وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم ..فربنا أمر المسلمين أن يكفوا أيديهم ويقيموا الصلاة، لكن لا يمدون أيديهم، ولم يأمرهم إلا بعد أن هاجروا وصارت لهم دولة.
على الحركة الإسلامية أن تركز على الدعوة، التي هي بصراحة بيان للحق بحسب الحال، وهي لا تحرّف الدين بغرض إقناع الناس.
[ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لايهدي القوم الكافرين ] المائدة 67.
فإذا ركزت الجماعات الإسلامية على العلم وركزت على فهم الفكر الغربي والأحوال العالمية وصاروا يشاركون مشاركة قوية سيكون النصر حليفنا بإذن الله.
إن الأمريكان يقولون إن المعركة معركة فكرية، وأنا أؤكد أنه عندما تكون المعركة فكرية أقول بكل ثقة وتأكيد نحن إن شاء الله غالبون.
فعلى الجماعات الإسلامية الدعوة إلى الإسلام وبيان العقيدة والعبادات متعاونة كل فيما ينجح فيه .. أعني أن تكمل كل جماعة الجماعة الأخرى ولامانع من التخصص مادام لا يوجد إنكار وخصومات .
** من واقع استقرائك لمجريات الأحداث … كيف ستكون طبيعة العلاقة المستقبلية بين الإسلام والغرب، هل ستكون علاقة صدام أم حوار؟
* شكل هذه العلاقة يحدده الناس، ونظرتهم إلى مصالحهم، والوسائل التي تتحقق بها هذه المصالح. فالكاتب الأمريكي هنتنجتون في تحليله ينطلق من كونه عالم اجتماع يرصد الواقع ويفسره، فانتهى من تحليله إلى أن الصدام القادم سيكون بين الحضارة الغربية من جهة والحضارتين الإسلامية والكنفوشيوسية من جهة أخرى ، ويعتمد في تحليله على أن الدول الإسلامية بدأت تتعاون مع الصين واليابان وأنهما ستمدان هذه الدول بالأسلحة.
وإذا افترضنا صحة هذا التحليل، فإن السبب في ذلك يكون الغرب، لأنه لا يريد للدول الإسلامية أن تتطور أو أن تمتلك ما تدافع به عن نفسها.
وإذا كان هنتنجتون يرى الدين مكونًا من أهم مكونات الحضارة، فإن ذلك يعني أن المسافة أقرب بين الغرب والإسلام، من تلك المسافة التي بين الإسلام والكنفوشيوسية، لأن النصارى واليهود نسميهم نحن المسلمين أهل الكتاب، ولهم منزلة خاصة في الدين الإسلامي.
إذن فالسبب الحقيقي للتعاون القائم بين المسلمين وأصحاب الحضارة الكنفوشيوسية ليس نابعًا من طبيعة الحضارتين، بل من معاملة الحضارة الغربية لهما.
وأنا استبعد الصدام وبخاصة الصدام المسلح، لأن من المعروف أن الأسلحة التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية وحدها تكفى لتدمير العالم كله عدة مرات، فكيف إذا أضيف إليها ما لدى الدول الغربية الأخرى، والصين وروسيا، وغيرها، فليس هناك من أحد سيستفيد في حالة حدوث صدام شامل، وأعتقد أن الغربيين حريصون كغيرهم على الحياة، ولن يكون أي صدام في صالحهم، ولكن هذا لا ينفي أنه سيكون هناك صدامات وحروب محلية، كما هو الحال اليوم .
** ألا ترى أن اهتمامنا يتزايد بالغرب، في حين لا نهتم بأصحاب الحضارات الأخرى؟
* نحن مهتمون به، وهناك ظاهرة عجيبة في الغرب، فما أن تقرأ ما يكتبه مفكروه الكبار، إلا وتظن أن الغرب في خطر داهم وقريب. ولذلك فهم يتكلمون كثيرًا عن العالم الإسلامي، ويعرفونه معرفة جيدة أكثر من معرفتنا نحن بالغرب، بل أحسن مما يعرف كثير منا مجتمعاتنا . أما اهتمامنا بالغرب فأمر طبيعي، لأن حضارته هي المسيطرة عسكريًا وإعلاميًا وماديًا، ومصالح كل هذا العالم مرتبطة به، حتى أصحاب الحضارات الأخرى الذين تعنيهم يهتمون بالغرب أكثر من اهتمامهم بنا .
ومع ذلك فإن للعالم الإسلامي علاقات واسعة مع الصين واليابان والهند، ولا توجد مشكلة بيننا وبينهم، أما الغرب فينبغي أن نتعرف على حضارته، لأنها هي التي تسيطر على هذا العالم كله.
** انهيار الحضارة الغربية محل مراهنة من بعض المسلمين فمن المستفيد إذا حدث ذلك؟
* انهيار الحضارة الغربية إذا حدث سيكون بسبب الانحلال الأخلاقي، فانهيار الاتحاد السوفيتي السابق، ربما يقال إنه لعامل اقتصادي، أما انهيار الغرب - إذا حدث- فسيكون لأسباب أخلاقية. فأنا أرى أن قضية المخدرات من أخطر القضايا التي تهدد الغرب، وأذكر أنَّ واحدًا ممن هداهم الله إلى الإسلام قال لي: إنه عندما تخرج قبل ثلاث سنوات أو أربع كانت نسبة الذين يتعاطون المخدرات بصفة دائمة تصل إلى 40%، إضافة إلى أن جميع الطلاب يمكن أن يكونوا قد تعاطوها مرة واحدة على الأقل، أما الآن ، فإن الذين لا يتعاطون المخدرات أصبحوا يمثلون الأقلية. وهناك مشكلة التفكك الأسري أيضًا من مهددات الحضارة الغربية، فإذا فسد الفرد بالمخدرات وانحلت الأسرة، ماذا بقى في المجتمع؟.
ولكن لماذا تقول انهيار، ولا نقول: إن الله يمكن أن يهديهم إن شاء الله إلى الإسلام أو على الأقل أن يتأثروا بالقيم الإسلامية التي بدءوا يعرفونها، وعلينا أن نرجو لهم الهداية، لأنهم إذا اهتدوا حافظوا على كل هذه الإنجازات المادية التي حققها الإنسان في هذا العصر.
ومن الخطأ الظن أن انهيار الحضارة الغربية يعني آليًا سيطرة المسلمين، لأن من الممكن أن تؤول السيطرة إلى حضارة أخرى مثل الحضارة اليابانية أو الصينية، وقد تكون الحضارة البديلة أسوأ من الحضارة الغربية، إذ ليس من الإنصاف أن ننكر أن هناك قيمًا إنسانية تلتزمها الحضارة الغربية على الرغم من كل علاتها. وسواء بقيت الحضارة الغربية أو انهارت، فإن مشكلاتنا ستظل قائمة، لأنها نابعة من داخلنا، وليس الغربيون هم الذين يمنعونا من أن نجعل أمتنا أمة شامخة. فالمسلمون منقسمون بين من يريدون بناء الحياة على أساس الإسلام ومن يريدون تبني العلمانية الغربية، وأحملّ أصحاب الفكر العلماني مسؤولية ما نحن عليه من ضعف لما أحدثوه من انشقاق في داخل العالم الإسلامي.
** في مقابل تناولكم لبعض الأخلاقيات المهددة للحضارة الغربية، هناك من يرى أن العالم الإسلامي ليس بمنأى عن بعض الاضطراب في الجانب القيمي؟.
* نعم يوجد اضطراب في منظومة القيم في العالم الإسلامي، ولكنه ليس في حدة التدهور الأخلاقي في الغرب. فهناك حوادث في الغرب تقشعر لها الأبدان كالاعتداءات الجنسية على المحارم والأطفال، وجرائم القتل التي أصبحت وجبة يومية، ولم يُعد مستغربًا أن يُقتل الإنسان من غير جناية ارتكبها إلا أن هناك إنسانًا مخدرًا يحمل معه سلاحًا يريد استخدامه. أما في عالمنا الإسلامي فلا تزال الأسرة على تكاتفها وتماسكها مهما بدا لنا أن الأمور ليست على ما يرام.
** نأتي إلى إشكالية دائما ما يثيرها العلمانيون وهي الإسلام والديمقراطية.. ألا ترون أن الربط بين الدين والدولة يتم عادة على حساب الديمقراطية وهل ينفي الإسلام الديمقراطية؟.