فهرس الكتاب
فالتجديد هو العودة إلى الينابيع الأولى ، وإعادة التقويم بها ، وبذلك يتحقق الحفظ والاستمرار ، وديمومة العطاء ، للمنهج النبوي ، أو لمعرفة الوحي ، بشكل أعم ، ليصبح منهج النبوة ، أو معرفة الوحي بشكل أعم ، هي الإطار المرجعي ، والضابط المنهجي ، والمعيار للمراجعة المستمرة ، وإعاد تقويم الواقع ، قبل أن ينغلق على تقاليده ، التي يكرسها التوارث الاجتماعي ، لذلك قال الرسول صلي الله عليه و سلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام ، من يجدد لها دينها ) (رواه أبو داود في الملاحم) .
لقد جُعل التجديد تكليفًا ، ولم يقتصر على أن يكون إخبارًا .. والتجديد - الذي هو في الحقيقة تقويم للواقع ، وتغيير له ، ومحاولة للعودة به إلى الينابيع الأولى ، بعد إدراك هذا الواقع في ضوء المنهج النبوي للتغيير ، أو بكلمة مختصرة: هو النظر في الواقع ، وتقويمه من خلال المنهج النبوي ، والنظر إلى المنهج النبوي ، وكيفيات التزامه ، والإفادة منه ، من خلال الواقع - هو لازم من لوازم الخاتمية ، حيث توقف التصويب من السماء ، فلابد من ممارسة عمليات التصويب والتقويم للواقع ، في ضوء مرجعية قيم السماء وبيانها النبوي.
ولعلي أرى أن في تسمية منهج الرسول صلي الله عليه و سلم في التغيير والبناء الحضاري ، بمصطلح السنة ، بعض ملامح الخلود ، والتجرد من ملابسات الزمان والمكان ، ذلك أن السنة هي: القانون المطرد الممتد ، الذي لا يقبل التحويل ، ولا التبديل ، فهي في مجال الأنفس كالقانون الطبيعي الكوني ، في إطراده وثباته ، في مجال الآفاق ، وإن كان محل الاستشهاد على ثبات السنن واطرادها ، غالبًا ما ينصرف إلى السنن الكونية الآفاقية ، لسهولة إدراكها ، ووقوعها تحت الحواس ، وفي متناولها ، ولأن الزمن المطلوب لاستيعاب اطرادها ، وإدراك نتائجها ، هو في مقدور الإنسان ، وضمن عمره المفترض ، أما السنن النفسية والاجتماعية ، والتعرف على عواقبها ، فأمر بطيء ومديد ، إلى درجة قد يكون عمر جيل كله ، مقدمه لها ، إضافة إلى أنه قد تحول بعض العوائق ، أو تغيب بعض الشروط ، فتختل النتائج أو تتخلف ، فيتوهم الإنسان عدم الاطراد ، لذلك غالبًا ما يتحدى القرآن في مجال السنن النفسية والاجتماعية ، بالعواقب ، التي هي آكد من النتائج عمليًا.
فإذا سلمنا ، بأن السنة النبوية ، هي قانون مطرد في التغيير الاجتماعي ، والبناء الحضاري ، وأن الاطراد سمة لازمة لها ، كلما توفرت الظروف والشروط ، وانتفت العوائق ، وأن نهوض المجتمع الإسلامي من سقوطه اليوم ، مرهون باستعادة الأنموذج ، القدوة ، والمنهج في التغيير ، وأن توفير الظروف والشروط التي توفرت لميلاد المجتمع الأول ، أساس لمعاودة الإنتاج ، أدركنا مغزى قولة الإمام مالك رحمه الله: لا يصلح آخر هذه الأمة ، إلا بما صلح به أولها.
ولعل من الأمور الأساسية التي لابد من التنبه لها ، والتذكير بها هنا ، أن منهج الرسول القدوة صلي الله عليه و سلم في البناء والتغيير الحضاري ، هو منهج اللبنة والتدرج ، وتحضير المحل ، والأخذ بيد الناس إلى تحقيق المقاصد الإسلامية ، وتقويم سلوكهم بشرع الله ، شيئًا فشيئًا ، حتى وصل بهم ، إلى درجة الاكتمال والكمال ، في بناء المجتمع الأنموذج .. وهذا المنهج لم يقتصر على مرحلة النبوة الخاتمة ، وإنما هو منهج النبوة في التاريخ الإنساني ، ووسيلة الأنبياء جميعًا ، حتى أن النبوة الخاتمة بكل عطائها ، ومقوماتها ، وأهدافها ومنطلقاتها ، لم تخرج عن أن تكون لبنة ، في البناء النبوي الممتد ، مع رحلة الإنسان على الأرض ، وقد ألمح إلى هذا وأكده الرسول صلي الله عليه و سلم بقوله: (مَثَلي ومثُل الأنبياء من قبلي ، كمثل رجل بنى بنيانًا ، فأحسنه وأجمله ، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه ، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له ، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة ؟ قال: فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النبيين ) (رواه مسلم) .
حتى إننا لنجد في القرآن الكريم ، الذي يمثل اللبنة الأخيرة ، أو المنهج الأخير للنبوة ، الذي انتهت إليه النبوات ، مساحة كبيرة ، لدعوة الأنبياء ، وقصصهم مع أقوامهم ، وكيفيات تعاملهم مع المجتمعات ، وخلاصة التجارب التاريخية ، التي صدقها الوحي ، وتحققت من خلال سنن الحياة الاجتماعية والنفسية ، والتي تشكل رصيدًا في بناء مرحلة النبوة الخاتمة.
لذلك بالإمكان القول: إن الصورة الأخيرة التي انتهت إليها النبوة لا تخص فترة النبوة الخاتمة ، ولا تقتصر عليها من الناحية الزمانية ، والمكانية ، والحضارية ، والثقافية ، وإنما هي في الحقيقة ثمرة النبوة التاريخية ، بكل بنائها وعطائها ، وإن النبوة الخاتمة ، هي لبنة في هذا البناء المتكامل الكامل ، لذلك فقول الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام ) (آل عمران:19) إنما يعني من الوجوه كلها ، أن الإسلام هو العنوان والسمة والتعريف ، لهذا البناء النبوي التاريخي الكامل المتكامل ، وإن انتهت تسميته إلى النبوة الخاتمة ، وأصبح علمًا عليها .
لذلك فالإسلام الذي جاء به محمد صلي الله عليه و سلم ، هو ملة إبراهيم ، ودين موسى ، وعيسى ، والأنبياء من قبل ، قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه .. ) (الشورى: 13) .. وأن أي صدق مع منهج النبوة التاريخي ، يقتضي الإيمان به ، وأن الدعوة إلى الإبراهيمية ، ووحدة الأديان ، خارج نطاق الإسلام ، الذي حقق وحدة الأديان - إضافة إلى أنها تشوية للتكامل والكمال ، وحفريات تاريخية لا طائل من ورائها ، إلا المزيد من التضليل - هي نكوص ، وانتكاس ، وتراجع على طريقٍ دارسةٍ.
وكذلك نرى أن اليوم الذي نزل فيه قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا ) ( المائدة: 3 ) ، إنما كان ذلك الاصطلاح دليلًا على اكتمال البناء ، الذي تعتبر النبوة الخاتمة ، تسديدًا وتصويبًا لنقصه ، حتى بلغ الكمال .. فالخطاب من كل الوجوه ، خطاب للبشرية جميعًا ، ولأبناء الأديان السابقة ، التي انتهت نبواتهم إلى الصورة الأخيرة ، إلى الإسلام الشامل ، ذي العمق ، والبعد التاريخي ، والبعد المستقبلي معًا .. فالإسلام الذي نزل على محمد صلي الله عليه و سلم ليس مقطوعًا عن الماضي ، ولا مبتورًا من سياقه ، وإنما استوعب الماضي ، في بناء الحاضر ، قال تعالى: (ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ) ( الحج: 78 ) كما أحسن بناء الحاضر ، وكماله ، في ضوء عطاء النبوة التاريخي ، ليصبح الإسلام بناء المستقبل الخالد ، ومنهجه الدائم ، الذي اكتمل ، وكمل على يدي محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، وأصبح في مأمن من النقص والانهدام ، قال تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون ) (المائدة: 3) .
والذي نراه هنا أن منهج اللبنة ليس مقتصرًا على بناء الأنموذج ، وإنما هو منهج كل بناء ، أو إعادة بناء .. وكل لبنة من هذه اللبنات ، تشكل مرحلة للاقتداء بما يماثلها ، شريطة استصحاب صورة البناء الكامل ، التي لابد أن تشكل اللبنة مرحلة للانتهاء إليها .