ويعلق النائب:"كلودبير"قائلًا:"لا أحد يدرك حتى الآن أبعاد هذه المشكلة المرعبة، ولا يرى أحد أن يعترف بما يجري، لقد تجاهلنا المشكلة لأنها مخيفة، لدرجة تمنعنا من الاعتراف بوجودها، ولا نريد أن نصدق أن مثل هذه الأشياء، يمكن أن تحدث في دولة متحضرة."
وتضيف الدكتورة"سوزان ستايتمتر"أستاذة الدراسات العائلية في جامعة"ملاوير"تقول:"لقد تعودنا طوال تاريخنا على الإساءة للمسنين، إننا نميل إلى العنف البدني، وقد أصبح هذا جزءًا ثابتًا من طبيعة عائلات كثيرة تسيء للمسنين، بالعنف والاضطهاد، وأصبح إهمالهم وعدم الرفق بهم، أو حتى نجدتهم من الأمور الشائعة في المجتمعات الأوربية" (18) .
أما في الإسلام: فقد نصت الآيات والأحاديث على ضرورة احترام المسنين وحسن رعايتهم.
قال - عليه الصلاة والسلام:"ليس منا من لا يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا" (19) .
صور من مآسي المسنين في الدول الصناعية:
يعيش الوالدان في تلك الديار في حالة بائسة، فلا يسأل الولد عن أمه ولا أبيه، ولا ينفق عليهما، ولو كانت حاجتهما شديدة.
فكم من رجل مسن وامرأة مسنة يموتان في أوربا وأمريكا في كل عام من البرد والجوع!!
نعم، هنالك آلاف الأشخاص من الطاعنين في السن، يموتون بسبب البرد والجوع في بلاد الحضارة المزعومة!!
وقد تبقى الجثة في الشقة أيامًا دون أن يحس بها أحد، إذ يعيش معظم هؤلاء الشيوخ بمفردهم، فلا يزورهم أحد إلا نادرًا، وقد لا يرون إلا مندوب الضمان الاجتماعي في كل شهر مرة (20) .
حدثني أخ أثق بدينه"كان يدرس الطب في بريطانيا"أن صديقًا له، كان يعمل مناوبًا في أحد المستشفيات هنالك، وكان قد توفي رجل مسن في تلك الليلة عنده، فأحب أن يعزي أسرة المتوفى، واتصل بولده في الساعة الثانية عشرة ليلًا، وعزاه بوفاة والده على وجل.
فما كان من الابن العاق إلا أن امتعض من هذا الاتصال وقال: أتتصل بي في هذه الساعة المتأخرة من الليل، لتخبرني بوفاة والدي؟! وماذا تنتظر مني أن أفعل؟!
أنا مسافر صباحًا لمدة ثلاثة أيام، ضعوه في الثلاجة، وسأراجعكم حين عودتي، من أجل استلام الجثة (21) .
فظاهرة العقوق ظاهرة عامة في المجتمعات الغربية، وفي الدول الشيوعية، لقد تجمدت العواطف، ونضبت معاني الإنسانية، وفسدت الفطرة لديهم.
وهذه المعاني من الجحود والنكران، غريبة على تقاليد العرب حتى في جاهليتهم، ممقوتة بغيضة ومحرمة في شريعتنا الحنيفة، ولكن كثيرًا من المفتونين بحضارة التيه والضياع لا يعلمون حقائق الأمور.
وإذا كان الأبناء عاقين، فهم يردون الصاع صاعين لذويهم؛ لأنهم أهملوهم صغارًا، انظر إلى الخبر التالي:"نشرت جريدة الشرق الأوسط خبرًا مفاده أن امرأة مطلقة من بريطانيا تدعى"مانيس جاكسون"، عرضت ابنها الوحيد للبيع بمبلغ ألف جنيه، والمبلغ يشمل ملابس الطفل وألعابه، وقالت: إنها تبيع ابنها؛ لأنها لا تستطيع الإنفاق عليه، وليس لديها دخل لإعاشته" (22) .
وقد نشرت الصحف قريبًا، قصة الشاب الذي رضي أن يؤوي أمه العجوز في بيته، مقابل أن تقوم بخدمته وخدمة زوجته وأولاده، وتنظف بيته، ويعتبر هذا كرمًا من هذا الولد البار بأمه" (23) ."
وقصص القوم ببؤسها وشقائها، تكاد لا تنتهي، وهذا هو الجحيم المعاصر في حضارة الشقاء والضياع، إلا أن المفتونين بتلك الحضارة ما زالوا يزينون الشقاء لمن لا يعرفه.
ومن غرائب الجاهلية المعاصرة:"أن شرطة الاحتلال الصهيوني، اعتقلت شابًا، قتل والده بمساعدة الطبيب الذي كان يتولى علاجه."
وبينت التحقيقات أن الشاب"يوسف زوهر"طمع في أموال والده، ومن ثم فقد وعد الطبيب المشرف على علاج والده بحصة معتبرة إن ساعده على قتل والده.
فقام طبيب الموت بفصل جهاز التنفس عن المريض، ووقف يرقب المغدور، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، دون تقديم أية مساعدة له.
وقد وجهت الشرطة للابن تهمة القتل مع سبق الإصرار والترصد" (24) ."
ودولة إسرائيل تعتبر امتدادًا لحضارة الغرب بكل شرورها ونكدها.
فمعاني الإنسانية نضبت في نفوس القوم، وصار تقديم القليل الزهيد، يعتبر شيئًاِ ضخمًا وعظيمًا.
يقول أحد الأطباء العاملين في بريطانيا:"كنت أعجب من أحد الشيوخ المرضى، الذين كنت أقوم بعلاجهم في أحد المستشفيات التي كنت أعمل فيها، في إحدى ضواحي مدينة لندن، فقد كان الرجل لا يمل من الكلام عن ابنه البار الذي ليس له نظير في عالم اليوم."
ولم أر ابنه يزوره أبدًا، فسألته عن ولده، أمسافر هو؟! فأجاب لا، إنه موجود، ولكنه لا يأتي لزيارتي إلا يوم الأحد، فقد عودني ذلك منذ سنين عديدة.
تصور يا دكتور! كان يأتيني كل يوم أحد حاملًا معه باقة من الورود، ونذهب سويًا لنضعها على قبر أمه.
ولما سألته: هل ينفق عليه؟! قال: لا أحد ينفق على أحد في هذه البلاد.
إنني أستلم كذا من الجنيهات، من الضمان الاجتماعي، وهي لا تكاد تكفيني للقوت والتدفئة، ولكن هل هناك أحد في الدنيا مثل ولدي، الذي يزورني كل يوم أحد منذ سنوات؟!
يقول الدكتور: وما أحببت أن أصدم الأب المسكين، وأقول له: إن الإسلام يعتبر ولده عاقًا، إلا أن المستوى الأخلاقي الهابط، وشيوع العقوق، وغلبة الغدر بدلًا من الوفاء، كل ذلك يجعل مجرد زيارة الولد لأبيه مرة في الأسبوع قمة في البر والصلة (25) .
هذه الحضارة الوافدة من ديار الغرب، أو من ديار الشرق الشيوعي"أو البوذي والهندوسي"ربما جعل بعض المفتونين بها، ينعقون بمعطياتها، ويتناسون التعاليم السامية في ديننا وتراثنا وقيمنا العريقة، ويقعون في عقوق أثيم، وجحود قبيح.
فالحمد لله الذي أنعم علينا بهذا الدين، الذي يجعل مجرد التأفف من الوالدين عقوقًا وجحودًا:
"فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما 23 واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا 24" {الإسراء: 23، 24}
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
1-في ظلال القرآن: المجلد الرابع ص: (221-222) بتصرف يسير.
2-رواه الإمام البخاري في صحيحه.
3-رواه الإمام مسلم في صحيحه.
3-"ورغم أنفه: أي لصق بالرغام وهو التراب"، ينظر: الترغيب والترهيب ج3، ص: (318) .
4-رواه أبو داود ينظر: الترغيب والترهيب: ج3، ص: (315) .
5-رواه البخاري ومسلم.
6-متفق على صحة الحديث"أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود"،"ينظر شرح السنة: ج3، ص: (13) "، والترغيب والترهيب: ج3، ص: (322) ،"ومعنى راغبة: أي طامعة فيما عندي، تسألني الإحسان إليها".
7-صلاح الأمة في علو الهمة: د. سيد العفاني، ج (646/5) .
8-9- شرح السنة للإمام البغوي، ج13، ص: (27) .
10-رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد، وابن المبارك في البر والصلة.
11-صلاح الأمة في علو الهمة: د. سيد ابن حسين العفاني، ج (653/5) .
12-13- الحديثان رواهما الإمام البخاري - رحمه الله -.
14-متفق عليه، عن السيدة عائشة - رضي الله عنها -، ينظر صحيح الجامع الصغير: ج (984/2) .
15-صحيح مسلم رقم: (2552) ، وينظر شرح السنة للبغوي: ج (13) ، ص: (330) .
16-الترغيب والترهيب للمنذري، ج (326/3) ."واليمين الغموس: الكاذية الفاجرة، التي يقتطع بها الحالف مال غيره، سميت غموسًا لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار".
17-رواه البخاري ومسلم والترمذي"ينظر: الترغيب والترهيب، ج (326/3) ".
18-مجلة الأسرة، العدد (105) بعنوان: المسنون في ديننا وحضارتهم"، من مقال لخالد ابن ناجم الشريف."