وقد أعد معاذ بن جبل، رضي الله عنه، نفسه للقاء الله، بل إن أهله كانوا مثله، فإنه لما أصاب ولديه الطاعون قبله، استبشر معهما بلقاء الله، قال لهما: كيف تجدانكما؟
قالا:يا أبانا (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) (البقرة:147) ، قال:وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين (34) .. ثم إن معاذ بن جبل استقبل الموت بحفاوة بالغة، وذلك في طاعون عمواس، بناحية الأردن، سنة ثمان عشرة من الهجرة، وله من العمر حينئذٍ ثلاث وثلاثون سنة. ولما شعر بدنو الأجل، هتف: مرحبًا بالموت مرحبًا، زائر مُغب، حبيب جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك، إنك لتعلم أني لم أكن أحب الدنيا، وطول البقاء فيها، لكري، الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب، عند حلق الذكر (35) .
وقد خص الله تعالى معاذ بن جبل رضي الله عنه، بجملة فضائل، من السبق في الإسلام، والبيعة، والعلم، والعمل والزهد، والورع، والكرم، والجود، والتعبد، والاجتهاد. شهد بيعة العقبة، وبدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأردفه وراءه، وبعثه إلى اليمن، بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشيًا في مخرجه، وهو راكب.
وهو مع ذلك، متواضع، يقول إذا قام يتهجد من الليل، يناجي ربه: اللهم قد نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت حي قيوم، اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هدى، ترده إلى القيامة، إنك لا تخلف المعياد (36) .
4-أبو طلحة الأنصاري.. رجل كألف:
أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من الرماة المذكورين، يقي بصدره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قوي التأثير على العدو، حتى قال صلى الله عليه وسلم (لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة ) (37) ، وفي رواية أخرى: (لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة ) .
وكان من أكثر الأنصار مالًا، ولما نزل قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) (آل عمران: 92) ، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوقف أمواله إليه، وجعلها صدقة في سبيل الله على الأقربين، وبني عمه (38) وعن أنس، أن أبا طلحة، ما أفطر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا في مرض، أو سفر، حتى لقي الله. وعنه: أن أبا طلحة، غزا البحر، فمات، فلم يوجد له جزيزة يدفن فيها، سبعة أيام، فلم يتغير (39) .
5-عبدالله بن رواحة.. الفدائي المقدام والصوّام:
عبدالله بن رواحة بن ثعلبة بن امريء القيس، يكنى أبا محمد، أحد النقباء الاثني عشر، وشهد العقبة مع السبعين، وبدرًا، وأحدًا، والخندق، والحديبية، وخيبر، وعمرة القضاء. واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المدينة في عزوة بدر الموعد (بدر الآخرة) ، وبعثه في سرية في ثلاثين مجاهدًا، إلى أسير بن رزام اليهودي، بخيبر، فقتله، وأرسله إلى خيبر خارصًا.
وعن أبي الدرداء قال:لقد رأيتنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، في بعض أسفاره، في اليوم الحار، الشديد الحر، حتى إن الرجل ليضع يده على رأسه من شده الحر، وما في القوم صائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبدالله بن رواحة (40) .
6-أبو دجانة.. يبايع على الموت:
أبو دجانة سماك بن خرشة، شهد بدرًا، وأحدًا، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يومئذٍ، وبايعه على الموت، وقتل بعد اليمامة شهيدًا.
كان سليم الصدر، يحفظ وقته ولسانه، فلا يتكلم فيما لا يعنيه، فعن زيد بن أسلم، قال:دُخل على أبي دجانة وهو مريض، وكان وجهه يتهلل، فقيل:ما لوجهك يتهلل ؟ فقال:ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنين، أما أحدهما فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا (41) .
7-خُبيب بن عدي.. أول شهيد سن صلاة ركعتين بين يدي القتل:
وهذا خبيب بن عدي بن مالك، شهدًا أحدًا مع النبي صلى الله عليه سلم، وكان فيمن بعثه مع بني لحيان، فأسروه هو وزيد بن الدثنة، فباعوهما من قريش، فقتلوهما، وصلبوهما بمكة، بالتنعيم. ولما خرجوا به من الحرم، ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب:دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، وقال:والله لولا أن تحسبوا أن ما بي من جزع، لزدت: (اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا) .
وقال:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا *** على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلوٍ ممزع
وكان خبيب، هو الذي سن هذه الصلاة لكل مسلم، ويستبشر بلقاء الله عز وجل، فيصلى بين يدي تقديمه للقتل، رحمه الله، وأحسن لقاءه (42) .
نماذج من مجاهدي التابعين لهم بإحسان
1-صله بن أشيم العدوي.. شهيد من أهل الذكر والذاكرين:
وهذا نموذج لرجل من التابعين، وهو صلة بن أشيم العدوي، من كبار التابعين، من أهل البصرة، وكان ذا فضل وورع، وعبادة، وزهد، كان يصلي ما يستطيع أن يأتي الفراش إلا حبوًا، وله مناقب كثيرة جدًا. وكان يكثر من صلاة الليل في الغزوات، التي يشارك فيها، مقاتلًا مع الجيش، وقال رجل لصله:ادع الله لي.. فقال: ( رغبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ورزقك اليقين، الذي لا يرجى إلا إليه، ولا يعَّول في الدين إلا عليه) .
وكان صله في غزاة، ومعه ابنه، فقال:أي بني، تقدم فقاتل، أحتسبك.. فحمل فقاتل حتى قتل، ثم قاتل صله، حتى قتل.
واجتمع النساء عند امرأته، معاذة العدوية، فقالت:إن كنتن لتهنيئنني، فمرحبًا بكُن، وإن جئتن لتعزينني، فارجعن (43) .
2-عبدالله بن المبارك.. فقيه محدث، من أهل الذكر والجهاد:
وهذا عبدالله بن المبارك، أحد أئمة المسلمين، أدرك جماعة من التابعين، وروى عن كبار الأئمة، رجل جمع الله له بين العلم الغزير، والعمل الوفير، والإحسان الجزيل، والجهاد المتصل، فكلما سمع صيحة، لبى النداء، وهو مع ذلك كثير النفع لعباد الله، بعلمه، وماله، ويعتني في ذلك بأهل العلم، ورفقة الحج، ويجتهد في إدخال السرور على المسلمين.
وابن المبارك، كثير الخشية، والمراقبة لله عزوجل، فإذا أدرك محل استجابة الدعاء، سأل الله أن ينجيه من ظمأ يوم القيامة.. وفي هذا المعنى، يقول سويد بن سعيد:
رأيت عبدالله بن المبارك بمكة، أتى زمزم، فاستقى منها، ثم استقبل الكعبة، فقال:اللهم إن ابن أبي الموالي، حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ماء زمزم لما شرب له ) (44) ، وهذا أشربه لعطش القيامة. ثم شربه.
ثم إن أطيب الناس عيشًا، وأسعدهم حالًا، من كان عارفًا بالله، وفي ذلك يقول ابن المبارك: أهل الدنيا خرجوا من الدنيا، قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها. قيل له:وما أطيب ما فيها؟ قال:المعرفة بالله عزوجل.
وعن القاسم بن محمد، قال: كنا نسافر مع ابن المبارك، فكثيرًا ما كان يخطر ببالي، فأقول في نفسي:بأي شيء فضل هذا الرجل علينا، حتى اشتهر في الناس، هذه الشهرة؟
لئن كان يصلى، إنا لنصلي، ولئن كان يصوم، إنا لنصوم، وإن كان يغزو، فإنا لنغزو، وإن كان يحج، إنا لنحج ! قال:فكنّا في بعض مسيرنا في طريق الشام، ليلة نتعشى في بيت، إذ طفيء السراج، فقام بعضنا، فأخذ السراج، وخرج يستصبح، فكمث هنيهة، ثم جاء بالسراج، فنظرت إلى وجه ابن المبارك، ولحيته قد ابتلت من الدموع. فقلت في نفسي:بهذه الخشية، فضل هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج، فصار إلى الظلمة، ذكر القيامة.