فهرس الكتاب

الصفحة 1796 من 1942

ومن الصحابة، من أسعده الله، وشرفه بالشهادة النبوية، أنه ممن ينتظر، وما بدول تبديلًا.. فعن طلحة رضي الله عنه، قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أحد، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وعزى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر، والذخر، ثم قرأ هذه الآية: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ً) ، فقام إليه رجل من المسلمين، فقال: يا رسول الله، من هؤلاء ؟ فأقبلت وعليَّ ثوبان أخضران حضرميان فقال: (أيها السائل هذا منهم) (23) .

المجاهدون وملازمة الذكر:

وذكر الله، يلازم المجاهدين في سبيل الله، وهم يستغيثون الله، ويدعونه، ويتضرعون إليه، في ساحات القتال، ويفتقرون إليه تعالى، ويخضعون له، ومع إعدادهم العدة اللازمة، فهم لا يعتمدون عليها، بل يفوضون أمرهم إلى الله، ويتوكلون عليه، أو كما وصف صاحب البردة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كأنهم في ظهور الخيل نبتُ ُربىً *** من شدة الحزم لا من شدة الحُزُمِ

ولكنهم معتمدون على عناية الله:

وقاية الله أغنت عن مضاعفة *** من الدروع وعن عال من الأطم

ودعوة هذا شأنها، وهؤلاء جنودها، فإنها منصورة بإذن الله، مهما كان أعداؤها:

ما حوربت قط إلا عاد من حرب *** أعدى الأعادي إليها ملقي السلم

وقد اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم، رجال من الصحابة الكرام، وتبعهم بإحسان رجال ممن جاء بعدهم: (والذين جآءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) (الحشر:10) .

لقد كان ذكر الله حالة غالبة عليهم، وجهاد النفس سمة تميزهم، وساحات الجهاد، سياحة لهم. والمؤمنون مأمورون بالإكثار من ذكر الله تعالى.

ثم إنه لو كان الله تعالى، مرخّصًا لأحد في ترك الذكر، لكتن ذلك مع زكريا عليه السلام حين سأله أن يجعل له آية: (رب اجعل لي ءايةً قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيامٍ إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا وسبح بالعشى والإبكار ) (آل عمران:41) ، ولكان ذلك أيضًا مع المجاهدين، وهم يقاتلون في ساحات الجهاد، فقد أُمروا بذكر الله كثيرًا: (يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون ) (الأنفال:45) .

أهل الذكر وساحات الجهاد:

وأهل الذكر، قلوبهم متعلقة بساحات الجهاد، لأنها مظنة استجابة الداء، ومدد الملائكة في الغزوات: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألفٍ من الملائكة مردفين ) (الأنفال:9) .. وقد بشرنا النبي صلى الله عليه وسلم، أن الدعاء يستجاب في ميدان القتال، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (ثنتان لا تردان- الدعاء عند النداء، وعند البأس، حين يلجم بعضهم بعضًا ) (24) ، كما روى الشافعي في كتابه (الأم) ، بسند مرسل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (اطلبوا استجابة الدعاء، عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث ) (25) .

وأهل الذكر، هم المرابطون على ثغور الإسلام: (يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعكلم تفلحون ) (آل عمران:200) .

وعيون الخاشعين، الذاكرين الله كثيرًا، مثل عيون المرابطين، يحرسون ثغور الإسلام، كتب الله لها النجاة: (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) (26) .

الجهاد من أركان الدعوة إلى الإسلام:

وأهل الذكر، مجاهدون، دعاة إلى الله.. والجهاد من أركان الدعوة إلى الإسلام، وهو ذروة سنامه، وأقصر طريق إلى رضوان الله، وأقربه، فالجنة تحت ظلال السيوف، ثم إنه لا سبيل لإعلاء كلمة الله تعالى، بدون الجهاد، وإنه لحقًا أعظم العبادات، حتى إن المالكية يذكرون باب الجهاد، متصلًا بالعبادات، اعتبارًا بنية المجاهد: (لتكون كلمة الله هي العليا) (27) .

نماذج من مجاهدي الصحابة

لقد كان الصحابة، من المهاجرين والأنصار، على مراتبهم في الأولية، والسبق، والفضل، يتصدر التعريف بكل واحد منهم، بعد ذكر إسلامه، أنه شهد المشاهد، والغزوات كلها، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يذكر في ترجمته مقدار ما شهد من هذه المشاهد، وشارك في تلك الغزوات، مع ذكر جمعه للقرآن، أو ما حفظه منه، وذكر عبادته، وتهجده، وإنفاقه، وبذله.. وهكذا كانت سيرة الخلفاء الراشدين، إلى تمام العشرة المبشرة، وقد زادوا فوق ذلك، تحمل أعباء الخلافة، والإمارة، والقيادة (28) .

وحيثما نظرت في تراجم هؤلاء الرجال، وجدتهم في المشهورين بالعلم، والزهد، والتعبد، والجهاد، ومن بينهم عدد وافر من الصحابيات العابدات، اللائي اشتركن في جملة من الغزوات، بما تيسر من مشاركة مناسبة، كالسقي، والتمريض، والنقل، والأعمال الإدارية، مع المشاركة الفعلية في القتال أحيانًا (29) ، وقد شاركت جملة من أمهات المؤمنين في بعض هذه الغزوات، بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وفقًا لقسمهن، وسهمهن، في الخروج (30) .

وهذه نماذج يسيرة، من هدي خير القرون، من جيل الصحابة، السابقين بالإحسان، من المعروفين بالقراء والعلماء، الذين كانوا من أهل التقوى، والمغفرة، والجهاد، والبذل في سبيل الله، والعبادة، والتهجد، والصوم، وسلامة الصدر، ولزوم الذكر:

1-مصعب بن عمير.. المقرئ:

أول من يهاجر إلى المدينة، داعية إلى الإسلام، يمضي شهيدًا يوم أحد، وهو يتلو القرآن في الميدان:

لقد ظل مصعب بن عمير يعلِّم القرآن، ويدعو الناس للإسلام، واستشهد يوم أحد وهو يحمل الراية، وجعل يقرأ القرآن في الميدان، يثبت به المؤمنين، وكان آخر ما قرأ: (وما محمد إلا رسولُُ قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزى الله الشكرين ) (آل عمران:144) .

2-سالم مولى أبي حذيفة.. يحمل اللواء يوم القيامة، على درب مصعب بن عمير (31) :

كما اعتنق سالم مولى أبي حذيفة، اللواء يوم اليمامة، وجعل يدعو الناس للاجتماع والقتال: (يا أهل سورة البقرة، يا أهل سورة آل عمران) ، وأنكر على من ظن به أن الراية تسقط من يده فقال: (بئس حامل القرآن أنا إذًا) . وقطعت يداه، والراية على صدره، بين يديه، وهو يقرأ بين يدي استشهاده، تمامًا مثلما صنع مصعب ابن عمير، قرأ: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. .) (آل عمران:14) (32) .

3-معاذ بن جبل.. أنموذج فريد، في حب الله، ولقائه:

لقد حُبب لقاء الله إلى الصحابة، وهم سادة الذاكرين، إنهم كانوا يذكرون الله تعالى ذكرًا كثيرًا، فزكت نفوسهم، واشتاقوا للقاء الله، إن كانوا في ميدان الجهاد، فهم يرجون الشهادة، وإلا فحسن الختام، وهم في سبيل ذلك يلبون النداء، فيخرجون عن المدينة، التي يحبونها، ويحتملون ألم فراق سيد الصحابة، بل سيد الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المحجلين صلى الله عليه وسلم.

وإنه يمثل لنا هذا الأنموذج، معاذ بن جبل رضى الله عنه، وقد كان معلمًا، داعية إلى الخير، مجاهدًا. فعن عاصم بن حميد، عن معاذ بن جبل قال، لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه، ومعاذ راكب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: (يا معاذ عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا، وقبري ) ، فبكى معاذ خشعًا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التفت، فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: (إن أولى الناس بي، المتقون، من كانوا، حيث كانوا ) (33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت