فهرس الكتاب

الصفحة 1877 من 1942

إن هذه الشهادة شيء كبير، وشرف عظيم، لذا فهي تتطلب شروطًا لا تتحقق بالكسل أو التخلف.

فالشهادة والريادة، في عالم اليوم، تتطلب عقيدة سليمة، وثقافة حية، والتزامًا صارمًا بمنهج الله تعالى، لذا جاء الأمر في الآية بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله. وقد ظلت أمتنا قرونًا كثيرة، تقوم بهذه الريادة والشهادة ثم بدأ"العد التنازلي"، فتركت القيادة لتصبح في ذيل القافلة.

إن الشهادة والريادة ليسا مما تورث، وقيادة العالم اليوم هي للغرب الصناعي، وعلى من يتطلع لدور حضاري أن يكون لديه شيء يقدمه، فإن كان حافيًا خليًا فمكانه في المؤخرة، وليس في القيادة، أو الريادة، وإذا كان بعض"الحالمين"يغالط نفسه بادعاء أن الله تعالى اختاره وفضله على كل البشر، وأنه يرث ذلك عن أجداده، فتلك أسطورة عفا عليها الزمن، وتنكرها سائر الأمم.

ونحن - بحمد الله - لا نعيش على أوهام أو أساطير، ونحن نقرأ صباح مساء قول الحق: (وأن ليسَ للإنسان إلا ما سعى، وأنَّ سعيهُ سوفَ يُرى، ثُمَّ يجزاه الجزاءَ الأوفى)

(النجم: 39 - 41) .

إن الغرب يمسك بقيادة العالم فكريًا وسياسيًا وصناعيًا وإعلاميًا، ولن نستطيع مزاحمته في أكثر هذه الميادين، لكننا نملك عقيدة وفكرًا، لا يملكها الغرب، ونملك آخر الأديان السماوية ولدينا كتاب رباني هو آخر الكتب السماوية، وقد تعهد الله بحفظه، ولدينا سنة تردفه، وتبين ما في هذا الكتاب، فإذا التزمنا شريعة الله، وأحسنا عرضها، وصدقنا في التطبيق، فبإمكاننا أن نقدم للعالم شيئًا يحتاجه، لكننا لا نغالط أنفسنا، ولا نعيش على وهم كاذب، بأن تكون لنا صناعة، في القريب العاجل ، أفضل من صناعة الغرب، ولا زراعة أفضل مما لدى الغرب ولا إعلام…إلخ.

بضاعتنا الوحيدة بضاعة ربانية، تكفل السعادة للإنسان في دنياه وآخرته، جربناها قرونًا، ونعمل جاهدين للعودة إليها بصدق وإخلاص موضوعية، وأملنا أن يمدنا الله بقوته، ويسدد خطانا، وسندنا في ذلك قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا وإن الله لمع المحسنين) (العنكبوت: 69) .

إن شهادتنا على العالم شهادة علم ومعرفة وهداية، وحين سقطنا في الجهل ذهبت أهلية تلك الشهادة، بل صرنا مشهودًا علينا، وإن صارت شهادة"زور"، وعوملنا - وما نزال - أسوأ معاملة. كل حسن لدينا فهو مأخوذ من (الغير) ، وكل قبيح يشنع به علينا.

القنابل تنفجر، والسيارات المفخخة تنفجر في إيرلندا أسبوعيًا، ومنذ نصف قرن تقريبًا، لكن لا أحد يقول هذا إرهاب كاثوليكي أو بروتستانتي.. فإذا استعمل السلاح فرد مسلم غير منضبط، صرخ الإعلام: إرهابي مسلم، وإذا قام طبيب يستعمل سلاحًا حكوميًا، ورش الناس وهم يصلون في الخليل، وهم في حالة سجود يقال لنا هذا رجل"مختل"!

لقد صار الإرهاب حكرًا على المسلم، في الإعلام الغربي، وحيثما أطلقت رصاصة، يسند الفعل لمسلم، قبل أن يعرف الفاعل، إنها شهادة مزورة تتعالى منها رائحة العنصرية النتنة!

إن الشهادة على الناس في حقيقتها، إظهار للحق، وتبيينه وتبليغه للناس (34) . وطبيعي أن تقوم على معرفة الحق، الذي يراد بيانه وتبليغه، ومعرفة الحق"العلم"، وإذن فينبغي أن تكون الشهادة قائمة في أصلها وأساسها على"العلم"، فشهادة العلم هي الشهادة المطلوبة.. وبهذه المناسبة أجد من المفيد أن أستطرد، بهدف إيضاح قضية، قد يكون فيها نوع من الغموض، فالعلم متى كان وصفًا موضوعيًا، وجوابًا عن"كيف"، فلا اعتراض، ولكن الاعتراض على فلسفة العلم فقط، وهذا يشاركهم فيه بعض علماء الغرب مثل"يهوم ومل".

يقول د. الموصلي (35) :"من الواضح أن الأصوليين لا يرفضون العلوم بحد ذاتها، بل فلسفتها، فالعلوم عندهم وسيلة وأداة، وهذا مشابه لما دعا إليه"ستيورت مل"في قوله: إن العلم هو وصف وظائفي لحقائق ناتجة عن الملاحة والتجربة."

فآراء الأصوليين كآراء (مل وهيوم) وهي ضد هذا التنظير الفكري، لأنها تشك في قدرة الإنسان على التوصل للحقيقية، سواء أكان ذلك عن طريق الفلسفة أم العلوم، أم فلسفة العلوم"."

إن فلسفة العلوم قد تحولت إلى دين، لكنه ليس دينًا جديدًا فقط، بل فوق الأديان كلها.

وصار البعض يعتقد أن العلم قد اكتشف أسرار الكون، وهو قادر على حل كل المشاكل، وكل قضية لا يحلها العلم، فهي مشكلة"ميتافيزيقية"زائفة، وهنا مكمن الخطر، ومن هنا يأتي الاعتراض على"كهنة العلم".

شهادة المعرفة:

إن الشهادة تتطلب معرفة، ولا تقبل شهادة من غير معرفة، وإذا شك الشاهد في شهادته سقطت، فكيف إذا لم يكن له علم ولا معرفة؟!

ولكن السؤال: هناك اليوم علوم ومعارف أكثر من أن تعد وتحصى، فما المقصود بالمعرفة هنا؟

"تعنى شهادة العلم في سياق جعل الأمة الإسلامية شاهدة على الناس، أن تكون هذه الأمة قائمة في عقيدتها وفي عملها على السعي الدائم للعلم بالحقائق، وتأسيس الحياة عليها، بعيدًا عن كل منزع خرافي أو وهمي أو أسطوري، في تصور"الوجود والحياة"، وذلك ما يفسر تلك الدعوة الدؤوب إلى العلم، التي جاءت مبثوثة في تعاليم الدين، بشكل لا يوجد له نظير في أي دين آخر، حتى جاءت قيمة العلم في المذهبية الإسلامية، تتبوأ الدرجة الأولى في سلم القيم، وتنبني عليها كل القيم الأخرى" (36) .

واستذكر ما سبق نقله عن حجة الإسلام الغزالي، بأن ثمة تلازمًا قويًا بين علوم الدين وعلوم الدنيا، فمن تعلم علمًا واحدًا فلا يكفي. من تعلم علوم الحياة فقط فلا نصيب له في الآخرة، ومن تعلم علوم الدين وجهل علوم الحياة فإن فهمه للدين سيكون ناقصًا.. وإذن فلا بد من العلمين معًا.

كما لا بد أن يكون العلم شاملًا كي تصل الأمة الإسلامية إلى موقع تشع فيه على البشرية الخير، وهنا لا بد من معرفة جيدة بالتحضر، والكيفية المناسبة له، وهذا يتطلب معرفة جيدة بالدين، والكون والبشر، وبدون هذه المعرفة الشاملة ستتعذر الشهادة، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولن يجني من الشوك العنب.

2-المعرفة بالدين:

منطلق المسلم دينه، فمعرفته جيدة سليمة، تسهل الانطلاق.. والإسلام دين سهل، يخلو من التعقيد، ولذا كان الصحابي يدركه بيسر وسهولة، كما يدرك أهدافه وأبعاده.

لقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه لليمن لجمع الزكاة، فطلب إلى أهل اليمن أن يعطوه قماشًا بدلًا من الزكاة العينية، وعلل ذلك بقوله (37) :"إنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة".. وحين فتحت العراق على عهد الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، رفض توزيع الأرض على المجاهدين، وبقي ستة أشهر يناقش كبار الصحابة، وكانت حجته أنه يريدها موردًا لبيت المال أولًا، وكي لا يتحول المجاهدون إلى مزارعين، ويتركوا الجهاد.

وروي أن على بن أبي طالب رضي الله عنه سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم:"غيّروا الشيب ولا تشبهوا باليهود"فقال: إنما قال عليه الصلاة والسلام ذلك والدين قُلّ - أي المسلمون قلة - فأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه، فأمرؤ وما اختار (38) .. والشواهد كثيرة.

إن الإسلام نصوص من كتاب الله وسنة رسوله، والأخذ منها مباشرة سهل ميسور، متى علم الإنسان العربية، مفردات ودلالات وعلم أسباب النزول وكليات الشريعة.

إذن ليس المقصود بالعلم بالدين، العلم المتخصص، فذلك من نصيب نخبة من علماء الشريعة، ولكن المقصود قدر مشترك من المعرفة الصحيحة، تشتمل على أصول العقيدة، ومتطلبات العبادة الصحيحة، والأخلاق الإسلامية، بعيدًا عن التأويلات الباطنية، والتي ترفضها اللغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت