فهرس الكتاب

الصفحة 1751 من 1942

والمجتمع الإسلامي الأول ، هو مجتمع الأنموذج ، ومعيار الاقتداء العملي ، ليس في مرحلة الكمال والاكتمال فقط ، وإنما في المراحل كلها التي مر بها ، فكل مرحلة تعتبر قدوة وأنموذجًا لما يشابهها ويقابلها من الأحوال التي يعيشها ويتقلب فيها المجتمع المسلم .. فالمجتمع الأول بالنسبة للمسلم ، يشكل المرجعية التطبيقية .. كما أن القيم في الكتاب والسنة ، تشكل المرجعية الشرعية والفكرية ، وقد تحقق له ذلك دون غيره ، بسبب حراسة الوحي ، والرؤية الراشدية ، بعد توقف الوحي ، المشهود لها من الموحى إليه صلي الله عليه و سلم ، الذي اعتمدها في المرجعية والاقتداء فقال: (.. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، وتمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ) (رواه أحمد) .

وهنا قضية لابد من الإشارة إليها في الحقيقة: وهي أن المجتمع الأول ، مجتمع القدوة ، والمثال ، والأنموذج ، والمرجعية ، ليس هو نهاية المطاف للحياة الإسلامية ، إنما هو نهاية المطاف للبناء الأنموذجي ، إذ أن المجتمعات الإسلامية ، الممتدة تاريخيًا ، كما هو الواقع ، والتاريخ ، والسنن الاجتماعية ، سوف تمر بسقوط ، ونهوض ، وقوة ، وضعف ، ومرض ، وصحة ، بحسب أقدار التدين المتفاوتة ، فهي ليست نسخة مكررة عن المجتمع الأول ، مهما حاولت المقاربة والتأسي ، ولكنها لا تخرج في كل حالاتها ، التي تمر بها ، عن المشابهة ، مع مجتمع القدوة ، في المراحل التي مر بها.

وقد يكون من المفيد التأكيد هنا ، أننا مهما حاولنا الاقتراب من مجتمع القدوة ، تبقى لمجتمع القدوة الذي ربي على عين النبوة ، خصوصية في كونه قدوة دون سائر الحالات المماثلة الممتدة على طول التاريخ الإسلامي ، فهي تجارب تفيد العبرة ، ولا يمكن أن تتحول إلى أنموذج أو مصدر للتشريع والتلقي.

والفقه المطلوب اليوم: كيف يشكل المنهج النبوي ، والرؤية الراشدية - قيمًا وبرامج ، فكرًا وفعلًا - بمراحلها المتنوعة ، مرجعية ، وقدوة للمجتمعات الإسلامية ، ضمن الحالات التي تمر بها؟ وكيف يمكن أن يتحقق الاقتداء والإفادة ، من المنهج ؟ هذه هي القضية المطلوبة بشدة ، الغائبة غيابًا مذهلًا.

نحن عندما ندعو لاستيعاب المنهج النبوي في التغيير والبناء الحضاري ،واستيعاب الواقع ، ومن ثم وضع الواقع في مرحلته المناسبة من مسيرة النبوة ، أو من المنهج النبوي، حتى نحقق الاقتداء في عملية التغيير ، وكيفية التعامل مع الواقع ، وتغييره ، والارتقاء به ، أو تقويمه بمنهج النبوة ، في ضوء عطاء المنهج نفسه ، أو عطاء المرحلة المشابهة لواقع الحال، لا نعني بذلك عملية التقطيع ، والانتقاء الفقهي ، كما اننا لا نعني إيجاد المسوغات الشرعية ، أو التستر على هذا الواقع بفقه حيل ، أو فقه مخارج ، وإنما الذي نريد أن نوضحه: أن القضية قضية اجتهاد فكري ، أو رؤية منهجية في كيفية إعادة البناء ، في ضوء المنهج النبوي ، ترتكز إلى فقه المقاصد ، الذي كان محور التغيير في كل مرحلة ، ومرتكز ومنطلق آلياته ، ووسائله .. لذلك جاء تأكدينا باستمرار ، ومهما كانت مواصفات وشروط المرحلة ، على ضرورة استصحاب الرؤية الشاملة.

وأعتقد أن الجهود ، التي بذلت لحماية السنة ، والسيرة وحفظها ، ومناهج وضوابط الحفظ ، والنقل الثقافي ، ومعايير الجرح ، والتعديل ، لم تتوفر بعد القرآن الكريم ، لأي نص تاريخي ، أو وثائقي ، أو ديني على الإطلاق ، ولعل هذا من لوازم وخصائص الخلود .. إن هذه الجهود العلمية العظيمة التي توفرت لحماية بيان القرآن ، وكيفيات التعامل معه ، فهمًا وتنزيلًا على الواقع ، والتي تحققت من خلال عزمات البشر ، الذين يمثلون أوعية الحفظ وأدواته ، جاءت مصداقًا لقوله تعالى: (إن علينا جمعه وقرءانه * فإذا قرأنه فاتبع قرءانه * ثم إن علينا بيانه ) (القيامة: 17 - 19) .

والحقيقة التي قد يكون ذكرها هنا من الأهمية بمكان ، أنه أثناء العمل مع المنهج النبوي ، لابد من استصحاب الرؤية الشاملة للمنهج ، حتى ولو كان التنزيل ، والتطبيق لبعضه ، بحسب النوازل ، وظروف الحال ، والاستطاعات ، التي تقتضي التركيز على بعض الجوانب في مرحلة معينة ، لمعالجة الخلل ، دون الجوانب الأخرى .

ذلك أن غياب الرؤية الشاملة للمنهج النبوي ، وعدم الفقه مقاصد التعامل مع الحالات المتنوعة ، من الواقع ، وأسباب التركيز عليها ، أدى ببعض المفكرين إلى اختلال في شمولية الرؤية ، وضبط النسب ، وبروز فرق خارجة ، ونتوءات فكرية ، لا تتفق مع توازن وشمولية المنهج النبوي .. أخذت بعض الجزئيات وضخمتها ، وحاولت المرابطة من ورائها ، وتعميمها على المنهج كله ، فاضطربت الأولويات ، واهتزت النسب ، وظهرت الثنائيات المتناقضة ، والتعسف في التفسير والتأويل المذهبي ، لا المنهجي ، وأصبحت القواعد والأصول المذهبية ، كلامية كانت أو فقهية ، هي المعيار لتفسير النص والتحكم بمقاصده ، وهو ما لم يعرفه تنزيل الإسلام الأنموذجي في خير القرون .

ولا شك عندي أن عملية التنزيل للمنهج النبوي على الواقع ، أو الفقه التطبيقي ، وتحويل القيم والمباديء ، إلى برامج ، إذا لم تترافق بالرؤية الشاملة ، والضوابط الصارمة ، واليقظة المستمرة ، قد يؤدي إلى لون من التكيف مع الواقع ، دون القدرة على تكييفه ، وفق القيم ، بسبب الإلف له ، والقبول به ، نتيجة للتوارث الاجتماعي ، ومن ثم الدفاع عنه ، واعتماده كمقياس للمعايرة .. أو بتعبير آخر: نتيجة لإلف الواقع وحالة الركود ، التي يفرضها ، وسهولة التعامل معه ، يصبح تقليدًا يصعب تغييره ، ومن ثم يعتمد هذا التقليد ، أو هذه التقاليد ، لتصبح قيمًا ، ومعايير ، تحل محل المنهج ، والقيم والتعاليم .. وبدل أن تُقوّم التقاليد بالقيم ، والتعاليم ، وتكون التقاليد هي مادة البحث ، والتحليل ، تصبح هي معايير البحث ، والتحليل ، فيصاب المجتمع بالركود والاستنقاع الحضاري ، ويصل إلى مرحلة ذهاب العلم ، وإن بقيت مصادره التي اخبر عنها الرسول صلي الله عليه و سلم .. فعن الإمام أحمد رحمه الله ، قال: ذكر النبي صلي الله عليه و سلم شيئًا ، فقال: (وذاك عند ذهاب العلم ) .. قلنا: يا رسول الله ، كيف يذهب العلم ، ونحن قرأنا القرآن ، ونقرئه أبناءنا ، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم ؟ فقال: ( ثكلتك أمك يا ابن لبيد ، إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة ، أو ليست هذه اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل ، ولا ينتفعون مما فيها بشيء؟! ) (الحديث رواه أحمد في مسنده ، وابن ماجة في سننه ، باب ما جاء في ذهاب العلم ، وقال: هذا حديث حسن غريب) .

لذلك ، وحتى يحول المنهج النبوي في التغيير والبناء الحضاري ، دون هذا التوطين للتقاليد ، بسبب التوارث الاجتماعي - كما أسلفنا - شرع الدورات التجديدية ، التي اعتمدها كحراسات لسلامة المنهج واستمراره ، والتي تعني بعث الحياة للتعاليم والقيم من جديد ، وإعادة ترتيب تصويب المعادلة الاجتماعية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت