وقضية أخرى ، في إطار منهج اللبنة ، يمكن أن نلمحها في سنة الرسول صلي الله عليه و سلم ، وطريقته في التغيير والبناء الحضاري ، وهي أنه بالرغم من الرصيد التاريخي لدعوة الأنبياء مع أقوامهم ، والخلاصات التي انتهت إلى النبوة الخاتمة ، وساهمت في بنائها وعطائها ، فإن دعوة الرسول صلي الله عليه و سلم ومنهجه في التغيير والبناء ، استغرق ثلاثة وعشرين عامًا ، أي استغرق الزمن المطلوب لبناء جيل كامل ، على رأي علماء الاجتماع ، بدءًا من قوله تعالى: (اقرأ ) - ولا نقصد بالقراءة هنا: تعلم الأبجدية فقط ، وهي مقصودة بلا شك ، كمفتاح للعلم ، وطريق للدين الجديد الخاتم ، ووسيلة للتغيير والبناء الحضاري ، وإنما نقصد القراءة بأبجدية إسلامية ، ذات منهجية خاصة بها .. فليس كل قاريء بالأبجدية ، قادرًا عليها ، إذا افتقد الإيمان الذي يعتبر المؤشر الصحيح لتوجيه أبجدية الإنسان ، وربطها بغاياتها .. إنها القراءة باسم الله الخالق ، القراءة باسم الرب الأكرم .. إنها قراءة جديدة متميزة ، عن كل القراءات القائمة ، والأبجديات المعروفة - وانتهاءًا ، بالوصول إلى مرحلة الاكتمال والكمال ، التي أوصلت البناء إلى غايته ، والقراءة إلى هدفها ، بقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا ) ( المائدة: 3) .
ومن الأمور الأساسية التي قد يكون من المفيد التوقف عندها قليلًا ، ونحن نحاول ، تحديد بعض الملامح ، لمنهج النبوة الخاتمة ، في التغيير والبناء الحضاري ، قضية بشرية الرسول صلي الله عليه و سلم وخضوعه في حمله ، وولادته ، ورضاعته ، وشبابه ، وهرمه ، ومرضه ، ووفاته عليه الصلاة والسلام ، للسنن الفطرية ، والقوانين الطبيعية ، التي يخضع لها سائر البشر .. فلقد كان حمله طبيعيًا ، استغرق مدة الحمل نفسها ، كما كانت ولادته طبيعية ، كسائر الولادات ، وعانى من فقد الأم والأب ، ككثير من البشر ، وخضع لكفالة الأقارب ، وبلغ سن الشباب ، وعمل في الأعمال ، التي كان يمارسها قومه ، كالرعي ، والتجارة ، وتزوج ، وأنجب ، وفقد الابن ، والبنت ، والصديق ، والزوجة ، وتعرض للأذى والمرض ، والنصر ، والهزيمة ، وحل به من جراحات الحرب ، ما يمكن أن يحل بكل إنسان ، وأعلن أكثر من مرة: أنه بشر من البشر ، وأن النبوة لم تخرجه عن بشريته ، وإنما امتاز عن البشر بالوحي ، والعصمة ، حتى يتأهل ليكون قدوة للبشر ، ويربى على عين الوحي ، قال تعالى على لسان نبيه مقررًا حقيقة البشرية: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ّ...) (الكهف: 110) .
ولعل من الأمور الجديرة بالنظر هنا ، أن سيرة الرسول صلي الله عليه و سلم التي كانت تنزيلًا لقيم القرآن ، وتجسيدًا لها في الواقع البشري ، تمثل منهجًا لكيفية التعامل مع القيم ، وتطبيقها في الواقع ، والأصعدة المختلفة ، بمعنى أن القدوة ، وتقديم النماذج للاقتداء ، لم يتقصر على الحاضر ، وإنما استوعب أبعاد الزمن الثلاثة: الماضي ، بما عرض من قصص الأنبياء كنماذج ، والمستقبل أيضًا في إبصار بعض ملامحه الرئيسة ، والإخبار عن كيفيات التعامل معه ، والواقع الذي يعيشه الناس ، وتقويمه بشرع الله .
لذلك نقول: بأن القدوة هنا ، في الرسالة الخاتمة ، جاءت شاملة شمول الإسلام نفسه ، ولئن كان الأنبياء السابقون ، يمثلون نماذج للاقتداء في مجالات معينة ، فإن النبوة الخاتمة ، قدمت القدوة والأنموذج المحتذى في مجال الدعوة ، ومنهجها ، وكل وسائلها ، ومتطلباتها ، وفي مجال الدولة ، وكل ممارساتها ، ووظيفتها ، وأعبائها ، وعلاقاتها ، وسلمها وحربها .
والحقيقة التي يمكن أن نلمحها هنا ، والتي قد يكون من بعض مدلولاتها أهمية تقديم الأنموذج والقدوة ، أن مساحة تعبيرية كبيرة من سور وآيات القرآن الكريم ، وهي متواترة الورود ، قطعية الثبوت ، قد تضمنت عرضًا تفصيليًا لسيرة الرسول صلي الله عليه و سلم ، والأنبياء من قبله ، حتى لا تبقى القيم والتعاليم الإلهية المنزلة ، نظريات مجردة عن النماذج العملية ، التي تجسد هذه الأفكار في أفعال ، وإنما جاءت في معظم الأحوال ، مقترنة بالأنموذج التطبيقي .. جاءت متلازمة ، مع القدوة ، التي تشكل منهج التعامل ، وتحويل الفكر إلى فعل ، والقيم إلى برامج ، لذلك بالإمكان القول: بأن المنهج ، والأنموذج ، والقدوة ، حٌفظت بحفظ القرآن ، لأنها لا تقل ، من حيث الدلالة العملية ، عن آياته شأنًا في عملية البناء والتغيير ، حتى إن بعض الباحثين المعاصرين - والأستاذ محمد عزة دروزة رحمه الله يأتي في مقدمتهم - كتبوا السيرة من القرآن مباشرة .
وقد يكون من أبرز الخصائص ، التي تجعل المنهج النبوي في التغيير والنهوض والبناء الحضاري ، محلًا للاقتداء والتأسي ، وتجعله أنموذجًا (يحتذى انما هي في واقعيته وتوافقه مع فطرة الإنسان) ، وإنه تحقق من خلال تعامله مع السنن الجارية في الكون ، ومن خلال عزمات الإنسان ، بضعفه وقوته ، وتذكره ونسيانه ، وفطرته وغريزته ، ونزوعه إلى الخير ، وانحداره في الشر ، واستيعاب جميع ما يتعرض له من الظروف ، والأحوال ، والقابليات ، من الشدة والرخاء ، والسقوط والنهوض ، والهزيمة والنصر ، ليكون المنهج من ثم دليلًا ومرشدًا ، في كيفية التعامل مع الأحوال كلها ، من خلال الاستطاعات المتوفرة ، والظروف المحيطة ، ولم يتحقق من خلال تعامله مع السنن الخارقة ، الخارجة عن طاقة البشر ، التي قد تسهم بالتواكل ، والإلغاء ، وانطفاء الفاعلية ، وتؤدي إلى السلبية ، والإرجاء . واعتمد الزمن ، وسنة الأجل ، كعنصر لازم ، لإنضاج الفعل الحضاري ، وتحكم بالزمن تسخيرًا وإنتاجًا ، بعيدًا عن النظرة الدهرية والجبرية الزمانية ، التي كانت من مثالب الكفر ، وليس من خصائص الإيمان ، ونستطيع القول: إن المنهج النبوي في التغيير ، والبناء الحضاري ، تحكم بالزمن، وأعاد التعامل مع المسار الحقيقي ، وأكد استدارته كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، وأبطل عبث العابثين بمساره ، ليتحقق الانسجام ، بين السنن الكونية ، والسنن النفسية والاجتماعية ، فلقد قال الرسول صلي الله عليه و سلم في مراحل الاكتمال والكمال للمنهج النبوي ، في خطبة الوداع: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله سموات والأرض .. إلخ ) ، حيث تحقق بالنبوة الخاتمة ، التصويب لوجهة الإنسان ، والقراءة الصحيحة ، لحركة الكون ، وغايات الحياة.
والناظر في منهج الرسول صلي الله عليه و سلم يرى أنه لم يعان من الثنائية ، بين هدايات الوحي ، ومدركات العقل .. بين التعامل مع السنن الجارية ، بل واستفراغ الجهد في التعامل معها ، إلى درجة ، قد يظن معها الجاهلون بالمنهج النبوي أن الأمر كله موكول إليها ، ومعتمد عليها ، وبين الالتجاء إلى الله ، والتوكل عليه ، واستفراغ الوسع في الدعاء ، والابتهال ، وانتظار المدد من السماء ، لدرجة قد يظن معها الغافلون عن أبعاد المنهج النبوي ومقاصده ، أن صاحبها لا علاقة له بالتعامل مع السنن والأسباب .