفيد أن أحدهم قال: حدثنا محمد بن معقل قال: حدثنا أبي عبد الله بن جعفر الحميري عند قبر الحسين في الحائر سنة ثمان وتسعين ومائتين" (58) ."
ومن أهم المشاهد الشيعية: مشهد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) في النجف، ومشهد الإمامين الكاظم والجواد ببغداد (رضي الله عنهما) ، ومشهد الحاير أو مشهد الحسين )رضي الله عنه) في كربلاء، ومشهد الإمام الرضا (رضي الله عنه) في طوس، ومشهد فاطمة (رضي الله عنها) في قم.
وقد لعبت المشاهد دروًا تربويًا كمؤسسات تعليمية شيعية"مما دفع دونالدسن إلى القول إن الإمام الصادق وتلامذته كونوا شبه مدرسة سقراطية , وإن عددًا من تلامذته أسهموا إسهامًا كبيرًا في تقدم علم الكلام وفنه" (59) .
وقد احتوت هذه المشاهد على خزائن للكتب حتى إنّ كثيرًا من العلماء أو أصحاب الخزائن الخاصة كانوا يوقفون كتبهم عليها.
الهوامش:
(1) فيليب. هـ. فينكس: فلسفة التربية، ص 51.
(2) عبد الغني عبود: في التربية الإسلامية، ص 110-111.
(3) محمد أسعد طلس: التربية والتعليم في الإسلام، ص 70.
(4) أحمد شلبي: التربية الإسلامية، ص 46.
(5) عبد الغني محمود عبد العاطي: التعليم في مصر زمن الأيوبيين والمماليك، ص 121.
(6) شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي (أبو شامة) :
كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، ج1، ص 23.
(7) أحمد شلبي: التربية الإسلامية، ص 54.
(8) خطاب عطية علي: التعليم في مصر في العصر الفاطمي الأول، ص 72.
(9) حسن حسني عبد الوهاب: مقدمة كتاب آداب المعلمين لابن سحنون، ص 50.