فهرس الكتاب

الصفحة 793 من 1942

وإذا جئنا في العصور الحديثة وجدنا أن بروز الشيوعية أثرى الحياة بنظرات وكتابات جديدة جدًا وأثَّرت هذه اللغة - على الأقل في بعدها الاشتراكي الاجتماعي - حتى على الخطاب الإسلامي في فترة من فترات تطوره بشكل أو بآخر. وكذلك الرأسمالية أثَّرت على الخطاب الإسلامي في فترة من فترات تطوره بشكل أو بآخر. ثم جاءت اكتشافات العصر لتضيف أبعادًا، وتتطور العلوم الإنسانية لتضيف أبعادًا أخرى.

وهكذا تستمر عملية المدخلات على المستوى الثاني من علوم العصر وتطوره، وتؤثر - إن صح التعبير - كمصفاة ثانية Filter للنظر إلى الواقع واستشراف المستقبل من خلال النصوص السابقة.

وبذلك يكون لدينا مستوىً ثانٍ يجب تصوره في هذا البناء الكلي، وهو مؤثر وهام في كل عصر من العصور.

المستوى الثالث: أعمال المفكرين في كل عصر:

الآن يأتي دور قادة النهضات ليستوقفوا التراث ويستفيدوا من علوم العصر ومدخلاته ويكوِنوا ما يسمى بالأيديولوجيا. وهي عبارة عن الأفكار المنظمة المترابطة التي يجتمع حولها الناس، تفسر لهم الواقع، ترسم لهم خط العمل في المستقبل - طريق التغيير السياسي بالذات - وتبشرهم بغد أفضل25.

هذا التعريف للأيديولوجيا ينقلنا لمستوى ثالث، وهو أعمال المفكرين في هذا العصر التي تستلهم من النصوص المرجعية والتراث الثقافي (المستوى الأول) ، وتستلهم من علوم العصر وقناعاته (المستوى الثاني) لتخرج بمنظومة فكرية (الأيديولوجيا) تجمع الناس حولها، وتفسر لهم الواقع، وتبشرهم بالمستقبل، وترشدهم إلى طريق التغيير. ومن هذا المستوى تُستقى كثير من التصورات حول ما الذي يجب عمله لاستنهاض الأمة. وتمثل هذه الأيديولوجيا المصفاة الثالثة Filter في عملية اتخاذ القرارات.

النصوص المرجعية والتراث الثقافي

علوم العصر وقناعاته

أعمال المفكرين في كل عصر

الأيديولوجيا

مصفاة

يستلهم منها القادة

وإذا استعرضنا مسار المشروع الإسلامي ابتداءً من محمد بن عبد الوهاب، إلى السنوسية، وإلى خير الدين بربروسا، وإلى جمال الدين الأفغاني، وإلى محمد عبده ومدرسته، والكواكبي ثم محمد رشيد رضا، ثم حسن البنا في فترة لاحقة، ثم بعد ذلك حزب التحرير للنبهاني. سنجد أمامنا عشرات التصورات حول طرائق العمل والأيديولوجيا المناسبة للانطلاق للمستقبل. كل هذا يضعنا أمام منظومة للمستوى الثالث.

المستوى الرابع: تصور الحل وبداية التخطيط الاستراتيجي:

نأتي إلى أن كل حركة نهضة إنما تعمل في مكان وزمان محدد، هذا المكان وهذا الزمان له ظروفه ومعطياته ومدخلاته. فالواقع في إفريقيا غير الواقع في آسيا غير الواقع في أوروبا غير الواقع في أستراليا. ثم إذا نظرنا إلى المناطق الأصغر للدويلات التي تنتشر في هذه القارات سنجد أن كل دولة لها ظروفها ومعطياتها. وحركة النهضة عندما تنطلق، تنطلق من منطقة ما - على الأقل من ناحية المفكر والمؤسس - فيتشكل بذلك مستوى رابع يضع تصورات الحل الخاص بهذه المنطقة. ويبدأ التخطيط لواقع محدد وظرف محدد. هذا المستوى من التخطيط والذي يطلق عليه التخطيط الاستراتيجي يضع تصورات وأفكار وحلول في مدى زمني منظور يمتد إلى عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة، لكنه تخطيط ينظر لظرف وزمان ومكان محدد. هذا المستوى الرابع - التخطيط الاستراتيجي - لا يزال محصورًا في عالم التصورات والأفكار قبل الدخول في عالم التنفيذ.

المستوى الخامس: الخطط القصيرة المدى:

ثم يأتي تخطيط على مستوى أدنى من ذلك. وهو المستوى الخامس والذي يتكلم عن خطط قصيرة المدى: ماذا نفعل على مدى سنة من الزمن؟

وهنا لابد أن تكون المستهدفات محددة، وأن يكون التحرك أكثر دقة، وتأتي التفصيلات على هذا المستوى المحدد من الأفكار.

المستوى السادس: الخبرات العملية:

نستطيع أن نقول أنه ينتج عن ذلك مستوى سادس وهو الخبرات العملية المتولدة عن الاحتكاك بالواقع. هذا الاحتكاك بالواقع يولد مراجعات لمستوى النصوص و العلوم و الفكر و التخطيط الاستراتيجي و الخطط القصيرة الأمد، وتعود الدورة مرة أخرى لتستمر كدورة حية كاملة لتغيير الواقع والتعامل معه.

وبذلك يكون أمامنا ستة مستويات تتولد عنها القرارات المحركة للنهضة.

1)النصوص المرجعية والتراث الثقافي

2)علوم العصر وقناعاته

3)أعمال مفكري العصر

4)تصور الحل وبداية التخطيط البعيد المدى

(التخطيط الاستراتيجي)

5)خطط قصيرة المدى

6)خبرات من الاحتكاك تدعو للمراجعة

دورة حياة اتخاذ وتشكل القرارات المتعلقة بالحراك النهضوي

النموذج الأول

النموذج الثاني:

احتياجات قادة المشروع الإسلامي:

إذا فهمنا النموذج السابق فهمًا جيدًا، وحاولنا أن ننتقل لفلسفة النهضة أو لمشروع النهضة في عصرنا الحديث، وتساءلنا:

* ما الذي يجب على صناع القرار في مشروع النهضة أن يفعلوه؟

* وما الذي يجب أن يزود به ويعد له هؤلاء الصفوة المختارة من معارف وعلوم تضمن لعملية الانتشار والتوسع والقبول بين جماهير الناس أن تحقق أهدافها من خلال نوعية القيادة التي ننتجها؟

* ما الذي تحتاجه هذه القيادة لإنجاز المشروع الإسلامي؟

وللإجابة على هذه التساؤلات ننتقل إلى النموذج الثاني والذي يتكون من خمسة مستويات:

المستوى الأول: تصور واضح على مستوى الفلسفة والبواعث:

إن أول قضية رئيسة يحتاج إليها العامل في مشروع النهضة - والذي يعرِّفه برغوث عبد العزيز في كتابه"المنهج النبوي والتغيير الحضاري"بأنه (المبلِّغ الذي يحمل هم الدعوة الحضارية التي تنبثق في أصولها ومنهجها عن مصادر التوحيد الإسلامي) - أن يكون لديه تصور على مستوى الفلسفة والبواعث. ويدخل في جملة ذلك تصورٌ متكاملٌ للإسلام ، غير ممزقٍ ولا مجزأ. تصور واحد يجمع الإسلام في رؤية أو في إدراك واضح لأبعاده المختلفة. ولعل محاولة سعيد حوى في كتاب"الإسلام"تقدم نموذجًا لوضع صورة متكاملة للإسلام - وإن لم تكن الأمثل - إلا أن حسب المرء أن يقدم ما يستطيع في لحظته

التاريخية وزمنه. ويمكن إضافة الكثير على ما كتبه الأستاذ سعيد حوى عليه رحمة الله. إلا أن هذه المحاولة

تعتبر محاولة متميزة وإن كنا نقول أنه ينقصها الكثير والكثير من العمل.

ويدخل في هذه الفلسفة تصور واضح عن موضوع البحث، وهو النهضات. ودراسة الخبرات الإنسانية المتعلقة بالنهضات، واستكشاف القوانين الفاعلة واستخلاصها بحيث تكون هي المنارات الكبرى والأساسية التي يدور حولها بعد ذلك التخطيط والتنفيذ.

ويدخل في ذلك أيضًا وبدون شك كل ما يمكن أن يوسع مساحة الإدراك العقلي. كمدخل واضح لعلم السياسية والاقتصاد والجيوبوليتك وعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ والتفاوض السياسي والتخطيط الاستراتيجي. كل هذه العلوم تجعل القاعدة العقلية للفاعل النهضوي أكثر قدرة على التعامل مع قضايا الواقع. وكلما انتقص شيء من هذه العلوم كلما كانت الأحكام على الأشياء لاحقًا أضعف، وأحيانًا تعرض المشروع النهضوي للخطر الشديد. فالحكم على الشيء - كما أسلفنا - فرع عن تصوره.

إذًا يجب على من يعمل في مجال النهضة أن يكون لديه تصور جيد لمستوى النصوص ومستوى علوم العصر ومستوى قوانين النهضة، وبالتالي يستطيع أن يُكون بدايات جيدة، وقاعدة صلبة قوية يضع عليها وتنطلق منها بقية المستويات.

مستوى الفلسفة والبواعث

تصور للإسلام متكامل

تصور عن النهضات

تصور لعلوم العصر

القوانين الفاعلة واستخلاصها

الخبرات الإنسانية المتعلقة بالنهضة

المستوى الثاني: تصور واضح على مستوى الأهداف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت