رابعًا: توسيع دائرة الشورى والمناصحة، ويعتقد الكثيرون أن دائرة التنظيمات والأحزاب المنغلقة كافية لتطوير المشروع الإسلامي، وبما أن المشروع الإسلامي كبير الحجم، ضخم التكاليف، فإنه لا يمكن إلا أن تقوم به الأمة مجتمعة بجهودها وجماعاتها ومنظماتها وحكوماتها وأحزابها وأفرادها، وبالتالي يجب أن تتسع دائرة الشورى والمناصحة لتشمل جميع المعنيين بأمر النهضة في المجتمعات الإسلامية دون إقصاء ودون حجر ودون تضييق، بسبب المذاهب والطوائف والجماعات والأحزاب والتصورات. فالإسلام أكبر من كل ذلك وهمه أشمل وأهم وأعظم.
خلاصة:
خلاصة الأمر في قول الله تبارك وتعالى في سورة العصر"والعصر * إن الإنسان لفي خسر*إلا الذي آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر*"فالمشروع الإسلامي يحتاج كأي فكرة إلى الإيمان به، إيمانًا جازمًا قاطعًا لا يحتمل شكًا ولا تأويلًا أنه الحق من الله سبحانه وتعالى، وأن العمل له واجب. وهذا الإيمان لا يتأتى إلا بإدراك الفكرة وعظمتها وسموها وشمولها. فمعرفة الفكرة والإيمان بها هو الشرط الأول لها.
المسألة الثانية تحرى أفضل الأعمال التي تقود إلى نجاح الفكرة، فإن الأعمال تتفاضل وتختلف درجاتها، فإذا ضيع الضروري واستعيض عنه بالحاجي أو عوض عن الحاجي بالتحسيني13 فإن في ذلك خللًا كبيرًا. فصلاح الأعمال شرط لنجاح الأفكار وبالتالي يستقيم عند الإنسان النظر والعمل.
أما المسألة الثالثة التواصي بالحق. فالتواصي بالحق لا يكون إلا في مجموع من الناس حيث يتبادلون الآراء ووجهات النظر. وذلك معنى الشورى الشاملة التي يحتاج فيها المرء إلى من يعينه، ولا تقتصر على حزب أو طائفة من الطوائف، ولا على جماعة من الجماعات، كما ذكرنا سابقاُ.
أما قولنا تواصوا بالصبر فإن هذا المشروع النهضوي الضخم يحتاج كأي فكرة إلى صبر وأي صبر، وإلى تحمل وأي تحمل، فإن نجاح الأفكار العظيمة لا يتأتى بمجرد الآمال، إنما بالعمل الشاق المرير الذي تكرهه النفوس.
ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
أطوار حركة النهضة
صحوة
يقظة
نهضة
حضارة
حماس
رشد
حماس
رشد
إن حركة النهضة تمر بسلسلة من العمليات. تبدأ من طور الصحوة واليقظة، وتتجلى في شكل النهضة التي تولد بعدها أشكال العمران أو الحالة الحضارية في تجلياتها المادية.
الصحوة:
* وهي أولى مراحل انقشاع سحب التبلد الذهني. وسنستخدم هذا المصطلح هنا لوصف المرحلة الأولى في البعث الحضاري.
* من أعراضها الإيجابية: الإحساس بالذات والهوية.
* من أعراضها السلبية: عدم تمتع أشكالها التنفيذية الانطلاقية بالرشد الكامل، فهي في جزء منها قد تبدو فوضوية غير منضبطة.
فالصحوة هي إرهاصات لحالة جديدة تعتري مجتمعًا ما، واضحة أحيانًا ومشوشة أحيانًا أخرى. ولكنها صرخات الجنين الأولى وحركة من صحا من نومه فجأة، ولكنه لم يستيقظ بعد ويتنبه لمحيطه الخارجي بشكل سليم، فربما اصطدم بمقعد أو دولاب دون أن يقصد أو يريد. ولكن هذه الأخطار تزيده صحوًا وتنقله للاستيقاظ الكامل. وقد جاءت مرحلة الصحوة للأمة بعد مرحلة سبات عميق وركود مميت مكَّن أقدام المستكبرين من أن تدوس أرضها، وأن تخترق سهام الأفكار الغازية فضاءها العقلي .. فانطلقت عمليات البعث الفكري الأولى بدءًا خجولًا في شكل دفاعي؛ لتطور نفسها بعد ذلك في شكل هجومي، ولكنها ظلت حركة عقلية للنخب والمثقفين، وليست زادًا للأمة بعمومها. فقيض الله من رجالات الأمة من نزلوا بهذه الأفكار لجماهير الأمة فبينوا عظمتها وسموها على غيرها، وكشفوا للأمة نقاط ضعف غيرها من الأفكار. ونجحت جهودهم في حشد الجماهير حول الإسلام, فتراجعت أمامهم جميع الأفكار وانزوت وانحصرت، ولولا سطوة السلطان ما بقى منها شيء.
والصحوة في جوهرها تيار عاطفي ضخم. تيار مؤمن بالإسلام ومبادئه, ولكنه قليل الخبرة، ضحل المعرفة بتفصيلات واقعه. تيار يفتقد الخبرة والصبر ليكتشف مناهج التغيير وطرائقه. تيار يتعجل قطف الثمار ولا يحسن فن ترقب الفرص. وفي خضم هذه العجلة دفعت الأمة وطلائعها الشابة الدم والدمع والعرض في مقابل القليل من النتائج. تضحيات كبيرة وثمرات قليلة. إنها مرحلة تعلمت الأمة فيها عقم واقعها وعظمة فكرتها، ولكنها لا تمتلك المناهج وخطط التعامل مع مشكلة الزمان والمكان، ولا تمتلك ما تحتاجه من تعدد الوسائل وطرق العمل وما يلزم لذلك من سعة الفكر والقدرة على الابتكار. وهي مرحلة على ما بها من حركة عشوائية أو شبه عشوائية وما بها من عثرات طبيعية في مسارات الأمم والشعوب - مرت بها فرنسا ومرت بها اليابان ومرت بها بريطانيا وغيرهم كثير - إلا أنها ظاهرة إيجابية تدل على أن الأمة قد أفاقت. إنها مرحلة تطول أو تقصر ولكنها موجودة لا محالة. إنها بشارة - رغم ما بها من آلام ومخاض - تقول أن الأمة قررت أن تهجر السكون.
أما اليقظة:
* فهي حالة تالية تنقشع فيها بقايا الخِمار العقلي، ويعرف فيها المرء مكانه ووضعه بالنسبة لما يحيط به من أشياء وبشر، فتتضح الرؤية، ويكيف حركته ليسير بين عالم الموجودات المادية حوله وينظم علاقته بعالم البشر المحيط به.
* أعراضها الإيجابية: الرشد والوعي والعمل المخطط المدروس، في ظل رؤية تجمع الجهود العملية التي كانت تبدو متباينة أو متضاربة في مرحلة الصحوة.
وميلاد مرحلة اليقظة من مرحلة الصحوة أمر طبيعي فلو كانت مرحلة الصحوة بطبعها طور (أولي الأيدي) أو التنفيذيين فمرحلة اليقظة تضيف إلى التنفيذ دور (ذوي الأبصار) ، لتتكامل معادلة (أولي الأيدي والأبصار) التي أشار إليها القرآن14, إن العقول هنا تبدأ في التفكير في كل مسلمات المرحلة السابقة وطرق عملها. إنها مرحلة يطبعها الانتقال من طور المبادئ والعواطف والشعارات إلى إعمال العقل وإطلاق طاقاته الخلاقة. إنها مرحلة تتكثف فيها الجهود لفك الأغلال عن العقل. إنها مرحلة تبدع المناهج والتصورات اختراعات وأساليب جديدة، وتنقل الأمة من مرحلة الانتظار إلى مرحلة المشاركة الفعلية حتى تتجلى ثمرتها بعدها في مرحلة النهضة.
وأما النهضة: فهي حالة تالية عندما ينظم عالم الأفكار15 ويستيقظ عالم المشاعر16 ويندفع الإنسان فيها متحررًا من قيود الخوف ليمارس دوره في جميع المجالات.
* أعراضها الإيجابية: استشعار الإنسان لذة العمل والاكتشاف والقوة، فهي حالة تتخلل كل أشكال الحياة، وحالة تعطي للوقت قيمته في حياة الأمة، وتعطي للتفوق والإبداع تقديرهما. إنها مرحلة تدفق الشلال - الذي كان يسمى بالصحوة - ليصوغ كل مجالات الحياة - العلمية والتطبيقية - صياغة جديدة.
في مرحلة النهضة يعم نور البحث والنظر وتولد الإبداعات التي تؤسس لنشوء عالم الأشياء الذي يزود الحق بالقوة فيسيران معًا.
وأخيرًا تأتي الحضارة:
وهي حالة من بناء النموذج المنشود في عالم الواقع متمثلًا في نموذج فكري متقدم، وعالم علاقات وسلوك17 متقدم، وعالم من الإنتاج المادي الصناعي والمعماري والفني متقدم18.
مشروع اليقظة
مما سبق يتبين أن مرحلة الصحوة قد استوفت أهدافها، وآتت أكلها في شكل تيار جارف من الطاقات التي تبغي نهضة أمتها. والحاجة الآن ملحة إلى الانتقال إلى مرحلة اليقظة، لاستثمار هذه الطاقات المباركة وفق رؤية استراتيجية لتندفع الجهود كلها في مسار النهضة.