فهرس الكتاب

الصفحة 789 من 1942

حين نخلط بين هذه المستويات في الحديث ولا يتبين القارئ عن أي مستوى نتحدث، فإننا نقع في خطأ فادح. فحين نتكلم عن الأيديولوجيا والتصورات العامة ينطلق إنسان ليتساءل عن الخطة التنفيذية، أو يسأل عن الاستراتيجية‍!! عندها يصبح الاتصال بين الأطراف مرتبكا،ً فيجب تحديد مستوى الحديث حتى يمكن أن نتبين أن المستوى ينتهي عند نقطة معينة، ويبدأ المستوى التالي عند النقطة التي تليه.

ترتيب المفاهيم الأربعة:

الخطة التنفيذية

ما وراء الأيديولوجيا

الأيديولوجيا

البارادايم

الاستراتيجية

إذا أجرينا فك الاشتباك بين هذه الأدوار المختلفة، سنصورها كالتالي: بداية ما وراء الأيديولوجيا، وتقف عليها الأيديولوجيا، ثم يقف عليها البارادايم -إن صح التعبير- ثم تأتي قضية الاستراتيجية لتجعل الموضوع دقيقا متعلقًا بمكان وزمان وظرف محدد، ثم تأتي الخطط التنفيذية لنقل الموضوع إلى واقع الحياة العملية.

مقولة:"حسبنا كتاب الله وسنة رسوله e"

بقي أن نشير إلى معضلٍ كبير يواجه كثيرًا من العاملين في الساحة الإسلامية عند الحديث عن موضوع النهضة، وهو قول القائل"حسبنا كتاب الله وسنة رسوله e"وهو قول صحيح، ومهم أن نتبين معناه قبل أن نسارع إلى الاختلاف حوله.

فعندما نتحدث عن فلسفة التاريخ، وعن النهضة وعن التنمية وعن العمل السياسي، فنحن نلجأ في كثير من الأحيان إلى أصحاب الفن والعلماء في هذه المجالات المتخصصة للاستشهاد بهم والحديث عنهم. وقول القائل هنا يعني أننا قادرون على الاستغناء عن كل ذلك بالرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة، وفي ذلك خلط كبير وظلم كبير للدين وللإسلام. ولبيان ذلك نقول قاعدة عامة هي أن العلم علمان: علم في الكتاب، وعلم أشار إليه الكتاب. فإن كتاب الله عز وجل فصل في العبادات وفيما هو من شأن الدين المحض، ولكنه عندما تعامل مع الخبرة الإنسانية قال"فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون"1. ولكل مجال من المجالات أهل الذكر فيه والخبراء فيه. وبالتالي هو مما أشار إليه القرآن ويدخل في ذلك العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية وكل ما يترتب على الخبرة الإنسانية إنما هو داخل في الكتاب الكريم وفي سنة رسوله r وفي العلم الذي أشار إليه الكتاب.

فإذا أدرك القارئ الفاضل هذه العبارة البسيطة أن العلم علمان علم بالكتاب وعلم أشار إليه الكتاب، زال اللبس والغموض حول هذا المعنى العام، أما إن أراد القائل أن أي اجتهاد بشري يخالف كتاب الله وسنة رسوله r فهو مرفوض، فهذا صحيح فعلمنا بكتاب الله وسنة رسوله يضع لنا موازين

عامة للقبول والرفض. أما إن كان يقصد أننا بقراءة الكتاب والسنة نستغني عن العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية فهو خطأ فادح وأمر بيِّن خطأه لا شك.

مواصفات القادة:

هناك تساؤل يقول: لماذا يجب أن يدرس القادة مشروع النهضة؟

كثيرٌ من الناس يملك زمام الأمور في المجتمعات الإسلامية وليس له تصور واضح عن مشروع النهضة، ما أدى إلى خلل كبير. وانظر إلى النموذج الذي طرحه جيمس كلاوسنتس 10 والذي يصف فيه القائد بأنه يتمتع بثلاثة أمور:

أولها: الرؤية Visionوهي تصور عما ينبغي أن يكون، مبني على كل ما ذكرناه في موضوعات ما وراء الأيديولوجيا والأيديولوجيا والبارادايم وكل هذه المعاني الكبيرة التي تقود إلى تصور ورؤية واضحة للمستقبل، وما يمكن أن يتحقق فيه في ظل معرفة الإمكانيات والممكنات.

ثانيها: الالتزام Commitment فالرؤية التي لا تعمل في فراغ، تحتاج إلى هذا الالتزام بها وبتحقيقها في أرض الواقع. فالالتزام والانضباط وتسخير الأوقات والجهود لتحقيق الرؤية، هي العنصر الثاني القيادي الهام.

ثالثها: المهارات القيادية أو المهارات الإدارية أو ما يطلق عليه Managerial Skills، وإدارة الناس وتوجيههم وحثهم واستقطابهم للقيام بالأعمال المنوطة بهم، وهو عمل كبير لا يتقنه إلا القادة البارعون. فالقائد لا يستطيع أن يقوم بمهامه بمعزل عن الناس، إنما يحقق أهدافه وأهداف مؤسسته من خلال استقطاب أكبر عدد من الناس لتنفيذ هذه الأعمال وللقيام بها. وكلما ازدادت قدرته على ذلك ازدادت إمكانية الفعل لديه وإمكانية التأثير. وانظر إلى هذه الدائرة التي تتكامل:

رؤية

التزام

مهارات

رؤية قوية وتصور واضح، فمجال عالم الفكر عند القائد من أهم المجالات الضخمة التي تفرقه عن المدير الذي قد يمتلك المهارات الإدارية ليسخر الناس للقيام بالأعمال التي يقومون بها، فهو لا يغادر الواقع الذي يعيش فيه إلى النظر للمستقبل، بينما القادة يمتلكون رؤية يدفعون المؤسسات والمجتمعات إليها ويقودونهم بها.

مستلزمات نجاح المشروع:

إن الكثير من الناس لا يدركون أن نجاح المشروع النهضوي مرتبط بمجموعة قضايا.

أولًا: الإحاطة بالمبدأ، والإيمان به والتقدير له11

* والإحاطة بالمبدأ هو وجود تصور شامل، وخارطة كاملة للمبدأ الذي ندعو إليه في ذهن العامل في مجال النهضة لمفهومها ومجالاتها.

* والإيمان به يطلق على وجود إيمان أو تصديق جازم بالفكرة وصلاحيتها، والمراد هنا الإيمان بأن هذه النهضة قابلة التحقق وأنها حق لهذه الأمة.

* وقضية تقدير الفكرة لا تأتي إلا بمقارنتها بغيرها، والإيمان بعلوها وسموها على غيرها، فكلما كانت الفكرة أكبر قيمة لدى معتنقها كلما كان الإنسان معطيًا لها ما يوافق ثمنها وقيمتها.

هذه العناصر أمر تحتاجه أي فكرة ، فما بالك إذا كانت هذه الفكرة النهضوية هي

الإسلام. تستند إليه وتنطلق منه، وتسعى لتعزيز وجوده في عالم الإنسان وفي البشرية. كم يكون حجم العطاء وأهمية الإحاطة بالمبدأ والتقدير له حينها؟.

ثانيًا: يلزمنا بعد ذلك معرفة المسار والخطوط العريضة التي تتحرك فيها عملية النهضة، فبدون معرفة المسار والخطوط العريضة، يصعب الحراك، وكثير من العاملين في الساحة الإسلامية لا يعرف المسار الذي تتحرك فيه النهضات، ولا يعرف مستلزمات هذا الحراك، وبالتالي تتقاطع الخطوط وتضطرب الصفوف وتضيع الجهود.

ثالثًا: موضوع التطوير المستمر، ففكرة النهضة ومشروعها ليس عملًا جامدًا استاتيكيًا لا حياة فيه؛ بل هو تفاعل مستمر مع العقل البشري يحتاج إلى تطوير مستمر. وفي كل فترة من الفترات يحتاج الخطاب الإسلامي النهضوي إلى تجديد في منطقه ومفرداته وفي مناطق تركيزه، بسبب تغير الظروف والأحوال والاهتمامات. كما يحتاج إلى معالجة جوانب القصور والانغلاق فيه، إذ لا يمكن أن يدعي مدعي من البشر أنه يمتلك فكرة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فذلك أمر مستحيل ولذلك فعملية التطوير المستمرة ضرورية، يقول المولى عز وجل"الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا"12 فإن كان عمل فرد ما حسنٌ اليوم أو الأحسن اليوم، فيجب أن يأتي فرد آخر بأحسن منه.

وهكذا تستمر عملية التطوير المستمرContinuous Improvement من داخل المفهوم الإسلامي من خلال هذا المعنى الهام والعظيم"أيكم أحسن عملا". ذلك هو الهدف الرئيسي، وكلما كان هناك عملٌ حسن، كلما كان هناك عمل أحسن منه، ثم يأتي من يعمل أحسن من ذلك. وهكذا

تتطور الحياة وتتقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت