ومن ثم هذه دراسة في القنوت، تشرح معناه في لغة القرآن الكريم، وتفسر الآيات التي جاء فيها ذكر القنوت، مع بيان مشروعية قنوت النوازل، وضرورته في عصرنا هذا، وتبين آداب القنوت، وأحكامه، ومذاهب الفقهاء في وقته، ومحله، وما يجزىء من القنوت، وألفاظه، وشرح غريبه، وسعة الهدى النبوي في ذلك.
وأهم شيء في القنوت، أن يتحقق من يدعو، بالمعاني الجامعة لكلمة القنوت: من الاشتغال بذكر الله، والخشوع في الصلاة، والقيام، وأن يدعوه سبحانه وتعالى، مقرين له بالعبودية، مخلصين له الدين: (وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) (البينة:5) ، وحقًا: (إنما يتقبل الله من المتقين ) (المائدة:279) ، ثم إنه: (لن ينال الله لحُومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) (الحج:37) ، والمؤمنون يعتمدون في أعمالهم كلها، على عناية الله، ويتوكلون عليه وحده: (قل هو الرحمن ءامنا به وعليه توكلنا ) (الملك:29) .
ونحن مندوبون إلى سؤال الله تعالى، ودائه، مفتقرين إليه، منكسرين له، حتى نكون أقرب للإجابة، ونيل المطلوب، كما وجهنا نبينا صلى الله عليه وسلم: (إنما تنصرون، وترزقون بضعفائكم، بدعائهم، وصلاتهم، وإخلاصهم ) (1) .
والله تعالى نسأله أن يجعلنا من عباده القانتين.
دواعي الكتابة عن القنوت:
وهي كثيرة، علمية، وعملية على نحو ما يلي:
1-دواعٍ علمية:لبسط العلم، ونشر سننه، وآدابه، وذلك لما يلي:
(أ) خفاء فقه القنوت.
(ب) تعدد الآراء الفقهية، وتباين مواقف العلماء.
(ج) التنازع حول مسألة القنوت.
(د) غفلة الأمة عن القنوت.
2-دواعٍ عملية:نواجهها في حياتنا، مع واقع المسلمين، اليوم، ومن ذلك:
(أ) الهجمة الشرسة من الكفار على المسلمين، بمختلف الأشكال، والأنواع، والصور.
(ب) ظلم بعض حكام المسلمين، للانفصام الحادث في مواقفهم، وأحكامهم، بين السلطان والقرآن، وبين السيف، والقلم، مع التبعية المخزية للكفار، وموالاة غير المؤمنين.
(ج) غفلة عامة المسلمين، عن هذا الواقع المرير، وإنه لمن النوازل حقًا، عدم اعتبارالمسلمين لذلك، وعدم انتباههم إلى أن ما حل بالمسلمين في مشارق الأرض، ومغاربها، يستدعي قراءة قنوت النوازل.
(د) حالة الضيق والتمزق، الذي قد يصيب بعض من نذر نفسه، أن يكون مصلحًا، فيواجه مكر الليل والنهار، وليس له إلا أن يخلص في دعائه، والتجائه إلى ربه.
(هـ) دعوة المسلمين كافة، للإكثار من القنوت، والتوسع فيه، وعدم التعرض لمن يقنت، لأن الأمر في فقه الدين، واسع.
(و) أهمية القنوت في تزكية النفوس، وإعلاء القيم الروحية، وتوثيق صلة العباد بربهم، والاهتمام بأمر المسلمين، وتنمية العلاقات الأخوية، والاجتماعية.
لأجل هذه الدواعي مجتمعة، كان هذا الفصل، ولنتقرب بذلك كله إلى ربنا جل جلاله، وهو قريب ممن دعاه: (وإذا سألك عبادي عني فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون ) (البقرة:186) . ونشرع في بيان المقصود، والله المستعان:
أولًا: معاني القنوت في اللغة
قنت* القنوت:
يرد القنوت في لسان العرب، على المعاني التالية:
1-الإمساك عن الكلام، والسكوت.
2-الدعاء والتسبيح.
3-الصلاة.
4-الدعاء في الصلاة.
5-الخشوع والإقرار بالعبودية.
6-القيام.
7-إطالة القيام.
8-القيام بالطاعة، التي ليس معها معصية.
فيصرف في كل واحد من هذه المعاني، إلى ما يحتمله اللفظ في سياقه، من آية، أو حديث، أو عبارة.
(أ) قال ابن سيده، فيما نقله عنه ابن منظور، في كتابه: (لسان العرب) :القنوت الطاعة، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى: (والقانتين والقانتات ) (الأحزاب:35) ، ثم سمى القيام في الصلاة قنوتًا، ومنه قنوت الوتر.. والقانت:المطيع.
القانت:الذاكر لله تعالى، كما قال عزوجل: (أمن هو قانت ءاناء الليل ساجدًا وقائما ً) (الزمر:9) .
وقيل: القانت:العابد.
والقانت في قوله عزوجل: (وكانت من القانتين ) (التحريم:12) ، أي من العابدين.
والمشهور في اللغة، أن القنوت الدعاء. وحقيقة القانت أنه القائم بأمر الله، فالداعي إذا كان قائمًا، خص بأن يقال له:قانت، لأنه ذاكر لله تعالى، وهو قائم على رجليه.. فحقيقة القنوت:العبادة، والدعاء لله عزوجل، في حال القيام، ويجوز أن يقع في سائر الطاعة، لأنه إن لم يكن قيامًا بالرجلين، فهو قيام بالشئ بالنية.
قال ابن سيده:والقانت القائم بجميع أمر الله تعالى (2) .
(ب) وجاء في مفردات الراغب الأصفهاني، في تفسير معنى القنوت، أنه:
لزوم الطاعة مع الخضوع، وفسر بكل واحد منهما في قوله:
1- (وقُومُوا لله قانتين ) (البقرة:238) ، وقوله تعالى: (كل له قانتون ) (البقرة:116) ، (الروم:26) ، قيل: خاضعون، وقيل: طائعون.
2-وقيل:ساكتون، ولم يعن به كل السكوت، وإنما عنى به ما قاله عليه الصلاة والسلام: (إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي قرآن وتسبيح ) ، وعلى هذا قيل:أي الصلاة أفضل ؟ فقال: (طول القنوت ) ، أي الاشتغال بالعبادة، ورفض كل ما سواه. وقال تعالى: (إنّ إبراهيم كان أمةً قانتا ً) (النحل:120) ، (وكانت من القانتين ) (التحريم:12) ، (أمن هو قنت ءانآء اليل ساجدًا وقآئمًا ) (الزمر:9) ، (اقنتى لربك ) (آل عمران:43) ، (ومن يقنت منكن لله ورسوله ) (الأحزاب:31) ، (والقانتين والقانتات ) (الأحزاب:35) ، (فالصالحات قانتات) (النساء:34) (3) .
(ج) وفي زاد المعاد (4) :أن القنوت يطلق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخشوع، كما قال تعالى: (وله من في السماوات والأرض كل له قانتون ) (الروم:26) ، وقال تعالى: (أمن هو قانت ءانآء اليل ساجدًا وقآئمًا يحذر الأخرة ويرجوا رحمة ربه ) (الزمر:9) .
وقال تعالى: (وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) (التحريم:12) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( أفضل الصلاة طول القنوت ) (5) ، وقال زيد بن أرقم: (لما نزل قوله تعالى:(وقوموا لله قانتين ) (البقرة:238) ، أمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام (6) ، وقد نظم الشيخ الحافظ زين الدين العراقي، معاني القنوت، على ما يلي (7) :-
ولفظ القنوت أعدُد معانيه تجد مزيدًا على عشر معاني مَرْضِيَّة
دعاءُُ، خشوع، والعبادة طاعة إقامتها إقرارُهُ بالعبودية
سكوتُُ، صلاة، والقيام، وطوله كذاك دوام الطاعة الرابح القنية
ثانيًا:معاني القنوت في القرآن الكريم
لقد جاء ذكر القنوت، في القرآن الكريم، في ثمان سور، في اثني عشر موضعًا، وثلاثه مواضع منهن مكية، في النحل، والروم، والزمر، وبقيتهن مدنيات، في سور: البقرة، وآل عمران، والنساء، والتحريم، والأحزاب.
تدور معاني القنوت في هذه المواضع، على الطاعة، والاستجابة، والاستكانة، والخضوع، والخشوع، والإقرار بالعبودية، ثم تأتي بمعنى الطاعة عامة، والطاعة لله عزوجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والطاعة في سكون، والطاعة في خشوع، والخشوع في الصلاة، وطول الركوع في الصلاة.
وعليه، فالقانت هو الخاشع، المطيع لله ورسوله، العابد، الراكع، المستكين له، الخاضع لأمره، الخاشع في صلاته، الذي يطيل في صلاته، وركوعه.
والقنوت مرتبة عالية، لأنه يُذْكر بعد الإسلام، والإيمان، ولهذا فالإسلام بعده مرتبة يرتقى إليها، وهو الإيمان، ثم القنوت ناشيء عنهما.
وهذا بيان تفصيلي، للمواضع التي جاء فيها لفظ القنوت، مع تفسير موجز لمعنى القنوت، في كل موضع، مع تصنيف الآيات موضوعيًا:
الكون كله قانت لله: