ولكل إنسان مراجعه الأساسية، ففي الفكر الإسلامي نجد خلفنا تراثًا يتمثل في المصدرين الخالدين؛ الكتاب والسنة، ثم في الكثير من أعمال الفقهاء والمفكرين والمفسرين والمحدثين وغيرهم. وفي التراث الغربي هناك هوبز ومونتسكيو وجان جاك رسو وغيرهم. كما نجد ماركس، ولينين، وإنجليز في هذا السياق الكبير الذي يمثله التراث. هذه كلها عبارة عن الكتابات المرجعية التي يستند إليها العاملون في مجال الأيديولوجيا، كل حسب تراثه ومعتقداته.
وبالنسبة للمسلمين تشكل النصوص مرجعية ووعاءً كبيرًا ينطلق منه الجميع في الفهم وبناء الصورة الذهنية للإسلام، وعن الممكن وغير الممكن في نطاقه وفي نطاق أسواره. هذه النصوص المرجعية هي التي تشكل هذا البناء الذي يطلق عليه ما وراء الأيديولوجيا أو الميتا أيديولوجي. يقول أندرو هيود في كتاب Foundation of Politics أو"أسس السياسة"".. إن الأيديولوجيا العليا أو خلفية الأيديولوجيا هي التي تضع الأساس التي تقف عليه الحوارات الأيديولوجيا.. فإذا شئنا قلنا أن قاعدة كل الحوارات الأيديولوجية بعد ذلك أو البناء الثاني الذي سنتحدث عنه هو النصوص والمرجعيات التي يستند إليها المتحاورون..".
الأيديولوجيا:
أما الأيديولوجيا وهي الطابق الثاني في هذا السياق فهي كما يقول أندرو هيود".. عبارة عن أفكار مترابطة بدرجة أو بأخرى، توفر أساسًا لعمل سياسي منظم سواء كان الهدف منه حفظ أو تشذيب أو هدم نظام توزيع القوة القائم..".
إذًا يمكن أيضًا - كما يقول هيود. - أن ينظر للأيديولوجيات على أنها"توفر تصورًا للنظام في شكل رؤية عالمية، وتوفر نموذجًا للمستقبل المنشود في شكل خطوط عريضة عن كيفية إحداث التغيير السياسي. وهي في مستوى الجوهر اقتراب من الفلسفة السياسية. وعلى مستوى التنفيذ تأخذ شكل حراك سياسي".
نعود فنقول أن الأيديولوجيا عبارة عن أفكار مترابطة بدرجة أو بأخرى -ليست أفكارًا متناثرة بعيدة بعضها عن بعض- أي أنها أفكار تأتي في نسق ووفق عمليات ربط معينة، وهذه الأفكار عندما تجمع ويربط بينها تستخدم لعمل سياسي منظم. ونحن نعرف أن العمل السياسي في جوهره إما أن يقوم لحفظ نظام موجود، أو يقوم لتشذيب النظام وتعديله، أو لتغييره وإحلال شيء آخر مكانه. أما قول هيود في نظام توزيع القوى فهو يتوافق مع كون النظام السياسي في حقيقته هو نظام توزيع قوة. حيث تتوزع القوى بين رئيس الجمهورية أو رئيس الدولة وبين مجلس الشورى وبين المجالس المنتخبة أو غير المنتخبة وبين القضاء وبين الجهاز التنفيذي وهو الحكومة، فمن هذه الأبنية المتنوعة الجهاز التشريعي والجهاز التنفيذي والجهاز والقضائي، تتوزع القوى فيما بينها، إما بما يسمى توازن القوى أو باضطراب
القوى حسب النظام السياسي التي تتمثل فيه ولكن في الأخير هو توزيع للقوى بين الأطراف المختلفة داخل المنظومة السياسية.
لكن هناك أبعاد أخرى للأيديولوجيا - كما يقول هيود - ذلك أنها تشكل رؤية عالمية. فالليبرالية لا تعتبر نفسها بنت الولايات المتحدة الأمريكية أو بنت فرنسا أو المنظومة الأوروبية، بل ترى أنه يجب أن تهيمن على العالم. وهذا ما تصرح به كل الوثائق الرسمية التي تصدر من جميع الجهات
الأوروبية فهي منظومة تسعى للهيمنة، وبمعنى أخر أنها تعتبر نفسها منظومة معيارية. ولا تقتصر على بلد ما بل هي منظومة عالمية.
إن الأيديولوجيا في جوهرها هي منظومة قيمية لا تقتصر على مكان معين، بل يرى أهلها أنها صالحة للعالم كله. قس على ذلك المنظومة الشيوعية قبل سقوطها، وكيف كانت تنظر لنفسها كمنظومة عالمية. وكذلك المنظومة الإسلامية في منظورها العالمي. فالأيديولوجيا بشكل أو بآخر لها منظور عالمي.
كذلك من خصائص الأيديولوجيا؛ أنها توفر نموذجًا للمستقبل المنشود في شكل خطوط عريضة عن كيفية إحداث التغير السياسي، وما الذي يجب تغييره. فهي تقدم تصورًا لشكل الدولة الذي يجب أن يكون. ففي الدولة الليبرالية الغربية أو في المنظور الليبرالي الغربي هناك شكل للدولة ترى أنه صالح أن يكون لكل الدول، وفي المنظومة الشيوعية مثل ذلك وفي المنظومة الإسلامية أيضًا تجد ذلك. أما قول هيود أن الأيديولوجيا"في مستوى الجوهر هي اقتراب من مستوى الفلسفة السياسية وعلى مستوى التنفيذ تأخذ شكل حراك سياسي"هو أن الأيديولوجيا لا تتوقف عند التصورات بل هي تقوم بالحشد وجذب الناس حول الفكرة ومحاولة تحقيقها على أرض الواقع.
بذلك يكون قد تكون عندنا طابقين: الطابق الأول"ما وراء الأيديولوجيا"، وهو مكون من النصوص المرجعية سواء كانت مقدسة أو غير مقدسة. والطابق الثاني"الأيديولوجيا"حيث تربط هذه الأفكار وتطرح في عملية الاحتشاد حولها ومحاولة بعثها على أرض الواقع في شكل نظام.
البارادايم:
المفهوم الثالث وهو البارادايم ويقصد به: المنظور الشامل. ففي مرحلة تاريخية معينة، تسود بعض النظريات وتجد قبولًا والتفافًا من كثير من الناس حولها. وتصبح طريقة في التفكير وينطلق الإنسان في هذا السياق، ويتحدث مثلًا عن التنمية في فترة من الفترات، فيجد أمامه مجموعة تفسيرات للتنمية، كنظرية آدم سميث، أو تحليل ريكاردو، أو تحليل ماركس أو يجد نظرية الدفعة القوية أو نظرية النمو غير المتوازن. فالمقصود أن طريقة تفكيره تتأثر بمثل هذه المناظير الشاملة العامة ويطرح أفكاره من خلالها.
فالبارادايم عبارة عن مجموع المنظور الشامل المنتشر في فترة زمنية معينة، والذي يؤثر على أفكار الناس ويجعلهم ينطلقون منه في الحديث عن الأشياء، وذلك يشمل تصورات كثيرة جدًا، حول السياسية والاقتصاد والتخطيط وغير ذلك من الأعمال.
وخطورة البارادايم أنه في كثير من الأحيان يغلق آفاق العقل على رؤية أحادية للواقع - منظار ذو لون محدد - تمنع رؤية الحقيقة الواضحة.
الاستراتيجية:
يخلط الناس بين هذه المفاهيم السابقة وبين ما يطلق عليه الاستراتيجية أو الخطة الاستراتيجية، فالخطة الاستراتيجية إذا أردنا التدقيق والتحقيق والتعرف على معناها دون اللجوء إلى المصطلحات المعقدة؛ فهي عبارة عن دراسة لعدد من الأشياء في واقع معين في مكان معين:
* دراسة الذات.
* دراسة الطرف الآخر المواجه.
* دراسة الأرض أو المجال الذي يتم الصراع فيه.
* دراسة الظروف المحيطة بالصراع.
* تحديد البدائل والوسائل التي يمكن بها تحقيق النصر.
* المفاضلة بين هذه البدائل.
* اختيار البديل الأمثل للوصول إلى الأهداف في ظل المعرفة الشاملة بالذات وبالآخر وبالأرض التي يتم عليها الصراع وبالمجال والظروف المحيطة بالصراع.
فالفارق بين الأيديولوجيا وما وراء الأيديولوجيا والبارادايم -وهو المستوى النظري الحاكم -وبين المستوى التخطيطي الذي يطلق عليه الاستراتيجية، هو عندما تنزل من وضع الدراسة والتحليل إلى وضع التشكل في وثيقة، أو في تصور فكري أو في شكل رؤية وفي شكل مهمة وفي شكل قيم وفي شكل مجالات عمل وفي شكل مراحل وفي شكل أهداف عامة.
هذا المستوى أيضًا يختلف عن المستوى الأخير، وهو مستوى الخطط التنفيذية، عندما تنتقل هذه الخطط الاستراتيجية العامة إلى منفذين سواء كانوا إدارات أو أقسام أو فروع وتصل إلى الخطط التفصيلية جدًا على مستوى التنفيذ.