فهرس الكتاب

الصفحة 1670 من 1942

لقد أدركت اليابان على وجه الدقة، ما للتقليد الصناعي من دور مهم، وعملي، وحاسم، في سبيل النهوض بصناعتها، وتبوئها مكان الصدارة، أو على أقل تقدير المزاحمة عليه، في كثير من الصناعات المتطورة المعاصرة، وسوف يتضح لنا شيئا مما قامت به اليابان، من أجل نهضتها وتقدمها، عندما نستعرض تجارب الأمم في مضمار العلوم والتقنية.

وعلينا أن ندرك أن مستوى التقليد، يرتبط بمستوى الحالة العلمية والتقنية، السائدة في المجتمع من قبل، وفي هذا المجال لابد أن تتعلم الشعوب الأقل تقنية أن ليس كل شيء تبغي تقليده، تستطيع أن تحققه، أي أن مستواها العلمي والتقني، يفرض عليها قيودًا وعقبات لا يمكن تجاوزها إلا إذا غيرت من مستواها العلمي والتقني.

ونعتقد أن على جزء يسير من أساتذة الجامعات العلمية والعملية، مسؤولية واجبة الأداء، وهي أن يحولوا الرسائل، والأبحاث الجامعية، أو بعضها، التي يقومون بها، أو التي يشرفون عليها، إلى رسائل وبحوث، تصب في معين التقليد للمنتجات المصنعة في الخارج.

إن الفجوة العلمية والتقنية، بيننا وبين الغرب، يجب أن نجتازها بمجموعة من الوثبات في التقليد المبرمج، يتلوها رغبة جادة في التأقلم على المقلد، من الإنتاج والمصنوعات، وهذا يحتاج إلى بحوث متصلة عن: ماذا نقلد؟ وماذا نؤجل؟ أي: وضع برنامج زمني يضيّق الفجوة العلمية، بين التقنية والتقليد.

الفجوة التقنية- نحن والعالم المتطور

إنه من المفيد أن تتكون لدينا قناعة ذاتية، بأن الفجوة العلمية والتقنية، بيننا وبين الدول الصناعية، تزداد ولا تنقص، وتتسع ولا تقل، برغم الظاهر من مؤشرات تدل على الاستعداد للتقدم العلمي، في مجالات عديدة، أبرزها تعدد الجامعات، وتنوع مجالات الأبحاث، وازدياد أعداد الملتحقين، وبالتالي المتخرجين من الجامعات، والمعاهد العليا. والقناعة تلك، يجب أن تهدف إلى إعطائنا دفعات قوية للعمل الجاد، دون أن توقعنا في شَرَك المتشائمين، الذين يظنون أن معدل اتساع الفجوة يتناسب مع حجمه، أي أنها تزداد بقانون أسّي، لأن هذا يؤثر على الحالة النفسية في مواجهتنا للتحدي الحضاري التقني.

وإذا كان الذين ينظرون للعلاقات الدولية بمنظار أسود، يعتقدون أن هذه الفجوة تزداد اتساعًا، بفعل فاعل من الدول الصناعية، فإن الذين يؤمنون بالاعتماد على الذات ـ ونحن منهم ـ يشعرون أن الفجوة تزداد اتساعًا لأسباب ذاتية محضة، ربما ساعدتها أسباب دولية، ذلك أن مشكلة التغيير العلمي والتقني، لا يمكن حلها أصلا إلا بجهود ذاتية، تستأنس بخبرة الذين سبقونا في هذا المضمار. وعلى الذين يظنون أن الذي يملك التقنية سوف يمنحها للذين لا يملكونها، لقاء مال أو طاقة تباع، أن يدركوا الحقيقة المجردة، وهي أن التقنية لا تمنح لأمة غير آخذة بأسبابها، ولكنها تستنبت بذورًا، فتنمو في أمة قد أعدت لها أرضًا، وتموت تحت السطح في أمة أهملت رعايتها: وتلك الحقيقة لا تعني تشكيكًا في عطاء الدول الصناعية بقدر إقرارها لواقع معاصر ملموس.

-آن لنا أن نعترف: بأن أرباب التقنية الحديثة لن يسمحوا بتعليم دقائقها لآخرين.

-آن لنا أن نعي جيّدًا: أنه لن يمكننا الحصول على دقائق التقنية المعاصرة، حتى ولو دفعنا من أجلها المال الوفير.

-آن لنا أن نصدق أن طريقنا إلى التقنية الحديثة، لابد أن يمر بمراحل علمية تشبه التطور الزمني في بلاد الغرب.

-آن لنا أن نؤمن، بأن ما يسمى بنقل التقنية من دولة متقدمة إلى دولة متأخرة، هو فرية كبرى، صدقتها شعوب العالم الثالث وظنت معها أن التقنية سلعة تبيعها لها الأمم المتقدمة بقدر من المال.

-آن لنا أن نعتقد أن التقنية لا تنقل، ولكنها تستنبت بالجهد والمجاهدة، وتستوعب بالصبر والمثابرة، وتنمو بالعزيمة والإصرار، وقد آن الأوان لمن يعيش في وهم نقل التقنية أن يستيقظ على الحقيقة.

دعونا نزيد هذا الأمر إيضاحًا فنضرب مثلا بصناعة السيارات، المعروف أننا لا يمكن أن نصنع سيارة، من غير أن نتعلم كيف نصنع ترسًا، من تروس نقل الحركة. صحيح أن الكتب العلمية، تمتلئ بالمعلومات النظرية، والنظريات العلمية عن كيفية صناعة ترس، ولكن لابد أن يجيء المهندس، ليحوّل هذه المعلومات إلى روتين، يقوم الفني بتبسيطه للعامل ليصنعه، وقد ينشأ عن ذلك مشاكل في التصنيع، فيرفعها المهندس لمجموعة التطوير إلى حلول علمية ، لمادة الترس، ومعالجتها الحرارية، وطريقة تصنيعها، ويترجم المهندس ذلك كله في خطوات واضحة للفني، ليتولى الأخير تنفيذها، بعد ذلك مع العمال.

إننا نصنع تروسًا في بعض بلادنا العربية، ولكن الشكوى الدائمة منها هي: أن المعاملة الحرارية لسطوحها رديئة جدا، إذا ما قورنت بالتروس الأوروبية، أي: أن هناك دقائق في الصناعة الأوروبية، لا يمكن أن نحصل عليها، إلا إذا وفقنا إليها، عن طريق العلم والتجربة، فأوروبا لن تمنحنا السر التقني، للتركيبة المعدنية لمادة الترس، التي جعلته متفوقًا، مهما أغدقنا عليها من المال.

إن عمليات التدريب، والتعليم، والتصنيع، عمليات ذاتية، تنمو ببطء أولًا، ثم تصل بعد ذلك معها إلى نمو أسّي، مما يجعل المراقب لهذه العمليات في أولها، يظن أن معدل التغيير الأولي البطيء، لن يغلق هذه الفجوة أبدا، في حين لوجدّت الأمة إلى أن تصل إلى تغيير المعدل، لوجدت نفسها تتقدم بسرعة باهرة، من شأنها أن تغلق هذه الفجوة، في زمن قصير.

ويمكن لنا أن نضرب الأمثال بأمريكا، التي لحقت بأوروبا في فترة قصيرة، عندما أكدت عزمها على التطور بتخطيط متقن، وعمل متصل، وإمكانات هائلة، واليوم تلهث شعوب أوروبا وراء التقنية الأمريكية، وتقترب منها، ولا تكاد تلحقها. ويمكن أن نقول ذلك على التقنية الأمريكية، تجاه بعض التقنيات اليابانية، ولك أن تتعجب، ولك أن تندهش.

وإذا كنا ما زلنا في أول الطريق، ومازال معدل تغير الفجوة العلمية والتقنية بطيئًا، والفجوة تزداد مع الأيام، فعلينا أن ندرك، أن ذلك ليس لتقهقرنا، بل للتقدم السريع الذي يحرزه العالم الصناعي، وذلك كله مفهوم في ظل ما قدمناه، لأننا نؤمن أننا سوف نصل يوما ما إلى نقطة التحول إلى المعدل الأسرع وحينئذ تبدأ الفجوة في الانغلاق.

ولكن علينا أن نتعرف على تجارب الأمم من قبلنا، لنتعلم منها، كيف استطاعت أن تتقدم علميًا، وتقنيًا وتضيّق الفجوة العلمية والتقنية، والتي تفصلنا عن عالم الغد.

تجارب الأمم من قبلنا

إن تجارب الأمم الأخرى في هذا المجال، ميدان رحب، ندرسه ونمحصه، ونأخذ العبرة منه، لنحدد الطرق في هدي تلك الدراسة، ولا نقول: بنقل تجارب غيرنا، لأننا نؤمن أن التقنية ما هي إلا غرسة أو شتلة، تغرس في أرض سبق حرثها، ينمو الزرع فيها برعاية أبنائها، وقد يكون من المناسب أن نستفيد من تلك التجارب، ولكن تبقى مسؤولة الأبناء في تمهيد التربة والغرس والرعاية هي الأساس.

الأمة اليابانية:

وقد تكون أولى تلك التجارب وأهمها، هي تجربة اليابان الرائدة، وهي اليوم في الصف الأول، بين الدول الصناعية، في الوقت الذي نجد فيه الهند والصين، تسعيان لإيقاف اتساع الفجوة، بينما تقف دول العالم الثالث، على حافة فجوة علمية وتقنية، بينها وبين دول العالم الصناعي، لم تستطع بعد من تغيير معدلها.

ماذا فعلت اليابان؟

تحضرني هنا كلمات للأستاذ مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ في كتابه (( حديث في البناء الجديد ) )يقول فيها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت