تطورت القدرات الاقتصادية لبعض أقطارنا، بما أنعم الله عليها من خيرات، وحباها من ثروات طبيعية، تطورًا كبيرًا، وصاحب هذا التطور عدة ظواهر جديدة، جديرة بالدراسة والعناية، نبرز أهمها فيما يلي:
-ظاهرة الثراء السريع الرخيص، أصبحت تهدد إقبال الناس على العلم مما يهدد بعدم نمو أعداد المتعلمين.
-رغبة المجتمع في الرفاهية جعلته يعج بكل أنواع المنتجات الحضارية وهذا يؤثر بدوره على الصناعة الوطنية.
-الإقبال على التعليم التقني في حالة غير مرضية يحتاج إلى نظرة موضوعية؛ لمعرفة أبعاده، وتأثيره المباشر على مستقبل العلم والتقنية.
إن فجائية التغيير الاقتصادي في أقطارنا، وأثره على مرافق حياتنا ظاهرة، تستحق الاهتمام، وتحتاج إلى عناية خاصة في دراستها فنحن لسنا مسبوقين من غيرنا بمثل هذه الظاهرة، ولذلك فليس هناك حلول جاهزة لنا. ونحن وحدنا قادرين بإذن الله على حل مشكلاتنا.
وإذا كانت فجائية التغيير الاقتصادي قد صاحبها بعض السلبيات التي أشرنا اليها آنفا، فإن من أهم إيجابيات تلك الفجائية، أنها مكنت بعض دولنا من الإسراع في توفير الخدمات الأساسية اللازمة لمجتمعاتها التي تريد أن تضاعف معدلات نموها، كما مكنت لها استقدام خيرة الخبراء والعلماء، للعمل في جامعاتها ومعاهدها ومؤسساتها، وكذلك مكنت لها ابتعاث أبنائها، والتوسيع المطرد في مؤسساتها كلها.
إذن فإن فجائية التغيير الاقتصادي ذات حدين، وعلى رجال الاجتماع، والاقتصاد، والفكر، والسياسة، من أبنائنا أن ينظروا فيما أسلفنا، وما له من أثر على خطط التنمية، لإيجاد حلول تحد من هذا الأثر وتتغلب عليه.
اندثار الحرف والصناعات التقليدية
ظلت المهن والصناعات والحرف، حتى وقت قريب، موجودة بصورة ملموسة في مجتمعنا الإسلامي، كمصدر أساسي للرزق وتلبية لحاجات اجتماعية ترتبط باقتصادنا، وتعكس انغلاقنا الاجتماعي عن العالم الخارجي.
وساعد على استقرار المهن والصناعات والحرف وترسيخها، غياب النمط التنظيمي للتعليم في بلداننا، فاتجه أفراد المجتمع، إلى تعلم المهن والصناعات والحرف، في الورش والدكاكين المنتشرة حينئذ، ولم يكن لتعلم الحرف، وإجادة المهن، والتمكن من الصناعات بهذه الطريقة (التلمذة الصناعية ) مناهج تعليمية مدروسة، ولم تكن تطبق في تعليمها أية أساليب تدريبية تكنولوجية، وإنما اعتمد التعليم على المشاهدة، ودقة الملاحظة، التي يتمتع بها الطالب، وبذلك توقفت فترة التدريب على إمكانيات الطالب الذاتية، وقدرته على التقليد والمحاكاة. وتوارث الابن عن أبيه الصناعة، والحرفة، وتسمت عائلات باسم المهن والحرف، التي كانت تمارسها، فعائلة الصائغ، والنجار، والصياد، والساعاتي، والحداد، والزارع، والقماش، والقزاز، وغيرها أمثلة تبين التزام الأسرة الواحدة بمهنة، أو صنعة، أو حرفة تتوارثها أبا عن جد، وابنًا عن أب، وتصبح لقبًا تسمى به العائلة.
ظلت الحالة التقنية في المجتمع على هذا المنوال، حتى انتظم التعليم وساد، وانتشرت المدارس، وتعددت الجامعات، فتكدست بالطلاب، وخلت المهن، والحرف والصناعات التقليدية من روادها وأربابها، واندثر بعضها، وبقي بعضها منزويًا في أركان المجتمع لا يقبل عليه من الطلاب إلا من فشل في التعليم المنتظم، أو الذي ساقته ظروفه إليه قسرًا .
ثم تطورت أحوالنا المعيشية، وارتقت قدراتنا الاقتصادية، وتدفق على المجتمع أصناف وأصناف من المصنوعات المستوردة، تباع بأثمان رخيصة، فاستبدل الناس المستورد بما قد يصنع محليا؛ لرخص الثمن، وربما أيضا لجودة الصنف.
انتهى بذلك ـ أو كاد ـ تاريخ تقني تراثي، لا نستطيع أن نعيد أمجاده، ونكرر إشراقته، إلا إذا سلكنا مسالك عديدة نذكر من أهمها:
-تقنية التعليم الثانوي العام، بإدخال عدد من الحرف والصناعات عليه.
-تصميم نماذج تعليمية فنية مختلفة، بعد مراحل التعليم الإعدادية والثانوية، ومنحها كل فرص النجاح الممكنة، لاستقطاب العدد الكافي والنوعية الجيدة من الطلاب.
-دراسة وتحليل الحرف المعروفة، والصناعات التقليدية، لتوصيفها توصيفا دقيقا واضحا، ونشرها في كتيبات بأسعار زهيدة، مساهمة في نشر الوعي التقني.
النظرة الاجتماعية للعمل المهني
إن الرحلة الشاقة الطويلة، التي يجب أن تبدأها الأمة، على طريق استنبات التقنية تعني أول ما تعني: تمهيد وإعداد التربة الصالحة للغرس، والاستنبات، قبل وضع البذور، وسقيها، ورعايتها، لتنمو وتثمر.
وتهيئة التربة للغرس، تعني تهيئة المجتمع، لتقبل التقنية عند استنباتها، حتى لا تكون كالعضو الغريب، الذي يزرع في الجسم، فيقاومه ويلفظه، بل لتصبح جزءًا من تكوينه، يتعامل معها، ويستوعبها، ويطورها، بدلا من أن يكون مستهلكًا لها، وزبونًا لمنتوجاتها.
وإن أولى تلك الخطوات، تغيير نظرة المجتمع إلى العمل، وقيمته الحضارية؛ لأن مجتمعاتنا؛ مازالت تنظر إلى العمل اليدوي التقني، والممارسة المهنية، نظرة وصلت عند بعض أفراده إلى درجة الاحتقار؛ مما دفع بجزء كبير من الطلاب، إلى الاتجاه إلى التعليم النظري؛ لينتقلوا بعد حصوله على الدرجة العلمية في تخصصاته، إلى المقاعد الوثيرة، خلف المكاتب الفارهة، في ظل أبهة وهمية للوظيفة، دون فعالية تذكر، أو جهد ملموس.
لماذا نجد رئيس جامعة في أمريكا مثلا، يقوم بإصلاح سيارته في ورشته، ودهان سور منزله بيده، وتنسيق حديقته بذاته، في حين يأنف موظف في مجتمع العرب والمسلمين، من القيام بأبسط من ذلك من الأعمال اليدوية؟! سؤال ساذج؛ لأن الإجابة عليه واضحة، في الفروق والفجوات الحضارية بين المجتمع الأمريكي، والمجتمع العربي.
مجتمعاتنا ـ عموما ـ ليست بدعا في عدم تقدير قيمة العمل اليدوي؛ لأن تلك ظاهرة تشترك فيها مع غيرها، من مجتمعات العالم النامي، خصوصا تلك التي أنعم الله عليها برزق رغد، ومصادر وفيرة، لكنها ستكون بدعا، إن لم تستدرك تفشي ظاهرة الركون إلى الدعة، وحب الترف، وكراهية العمل، حتى تنضب مواردها، وتتحدد مصادر الرزق فيها، فنجدها وقد أضحت عالة على غيرها، وعيّا على نفسها.
إن تغيير النظرة الاجتماعية السلبية إلى الحرف والمهن، يتيح إعادة هيكلة القوى العاملة من أبناء الأمة؛ ليأخذ العمل التقني مكانه الاجتماعي الصحيح. وتغير تلك النظرة سوف يزيل الهدر في التعليم، ويقلل من فاقده، الذي نشاهد دلائله في الإقبال المتزايد على التعليم الجامعي والنظري منه على وجه الخصوص، وحتى يتجه الطلاب إلى قنوات ومسارات أكثر فاعلية وجدوى للمجتمع، كالتعليم التقنين ومعاهد الرف، والمهن التطبيقية.
وتغيير نظرتنا الاجتماعية للعمل، سوف توضح جديتنا، لتعويض فترات التخلف التقني المقفز، التي قاسينا منها وما نزال.
تدفق المنتوجات الزوالية وظاهرة الاستبدال
رأينا مما سبق، أنه خلال مسيرة التاريخ، كانت هناك حِرف مستقرة بمقاييس جيل أو أجيال كاملة، ولكن في العصر الحالي، أو قل: في العقدين الأخيرين من القرن الحالي بدأت حرف كثيرة تفقد أرضيها، وحل الاستبدال (( للشيء ) )الخرب، أيا كان من منتوجات الحضارة المعاصرة، محل إصلاحه، وإعادة تشغيله، وصيانته؛ وتم ذلك، لأن التسارع الكبير في استيراد أحدث ما أنتجته المصانع المتطورة، لم يترك مجالا لتطوير الحرف، والمهن التي كانت تقوم بدور الإصلاح والصيانة، فارتفعت تكلفة الإصلاح والصيانة. لماذا لا يستبدل الفرد ثلاجته بأخرى جديدة، إذا كانت تكلفة الاستبدال، لا تفوق كثيرا تكلفة الإصلاح ؟!