فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 1942

وقدر الإسلام ما تعانيه الأم في الحمل والولادة والرضاعة والتربية، ونظر إلى عاطفتها تجاه أبنائها ولو قسوا عليها فدعا إلى البر بها ثلاثًا.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:"جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟! قال: أمك. قال ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك" (5) .

فللأم الحق الأوفر من البر، كما جاء في الحديث الشريف، وقد يتعدى هذا التعامل الرفيق الوالدين المسلمين، ليشمل الوالدين غير المسلمين.

"عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما -، قالت: قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله فاستفتيت رسول الله، وقلت: قدمت عليّ أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟! قال: نعم، صلي أمك" (6) .

هذه هي مكانة الوالدين في ديننا، وهي الأواصر الطيبة التي تؤكدها نصوص الكتاب والسنة، وقد ترجمت إلى واقع حيّ في سيرة سلفنا الصالح، والأجيال التالية على مر التاريخ، إلا ما أفسدته الحضارة الوافدة عند الذين ينعقون بمبادئها.

وفي سيرة سلفنا الصالح أمثلة رائعة:

تعبر عن التطبيق العملي لتوجيهات الشريعة الغراء، وهي محل للقدوة والاتباع.

فمن روائع البر ما روته السيدة عائشة - رضي الله عنها - قالت:"كان رجلان من أصحاب رسول الله أبر من كان في هذه الأمة بأمهما (عثمان بن عفان، وحارثة بن النعمان) - رضي الله عنهما -."

أما عثمان فإنه قال: ما قدرت أن أتأمل وجه أمي منذ أسلمت، وأما حارثه، فكان يطعمها، بيده، ولم يستفهمها كلامًا قط تأمر به، حتى يسأل من عندها بعد أن يخرج، ماذا قالت أمي؟!" (7) ."

وقال أبو هريرة لرجل وهو يعظه في بر أبيه:"لا تمش أمام أبيك، ولا تجلس قبله ولا تدعه باسمه" (8) .

فأكرم به من أدب سام، وأنعم به من احترام يليق لمكانة من ضحى وربى وتعب وعلم، وبذلك يبقى الشيخ المسلم عزيزًا مكرمًا بين أبنائه وذريته، العاملين بتعاليم دينهم الحنيف.

وسئل الحسن - رضي الله عنه -، ما بر الوالدين؟"قال: أن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما فيما أمراك ما لم يكن معصية، ثم قال: أما علمت أن نظرك في وجوه والديك عبادة، فكيف بالبر بهما" (9) .

وحدث أبو بردة بن أبي موسى الأشعري:"أن ابن عمر شهد رجلًا يمانيًا يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره يقول:"

إني لها بعيرها المذلّل

إن أُذعرتْ ركابُها لم أُذعرْ

الله ربي ذو الجلال الأكبر

حملتها أكثر مما حملت

فهل ترى جازيتها يا ابن عمرْ

ثم قال: يا ابن عمر! أتراني جزيتها؟! قال: لا ولا بزفرة واحدة" (10) ."

والصور الناصعة في البر، أكثر من أن يضمها كتاب، لأنها من ثمرات الإيمان الذي ترسخ في النفوس، ونكتفي هنا ببعض النماذج النيرة: فهذا ذر بن عمر بن ذر: كان مثالًا للبر بوالده، قال والده ردًا على سؤال وجه إليه: كيف كان ولدك في عشرته معك؟! قال:"ما مشى معي قط في ليل إلا كان أمامي، ولا مشى معي في نهار إلا كان ورائي، ولا ارتقى قط سقفًا كنت تحته".

وهذا حيوة بن شريح: وهو أحد أئمة المسلمين كان يترك الدرس طاعة لأمه، كان يقعد في الدرس يعلم الناس، فتقول له أمه: قم يا حيوة فألق الشعير للدجاج، فيقوم ويترك التعليم" (11) ."

فليت شبابنا وبناتنا، يستوحون هذه المعاني السامية، في تعاملهم مع والديهم.

وقد شاعت قصص البر في المجتمعات الإسلامية قديمًا وحديثًا، حتى صارت مضرب الأمثال.

الإحسان وصلة الرحم:

دعا الإسلام إلى صلة الأرحام، وتوثيق الروابط الأسرية، والإحسان إلى الأهل عمومًا، مصداقًا لقوله - تعالى:"واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا 1" {النساء: 1} .

وقال - تعالى - محذرًا من قطيعة الأرحام:"فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم 22 أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى"أبصارهم 23" {محمد: 22، 23} ."

وقال - عليه الصلاة والسلام:"من أحب أن يبسط له في رزقه وينشأ له في أثره فليصل رحمه" (12) .

وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"قال رسول الله: الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" (13) .

فبعد الوالدين، لبقية الأقارب منزلة رفيعة، كالإخوة والأخوات والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، والآباء والأمهات، بالرضاعة قال - تعالى:"واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم 36" {النساء: 36} .

وللجيران وأهل الحي، وأصدقاء الوالدين مكانة يحث الإسلام على رعايتها. فقد جاء في الحديث الشريف قوله:"ما زال جبريل يوصني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (14) .

وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله يقول:"إن من أبرّ البر، صلة الرجل أهل ود أبيه، بعد أن يولي" (15) .

ويعتبر العقوق من الكبائر المحرمة في شرع الله:

وقد وردت الأحاديث الكثيرة، مؤكدة حرمة العقوق وقطيعة الرحم.

روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - عن النبي قال:"الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس" (16) .

وعن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثًا) ..قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها، حتى قلنا ليته سكت" (17) .

والعقوق من الذنوب التي يعجل الله فيها العقوبة في الحياة قبل الممات.

فقد روى الحاكم حديثًا وصححه، عن أبي بكرة، عن النبي قال:"كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلاعقوق الوالدين، فإن الله يعجّله لصاحبه في الحياة قبل الممات".

وفي حياتنا المعاصرة أمثلة كثيرة تحكي آثار العقوق الأليمة على أصحابها، يلمسونها في ضيق معاشهم، وفي الكوارث والآلام، وعذاب الآخرة أشد وأبقى.

الآباء والمسنون في حضارة الغرب المادية:

عرفنا فيما سبق اهتمام الإسلام بالمسنين عمومًا وبالوالدين خصوصًا، فكان من أهم ما تباهي به الأسرة المسلمة، هو استقرارها وتوازنها، وتعاطفها وتعاونها.

أما حضارة الغرب المادية فلها شأن مخالف، ففي زمن طغيان المادة، تحتاج البشرية إلى من يذكرها بالمعاني الإنسانية السامية، والقيم الإسلامية الرفيعة.

لقد أصبحت الحيوانات في تلك الحضارة تتفوق أحيانًا على رعاية المسنين، ولاسيما المرضى والعجزة، فقد انتهت صلاحياتهم، ولم يعدلهم ما يقدمونه لبلادهم، ولذلك أهملوا ورمي بهم في زوايا قديمة بانتظار أن يأخذهم الموت.

وهذا ما جعل النائب الديمقراطي الأمريكي"كلودبير".

يقول:"إن وضع المسنين في أمريكا عارٌ وطني مرعب".

وذلك في معرض تعليقه على تقرير أعدته لجنة في مجلس النواب الأمريكي، بعد دراسة استمرت ست سنوات جاء فيها:"إن أكثر من مليون مسن ومسنة، تجاوزت أعمارهم (65عامًا) يتعرضون لإساءات خطيرة، فيضربون ويعذبون عذابًا جسديًا ونفسيًا، وتسرق أموالهم من قبل ذويهم."

كما أن هذه الإساءات، ليست مقتصرة على طبقة اجتماعية معينة، بل إنها تحدث في كل طبقات المجتمع على حد سواء، في المدن والقرى والأرياف.

ومن أبشع ما ورد في هذا التقرير:

أن امرأة قامت بتقييد أبيها البالغ من العمر (81عامًا) بسلسلة وربطته أمام الحمام، وأخذت تعذبه لعدة أيام!!

وقد أكد التقرير أن الإساءة للمسنين، تأخذ عدة أشكال، منها الضرب والإهمال والحرمان من الطعام والشراب وقد يصل الأمر إلى القتل أحيانًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت