وهذا جريرُ بن عبد الله البجلي t يقول: (( أَتَيْتُ النَّبِيَّ r وَهُوَ يُبَايِعُ، فَقُلتُ: يَا رَسُول اللهِ ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ وَاشْتَرِطْ عَليَّ فَأَنْتَ أَعْلمُ، قَال: أُبَايِعُكَ عَلى أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتُنَاصِحَ المُسْلِمِينَ، وَتُفَارِقَ المُشْرِكِينَ ) ) (أخرجه أحمد 4/365، والنسائي 7/148، والبيهقي 9/13، وصححه الألباني في الصحيحة(936) .
أيها المسلمون: ومن خلال ما سبق يتبين أن عقيدة الولاء والبراء منهجُ الأنبياء عليهم السلام، ومما بايع عليه الصحابةُ رضوان الله عليهم، وتكلم علماءُ الأمة فيها سلفًا وخلفًا، وما ينكر ذلك إلا جاهل أو مكابرٌ أو صاحبُ هوى، وكم تفاجأتُ - وربما تفاجئ غيري- من مقال نُشر في جريرة عكاظ يوم السبت الماضي 21/10/1422هـ لأحد الكتاب - هداه الله وبصَّره بالحنيفية السمحة- وليست هذه بأولى سوآته، والمقال بعنوان: (التطرف) وقد تكلم فيه عن (الولاء والبراء) بكلام تستغرب أن يُنشر أولًا، وتستغرب ثانيًا أن يصدر من مسلم يقرأ القرآن الكريم أو يعرفُ سنة محمد r وأقتطف لكم شيئًا مما قاله:
قال في بداية المقال: لو تأملنا قليلًا في فكر الجماعات المتطرفة الإرهابية ثم ذكر نموذجًا لها وقال: هذه الجماعاتُ تؤمن وتعمل وفق ما يُسمى بعقيدة أو فكرة الولاء والبرء..."."
ثم قال بعد:"ونظريةُ الولاءِ والبراء مبدأ أعلنه الخوارجُ قديمًا وجعلوه مُحفِّزاّ لأتباعهم للقتالِ والعُنفِ ضد المجتمع، ثم اندثر هذا المبدأُ ولم يعدْ له ذكرٌ إلى أن أحياه وعاد له المتطرفون الجُدد...".
وفي نهاية المقال قال: وهكذا دخلت (نظريةُ) الولاء والبراء من عدة بوابات في الإعلامِ وفي التعليم وفي الكتب...الخ وأصبحت تُعرف بأنها إحدى ركائز دراسةِ العقيدة، وواضحٌ أنها أضيفت بتعسفٍ إلى ركائز العقيدة السليمة"."
إن هذا الكلام من السقوط والضحالة والجهل بحيثُ لا يحتاج معه إلى وقفة ولا تعليق وفيما مضى من الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم ما يكشفُ بطلانه، ولكنك تستغربُ كيف تصلُ الضحالة الفكرية ببعض الكتاب إلى هذا الحد... وتستغرب كيف يُسمح بنشر هذا التهجم الصريح أو الملفوف على نصوص الكتاب والسنة وسيرة محمد r وهديه وهدي أصحابه وتراث الأمة كلِّها في بلاد أكرمها الله بالحرمين، ومنها انطلقت وشعَّ نورُ الإسلام معلنًا الولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين .
تُرى أيجهل الكاتبُ أن من بلده الذي كتب فيه شعَّ نورُ الإسلام وأعلن محمد r بأمر ربه ولاءه للمؤمنين وبراءته للمشركين حتى وإن كانوا أولي عهد، في قرآن تُلى ويُتلى إلى يوم القيامة: (( بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى الذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ) ) (سورة التوبة:1) .
وفي الآية الأخرى: (( وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) ) (سورة التوبة:3) .
وفي صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من مدونات السنة وكتب أهل العلم ما يكشف ويفسر ويوضح ويرشدُ إلى مزيد من آيات وأحاديث البراءة من المشركين، فهل هذه وتلك نَبتت وأعُلنت من قبل الخوارج ؟ وهل هذا فكرُ المتطرفين أم وحيُ رب العالمين؟! إنه الجهل والرميُ والبهتان، وويل للفضيلة من الرذيلة، وللحق من الباطل، إذا تكلم المرءُ بما لا يُحسن، وتطاول المتطاولون ولنا أملٌ في أن يوقف الكاتبُ عند حدِّه وتُساؤل الصحيفة كيف سمحت بمثل هذه الكتابات المفترية على الله الكذب والله يقول: (( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلى اللّهِ الكَذِبَ إِنَّ الذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) (سورة النحل:116، 117) .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه .
الخطبة الثانية
الحمد لله رَبّ العالمين جعل فرقانًا كبيرًا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له حكم - وهو أعلمُ وأحكم- بأن حزب الله هم المفلحون، وحزب الشيطان هم الخاسرون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسولهُ صلى الله عليه وعلى آله وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا .
إخوة الإيمان: ومن التنظير -في مسألة الولاء والبراء- إلى التطبيق العملي لنرى ونتبين أنواعًا من الممارسات والسلوكيات المخالفة لعقيدة الولاء والبراء، إذْ من الناس من يؤمن بهذه العقيدة نظريًا لكنه قد يضعفُ في تطبيقاتها عمليًا، والله تعالى ينهى بشكل عام عن التناقض بين القول والعمل ويقول: (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) ) (سورة الصف:3) .
واكتفي بالوقوف عند مظهرين من مظاهر الولاء للكافرين:
أولًا: من هذه الموالاة العملية للكفار، الإقامة ببلدهم رغبةً واختيارًا لصحبتهم، والرضا بما هم عليه من كفر أو يمدحه، أو يُرضيهم بعيب المسلمين فأولئك ليس من الله في شيء كما قال تعالى: (( لاَّ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ فَليْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْء ) ) (سورة آل عمران:128) .
وإذا كان الإمامُ مالك - رحمه الله - كره للمسلم أن يسكن ببلدٍ يُسبُّ فيه السلفُ فكيف ببلدٍ يُكفر فيه بالرحمن، وتُعبد فيه من دونه الأوثان، ولا تستقرُ نفسُ أحدٍ على هذا إلا وهو مسلمٌ مريضٌ الإيمان (ابن رشد، مقدمات ابن رشد 2/612، 613) .
ثانيًا: ومن مظاهر الولاء للكفار وهو الأكثر وقوعًا طاعتهم في التشريع والتحليل والتحريم، فذلك كفرٌ وخروجٌ عن الملِّة يقول تعالى: (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ) ) (سورة آل عمران:100) .
وهو - فوق الكفر- مُوردٌ للخسران في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ ) ) (سورة آل عمران:149) .
يقول الشيخُ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - وهو من أعلام الدعوة السلفية- عند هذه الآية:"أخبر تعالى أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلابد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرين، ولم يرخِص في موافقتهم وطاعتهم خوفًا منهم. (الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك ص33، العبد اللطيف، نواقض الإيمان 365) ."
أيها المسلمون:
ونحن في هذه الأيام - ومع الأزمة الأخيرة - نشهد نوعًا من هذا التدخل الغربي النصراني في أحوال المسلمين وتشريعاتهم وذلك بفرض السياسات والتدخل في المناهج وصياغة العقول المسلمة كما يريدون إنها حملةٌ شرسةٌ على الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي، والثقافة الإسلامية، لم يستطع الغربُ إخفاء معالمها وخطواتها، في ظل دعايته وإعلانه الحرب على الإرهاب، لقد انكشف الغطاءُ، وزال اللبسُ عند عددٍ من المنُخدعين بسياسةِ الغرب والضانين بنْزاهته ؟