فهرس الكتاب

الصفحة 1754 من 1942

كما أنه لم يعان من الثنائية بين القدر و الحرية والإرادة الإنسانية ، بل كان يعتبر أن الأسباب هي قدر من قدر الله ، وأن الله الذي خلقها ، وجعلها قدرًا وسببًا لحصول النتائج ، هو القادر على خرقها ، وليست المعجزات في تعريفها المبسط إلا خرق للأسباب ، وما اعتاده الناس ، وأن من الفهم للمنهج النبوي ، مدافعة سنة بسنة ، ومغالبة قدر بقدر ، والفرار من قدر إلى قدر ، وأن إرادة الله هي التي أرادت للإنسان أن يريد ويفكر ، لمغالبة قدر بقدر ، وإلا ، كيف يمكن عقلًا وشرعًا ، ترتيب المسؤولية على الفعل ، إن لم يأت ثمرة للإرادة والحرية ؟ وكيف يمكن أن يتحقق العدل المطلق ، الذي لا يليق غيره بالله سبحانه وتعالى؟

كما أن منهج الرسول صلي الله عليه و سلم ، في التغيير والبناء الحضاري ، الذي اكتسب خلوده من خلود القرآن ، تجاوز حدود وقيود الزمان والمكان ، ليكون قادرًا على العطاء العالمي في كل عصر ومكان ، ويكون قادرا على الاستجابة ، والاستيعاب ، لمشكلات كل عصر ، وتقديم الحلول المناسبة لها ، ولذلك نراه استغرق في التغيير والبناء ، مسيرة جيل كامل ، واستوعب مراحل التغيير والبناء في كل ما يعرض لها من الأحوال ، ابتداءًا من حالات الاستضعاف ، وحتى التمكين والوصول لحالات الكمال.

لذلك كان منهج المقاصد ، والغايات ، والأهداف ، والاستطاعات .. لم يكن جامدًا على حالة واحدة ، من حالات الفرد ، والمجتمع ، والأمة ، والدولة ، والاستطاعة .. ولم يضع قوالب يابسة ، ليصب الناس فيها بكل أحوالهم وحالاتهم ، وإنما كان يتغير بحسب الرؤية المتوفرة ، والمصلحة المتحصلة ، والهدف المطلوب .. يتغير بحسب الظروف والإمكانات ، ليستحق أن يشكل القدوة للإنسان ، في كل ما يعرض له ، حتى على مستوى الدعوة والفكر .. كان للحرب خطابه ووسائله ، وكان للعهد والسلم شروطه ، وضوابطه، وكان للنصر فقهه ، وللهزيمة فقهها ، وكيفيات التعامل معها.

وكان الرسول صلي الله عليه و سلم يحرم بعض الأعمال ، في عام ، ويبيحها في عام آخر ، فعندما أصاب الأمة من المجاعات ، نهى عن ادخار لحوم الأضاحي ، وعلل ذلك بالدافة ، أي بسبب زيادة الفقر ، وقدوم الفقراء على المدينة ، للشدة والمجاعة التي يعانون منها ، فإذا انتهت المجاعة ، أعاد الأمر للإباحة فقال: (ألا فكلوا وادخروا ) .

كما أنه حرم الادخار ، والفضل من المال ، والظهر ، والزاد ، في حالات الشدة وضرورات التكافل الاجتماعي ، أو ما يسمى اليوم اقتصاد الحرب ، وأباح الادخار في حالات الرخاء .. يروي أبو سعيد الخدري فيقول: قال رسول الله صلي الله عليه و سلم: (من كان له فضل ظهر ، فليعد به على من لا ظهر له ، ومن كان له فضل زاد ، فليعد به على من لا زاد له ) ، فذكر من أصناف المال ما ذكره ، حتى رأينا ، أنه لا حق لأحد منا في فضل (رواه مسلم) .

هكذا ، في بعض الظروف ، يحرم المنهج النبوي ، في الجانب الاقتصادي والاجتماعي الإدخار، ويعتبر الزائد عن الحاجة حرامًا في حالات خاصة ، الأمر الذي لم تعرفه أشد المذاهب تطرفًا.

والمتأمل لمنهج الرسول القدوة ، صلي الله عليه و سلم ، في تعامله مع استطاعة المكلف ، وفقهه لحالته ، وتقرير الأحكام الشرعية ، في ضوء إدراك مقاصدها ، يرى كثيرًا منا اليوم ، هم حملة للفقه وليسوا فقهاء حقًا .

ولعل في قصة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها ، التي كانت سبب نزول قوله تعالى: (الذين يُظاهرون منكم من نسائهم ) ( المجادلة: 2 ) ، وتطور الحكم في ضوء الاستطاعة ، ما يلقي أضواء كاشفة على ما نريد .. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ( حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سليمان بن يسار ، عن سلمة بن صخر الأنصاري ، قال: كنت امرءًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري ، فلما دخل رمضان تظهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان ، خوفًا من أن أصيب في ليلتي شيئًا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر أن أنزع ، فبينما هي تخدمني من الليل إذ تكشف لي منها شيء ، فوثبت عليها ، فلما أصبحت ، غدوت على قومي فأخبرتهم خبري ، وقلت: انطلقوا معي إلى النبي صلي الله عليه و سلم فأخبره بأمري ، فقالوا: لا والله لا نفعل ، نتخوف أن ينزل فينا ، أو يقول فينا رسول الله صلي الله عليه و سلم مقالة يبقى علينا عارها ، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك ، قلت: فخرجت حتى أتيت النبي صلي الله عليه و سلم فأخبرته خبري ، فقال لي:(أنت بذاك ) ؟ فقلت: نعم انا بذاك. فقال (أنت بذاك ) ؟... ها أنا ذا فأمض في حكم الله عز وجل ، فإني صابر له ، قال: (أعتق رقبة ) ، قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي ، وقلت: لا والذي بعثك بالحق ، ما أصبحت أملك غيرها . قال: (فصم شهرين متتابعين ) . قلت: يا رسول الله ، وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام ؟ قال: (فتصدق ) ، فقلت: والذي بعثك بالحق ، لقد بتنا ليلتنا هذه وحشى ، ما لنا عشاء . قال: ( اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك ، فأطعم عنك منها ، وسقا من تمر ستين مسكينًا ، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك ) ، قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ، ووجدت عند رسول الله صلي الله عليه و سلم السعة ، والبركة ، قد أمر لي بصدقتكم فادفعوها إليّ ، فدفعوها إليّ وهكذا رواه أبو داود ، وابن ماجه ، واختصره الترمذي ، وحسنه . ( تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير ، المجلد الرابع ، صلي الله عليه و سلم 319 ، ط دار المعرفة ، بيروت ، 1969م ) .

ويبقى المطروح باستمرار: كيف ندرك مقاصد المنهج في كل مرحلة ؟ وكيف نتعامل مع هذا المنهج من خلال العصر ؟ وكيف نتعامل مع العصر ونقّوم حركته ومسالكه ، من خلال المنهج؟

وبعد:

فلا شك أن الكتابة في المنهج ، ليس بالأمر السهل ، وأنه اليوم بحاجة إلى جهود جماعية ، وتخصصات متنوعة ، في شعب المعرفة المختلفة ، لتحقيق أمرين لابد منهما في كل مشروع للنهوض ، واستعادة العافية.

أولهما: فقه المنهج النبوي ، بعد التأكد من ثبوته ، من حيث النقل والحفظ ، لأنها المرحلة الأولى والأساس الذي يقوم عليه البناء .

الثاني: هو فقه التعامل مع المنهج ، تطبيقًا على الواقع ، الأمر الذي يقتضي فقه الواقع الإقليمي ، والعالمي، والإنساني ، واستطاعاته .

ولا نزعم للكتاب الذي نقدمه اليوم ، أنه استطاع أن يقدم المأمول ، أو أن يحسم بعض الإشكاليات المنهجية ، التي يعيشها العقل المسلم ، ليحقق النقلة النوعية المطلوبة ، من الحفظ ، والنقل ، والتوصيف ، والتحليل ، إلى التعليل وامتلاك القدرة على تعدية الرؤية ، والتنزيل على الواقع البشري المأزوم ، بغياب منهج النبوة .

وحسبنا في هذا الكتاب ، أننا طرحنا قضية المنهج النبوي ، من وجهة نظر أخرى ، ما تزال الدراسات فيها ضنينة ، لأن معظم الدراسات ، تمركزت حول منهج الحفظ والنقل ، واستنباط الحكم التشريعي ، أما أن يكون المنهج النبوي مصدرًا للمعرفة بشكل عام ، ومنهجًا للتغيير والبناء الحضاري ، فلا تزال الحاجة إليه قائمة وماسة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت