فهرس الكتاب

الصفحة 1381 من 1942

إن معظم مشاكل الأمة تكونت بفعل الأنظمة الاستبدادية غير الشرعية، التي تغيب عنها مساءلة الأمة. هذه الأنظمة هي التي نما وترعرع الفساد في كنفها، فانهارت مشروعات التنمية. تلك التنمية التي تتبدى للعيان في التخلف المزمن في مجال التنمية الاقتصادية والبشرية. فمن غير المقبول أن يبقى مجموع الناتج العام للعالم الإسلامي كله، بمئات ملايينه التي تزيد على خُمس أبناء البشرية وبرقعته الجغرافية التي تغطي حيزا كبيرا من المعمورة وتزخر بثروات عديدة، مقصورا على نسبة لا يُعتدّ بها في أرقام الاقتصاد العالمي وحساباته.

ومن التحديات كذلك أزمة التعليم والثقافة التي تتجلى في الجهل والأمية الحَرفيّة والرقمية، وضعف مناهج التعليم في أرجاء العالم الإسلامي، وندرة مراكز الأبحاث والعلوم، وغياب تكنولوجيا المعلومات التي هي القوة الأولى المحرّكة للاقتصاد العالمي، وندرة الكتب والمؤلفات وقلة القارئين في العالم الإسلامي.

ويعاني العالم الإسلامي كذلك من أزمة القيم التي تتجلى في عدم التقيّد بالحقوق العامة، وفي مقدمها حقوق الإنسان وكرامته وغيرها من الممارسات اللاإنسانية التي تخدش مفهوم القيم في مجتمعاتنا، وتجعلنا موضع النقد والتندر.

كما أن العالم الإسلامي يعاني في الفترة الأخيرة من ظاهرة تفشي تيارات التطرف الديني، وما نجم عن ذلك من أعمال عنف وإرهاب وظهور اتجاهات تكفيرية ومدارس للتعصّب الديني. وقد شجعت أعمال العنف والإرهاب خارج العالم الإسلامي وداخله أخيرا استشراء ظاهرة عداء الإسلام وكراهيته في العالم، وهو ما أوجد بدوره تحديا جديدا خطيرا يقتضي من العالم الإسلامي التعامل معه ومع غيره من التحديات بمنهجية عصرية وخطط ناجعة... والكثير من الجدية والمسؤولية.

سنن الله الحاكمة

واقع العالم الإسلامي حسب التشخيص الأمين يؤكد أن المسلمين ناس من الناس، وأمة من الأمم، لا يتقدمون إلا بما يحوزون من العلم والعمل والكفاح، وتجري عليهم سنن الله الحاكمة في هذا الكون، فإن أخذوا بهذه السنن نالوا السبق وحققوا أهدافهم، وإن خاصموها وتخلوا عنها- كما هو حالهم الآن- تداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.

فكل أمة من الأمم لها ساعات إقبال وساعات إدبار، وللحضارات في أيام تراجعها خصائص تلازمها، وكذلك سلوك أبنائها المنتمين إليها، كما أن لها خصائص تلازمها أيام نهضتها وكذلك سلوك أبنائها المنتمين إليها.

والفرق بين حالة النهضة وحالة التراجع أنه في حالة النهضة يرتفع سلطان العلم والمعرفة بحثًا عن الإبداع، أما في حالة التراجع فينكمش العقل ويتضاءل دوره ويحل محله شطحات الخيال، فلا يتبدى الواقع على حقيقة ولكن يتبدى كما يريده الخيال.

وفي حالة النهضة تفتح الأمة ذراعيها للآخرين تواصلًا معهم وتنافسًا، أما في حالة التراجع فتشيع روح العزلة ويسود الانقطاع والابتعاد والإحساس بالخطر وسوء الظن بالآخرين.

وفي حالة النهضة أيضا تتطلع الهمم إلى المستقبل وتنشغل به وترجو منه خيرًا وتطمح إلى مزيد من الريادة. أما في حالة التراجع فيكون الماضي وحده هو الملاذ انطلاقا من اليأس فلا يبقى إلا التغني بأمجاد الأولين والتشكيك في أمجاد الآخرين.

ظواهر سلبية

إننا هنا نرصد بعض الظواهر السلبية والغالبة في العالم الإسلامي اليوم وتتمثل أولاها في الحيرة الحضارية الكبرى واستمرار القضايا المعلقة، وهذه الظاهرة سائدة في العالم الإسلامي من مشرقه لمغربه. فهناك مجموعة قضايا تعيش بيننا منذ مئات السنين لا نتركها فنستريح ولا نحلها فنستريح وإنما نعلقها، مثل مكانة الدين في المجتمع، وهذا أمر خطير، فهل يعقل أن هناك أمة لم تتفق على شيء خطير كهذا؟ هناك من ينظر للإسلام على أنه نظام شامل للحياة وهناك من ينظر له على أنه يتعلق بالمساجد فقط وأن الارتباط بالإسلام هو تخلف، وهذه قضية كفيلة بأن تهدم أمة.

وهكذا فإن هناك حزبان في مجتمعاتنا وهناك حرب أهلية تبرد أحيانا وتسخن أحيانا أخرى. فهل يبقى للأمة بعد ذلك جهد لمواجهة تحدياتها. وعندنا مثل هذه القضايا الكثير في الأمور المالية والاقتصادية وفي قضايا المرأة وقضايا التربية.. الخ.

وثاني هذه الظواهر السلبية أننا أمة نعيش في فرقة وتشرذم ولا تكاد دولتان إسلاميتان لا توجد بينهما خصومة ونزاع .

فنحن نسير بعكس العالم الذي يتجمع فيه المختلفون. فأوروبا التي خاضت حربين عالميتين غير الحروب العديدة السابقة بينها تتناسى ذلك وتنشئ الاتحاد الأوربي والسوق الأوروبية، أما نحن فإذا لم نجد في حاضرنا خلافا اخترعنا خلافا.

وثالث هذه الظواهر الاشتباك الأليم بين الحكومات والرعية في غالبية الدول الإسلامية، وبسبب هذا الاشتباك سال الدم الحرام واختفى الأمن وضاعت مواردنا الاقتصادية.

والضحية الوحيدة من هذا كله هي الأمة التي لن يبقى من طاقتها شيء لتواجه به مشاكل التخلف والجهل.

وإذا كان هناك عناصر ضعف في الأمة فإن هناك عناصر قوة. وأهم عناصر القوة هذه أن تيار التدين الصحيح ينتشر في الأمة من أقصاها إلى أقصاها، كما أن تيار التوجه نحو القيم الحافظة للأديان يقوى في العالم كله لأن الناس اكتشفوا أن الجانب الروحي أهم من الجانب المادي.

وثاني عناصر القوة هو أنه رغم كل التيارات الشاردة والشاذة التي تنتشر باسم الإسلام فإن التيار العريض للأمة الإسلامية لا يزال تيارا سليما يحمل نفحات النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة الصالحين في حق وحب وخير وجمال، ولا يزال المنحرفون هامشا صغيرا عن يمين هذا التيار أو شماله.

قضيتان رئيسيتان

إننا هنا نركز على قضيتين رئيسيتين لا بد من حسمهما في واقع المسلمين كي يمكن تمهيد الأرضية للمستقبل.

أولا قضية الحرية: فالذي يبنى الحضارة ليس العبد ولكنه الحر، وهو من كان مرفوع الرأس حر الحركة، والأمة غير الحرة لن تبني حضارة. وقضية الحرية في عالمنا الإسلامي ينبغي أن تكون قضية محورية. وفي العالم عشرات من الجمعيات الدولية لحماية حقوق الإنسان لا نكاد نجد فيها مسلمًا بل كل روادها يهود.

إن الحرية غريزة فطرية ومفهوم رائع تلتقي عنده المشاعر وتتجاوب معه العواطف وتتطلع إليه النفوس، وهي ليست شيئًا ثانويًا في حياة الإنسان بل حاجة ملحّة وضرورة ماسّة من ضروراته، باعتبارها تعبيرًا حقيقيًا عن إرادته وترجمة صادقة لأفكاره. فبدون الحرية لا تتحقق الإرادة وعدم تحقيق الإرادة يعني تكبيل الإنسان ووأد كافة طموحاته وتطلعاته، وإلقائه في هوة الضياع والموت البطيء، وهو ما لا ينسجم أبدًا والغاية من وجود هذا الكائن الإلهي والدور المناط به والمسؤولية التي تقع على عاتقه، وبدون الحرية لا تتحقق ذاتية الإنسان وكرامته وقدرته على تقرير مصيره، وبدونها أيضًا لا تتحقق سعادته.

فالحرية إذن منحة إلهية للإنسان الذي حباه الله تعالى بكل المقومات الأخرى اللازمة خلال مسيرته الحياتية والتي تضمن له أداء دوره الريادي على الأرض في أحسن صورة.

وثاني هذه القضايا هو فض الاشتباك، أي أن ندخل في سلسلة من المصالحات. فنجمع الدول العربي والإسلامية ونزيل الخلافات بينها مقتدين بما يحدث في العالم من حولنا واضعين مصلحة الأمة ككل فوق كل اعتبار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت