ولابد أن نعترف أن بعضنا يعيش اليوم مرحلة الأرض الأجادب ، لكن بعضنا الآخر - مع الأسف - يعيش مرحلة الأرض القيعان ، التي أخبر عنها الرسول صلي الله عليه و سلم بقوله: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ، كمثل غيث اصاب أرضًا ، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس ، فشربوا ، وسقوا ، وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ماءًا ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به ، فعلم وعلم .. ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ... ) (متفق عليه) .. حيث تتقدم عندنا وسائل الحفظ والنقل لقيم الكتاب والسنة ، لكن يصاحبنا العجز عن أن نستنبت منها الكلأ والعشب الكثير ، إلى جانب حفظ الماء ، فنكون من الطائفة الأولى . وقد يكون من المفيد هنا ، أن نورد ما روي عن عثمان وعبد الله بن مسعور وأبي رضي الله عنهم ، من أن رسول الله صلي الله عليه و سلم كان يقرئهم العشر ، فلا يتجاوزها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل ، فتعلموا العلم والعمل جميعًا (صحيح سنن أبي داود) ، وما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أنه قال: كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلي الله عليه و سلم في صدر هذه الأمة ، لا يحفظ من القرآن إلا سورة أو نحوها ، ورزقوا العمل بالقرآن ، وأن آخر هذه الأمة ، يقرأون القرآن ، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به (القرطبي 1/40) .
وحتى يكون الكلام واضحًا ، لابد أن نبيّن أن العجز المقصود هنا ، هو عدم القدرة على الإفادة من المنهج النبوي ، في مجال التغيير والبناء الحضاري ، وليس المقصود مجال الفقه التشريعي ، حيث خلف لنا العلماء والمجتهدون ثروة فقهية لا نظير لها ، من الناحية القانونية ، والثقافية ، والتشريعية ، والقضائية .
لذلك نقول: إن الأزمة الحقيقية التي نعاني منها ، أو الأزمة الفكرية ، هي أزمة فهم عملي ، وأزمة تعامل، مع قيم الكتاب والسنة ، وتحويلها إلى برامج ، من خلال مسيرة السيرة النبوية .. أو بكلمة مختصرة: أزمة تعامل مع معرفة الوحي بشكل عام ، أو استيعاب المنهج النبوي ، في البناء والتغيير ، سواء في ذلك من ينكرون وجود المنهج ، في الكتاب والسنة ابتداءًا ، ويعتبرون أن الأزمة اليوم ، أزمة منهج ، أو من يسلمون بوجود المنهج ، إلا أنهم عاجزون عن وضع مناهج فهم ، وتعامل ، من خلال القيم نفسها ، ونسقها المعرفي ، وتراثها الممتد ، الذي يشكل عقلها الجماعي ، وشخصيتها الحضارية التاريخية .. لذلك نراهم يتطاولون على التراث ، ويحكموا عليه ، من خلال تشكيلهم الثقافي ، بعيدًا عن القيم المعيارية ، التي أنتجته ، وإنما من خلال قيم حضارات ، ومناهج معرفية ، وعقائد أخرى ، لذلك لا يخرج عملهم عن طحن الماء ، على الرغم من الجهد المبذول ، والمال المهدور ، دون أن تكون عندهم القدرة على إيجاد البديل ، أي بديل ، وقد يضطرهم سعيهم في النهاية ، بسبب فقر إنتاجهم - كما أسلفنا - إلى احتضان أشخاص ، قد يفتقرون لأدنى حد من المرجعيات الشرعية ، سواء في دراستهم الأكاديمية ، أو كسبهم الثقافي ، أوفي مسالكهم ، وإنما هم متخصصون ، بالمنهج الغربي ، ونظامه المعرفي ، وأدواته البحثية ، ويحاولون اليوم أن يجعلوا من الإسلام ، والنصوص الإسلامية ، في الكتاب والسنة ، محلًا للتحليل ، والدراسة ، وفق المناهج ، والأنظمة المعرفية: الخارجة عن نسقه ، وقد يلحقون بأعمالهم أي شعار إسلامي ، لتمريرها وتسويقها في عالم المسلمين .. إنهم يجرأون على الفتوى ، في المعرفة ، ويبتدعون في الفكر ، وقد لا يحسنون معرفة فرائض الوضوء ، وأحكام الحلال والحرام ، التي يجب أن تعرف من الدين بالضرورة ، وقد لا يستطيع الكثير منهم أن يقيم لسانه بآية ، أو حديث ، وغاية عملهم اقتطاع بعض النصوص الإسلامية ، وإعمال أدوات المناهج الغربية في فهمها ، وإعادة تفصيلها .. فكيف والحال هذه ستكون النواتج الفكرية والثقافية ، خاصة إذا علمنا أن الأدوات المعرفية ، ووسائل البحث ، ومناهج الفهم والتفكير ، ليس آليات محايدة ، وإنما هي ثمرة لخلفيات عقائدية ، ومرجعيات حضارية ، لا تخرج عن أن تكون جزءًا منها ؟
إنها المرحلة الجديدة للاستلاب الحضاري ، والاختراق الثقافي ، التي يفترض لها أن تكون أكثر قبولًا في عالم المسلمين ، بعد أن سقطت الطروحات السابقة للإسلام ، المعنونة بالمصطلحات الغربية أو الشرقية ، لإيجاد غطاء تراثي لتسللها إلى الفكر الإسلامي.
ونخشى أن نقول: إن هذ المسعى اليوم يعتبر من أخطر البدع الفكرية الخفية ، التي يجب التنبه لها ، والتحصين منها ، لأنها لا تقل خطرًا عن البدع في العبادات ، التي نهض فقهاء السلف والأتّباع ، لمحاصرتها والتحصين منها ، وهزيمتها بالسنة.
هذه البدع الفكرية ، التي دخلت علينا باسم وضع الحلول لأزماتنا ومشكلاتنا ، وحاولت اصطيادنا في حالة المعاناة ، نرى أنها خلفت لنا تراكم الأزمات ، بدل أن تضع الحلول .. وقد يكون المطلوب اليوم: أن تصبح مواجهتها من الأولويات ، وهزيمتها إنما تكون بوعي المنهج النبوي ، والتحصن بمعرفة الوحي ، في الكتاب والسنة ، والاجتهاد في إبداع الأدوات المعرفية ، في إطار النسق الإسلامي ، وتصوراته عن الحياة ، ومرجعيته الشرعية.
وقد تكون الإشكالية الحقيقية ، في النظر للمنهج النبوي ، في التغيير والبناء الحضاري ، تكمن في استيعاب مسيرة هذا المنهج ، بمراحله المختلفة ، ومحطاته الكبرى ، والإفادة منه في تحديد وفهم الواقع ، ووضعه في الموقع المناسب من هذه المسيرة ، وامتلاك الفقه والقدرة ، في كل مرحلة ، على ضبط النسب ، وإعادة ترتيب الأولويات ، في ضوء الحال ، وتطور المراحل ، واستصحاب المقاصد ، الأمر الذي يتطلب هضم الجزئيات في شعب المعرفة المختلفة ، وإعادة تجنيسها ، كمعطيات للمنهج النبوي المعرفي ، في كل مرحلة.
نعود إلى القول: بأن المنهج النبوي في التغيير ، والبناء الحضاري ، إذا لم يُدرك بمراحله وأبعاده ، ويميّز بين ثوابته ، ومتغيراته ، ومراحله ، وتدرك الظروف والشروط ، التي توفرت لكل مرحلة ، يمكن أن ينقلب إلى معوق ، بسبب سوء الفهم ، ومن ثم سوء التطبيق ، بدل أن يكون دافعًا للنهوض .. لذلك فالأمر لا يجوز أن يبقى خاضعًا لرؤية فردية ، تدعي الإحاطة بكل شعب المعرفة ، وإنما لابد له من دراسات متخصصة ، بشعب المعرفة المتنوعة ، شريطة أن تكون متحصنة بالمرجعية الشرعية الكافية ، للتمييز بين ما هو من الوسائل ، وما هو من الأهداف ، وما هو من المباديء ، وما هو من البرامج ، وما هو من القيم المعيارية ، وما هو من الاجتهاد الخاضع للتقويم ، لتشكيل رؤية جماعية لكل عصر ، بحسب مشكلاته وظروفه ، وإمكاناته ، وقضاياه ، وموقعه من مسيرة النبوة.
وقد يكون الكثير من مشكلاتنا الفكرية والمنهجية والنهضوية - إن صح التعبير - نابعًا من وجود متخصصين بشعب المعرفة ، لكنهم يفتقدون المرجعية الشرعية ، أو يفتقدون لمعرفة الوحي بشكل أعم سواءًا منهم من تخصصوا في الغرب ، أو تخرجوا على أيديهم في مدارس ومعاهد وجامعات العالم الإسلامي ، المرتهنة للنظام المعرفي الغربي في المرجع ، والمنهج ، والكتاب ، والمدرس ، أو من هم من المتحمسين للقضية الإسلامية ، بعيدًا عن أي معرفة أو تخصص.