فقد لاحظ العلماء مثلًا أن عنصر الأكسجين يتحد مع عنصر الهيدروجين بنسبة معينة ليتكون من هذا الاتحاد جزئيات الماء ، وفق المعادلة التالية:
ثم لاحظ العلماء أن الأكسجين نفسه يتحد مع الكربون بنسبة مختلفة عن النسبة التي اتحد بموجبها مع الهيدروجين ، فينتج من ذلك ثاني أكسيد الكربون كما يلي:
ثم عرف العلماء أن هذه الظاهرة تتكرر في بقية العناصر الكيميائية ، فيتحد كل عنصر مع العناصر الأخرى ، وفق نسب معينة تتعلق بالأوزان الذرية لهذه العناصر .. وعندئذ توصل العلماء إلى معرفة السنة، التي يتم بموجبها اتحاد العناصر الكيميائية بعضها مع بعض ، وأطلقوا على هذه السنة اسم ( قانون النسب) الذي يحمل اليوم اسم الكيميائي (دالتن) .
ونأخذ مثالًا آخر من علم الاجتماع .. فعندما لاحظ الباحثون الاجتماعيون أن تفشي ظاهرة اجتماعية معينة في أحد المجتمعات يؤدي إلى حدوث تغييرات واضحة المعالم في بنية هذا المجتمع .. وعندما لاحظوا أن تلك الظاهرة نفسها تؤدي لحدوث نفس التغييرات في المجتمعات البشرية الأخرى .. عندئذ أيقنوا أن حياة المجتمعات قاطبة محكومة بنوع من السنن الصارمة التي تحكم تطورها واتجاهها .. وبناءً على هذه المعطيات استطاع هؤلاء الباحثون تحديد معالم بعض السنن الاجتماعية ، ووضعوا على أساسها أصول ( علم الاجتماع ) !
ومن هنا .. يمكن أن نخرج بتعريف أولي للعلم على ضوء علاقته بالسنن التي فطر الله عليها أمور الخلق ، فنقول: ( العلم: هو المعرفة اليقينية بالسنن ، التي تحكم جزئية من جزئيات هذا الوجود ) وهذا التعريف للعلم يحدد لنا المسألة تحديدًا دقيقًا ..
فلا يصح أن أدعي بأن عندي علمًا بقضية ما من القضايا ، ما لم أكن قد عرفت يقينًا السنة التي تحكمها ، مع الأخذ بعين الاعتبار ، أن معرفة السنة التي تحكم ظاهرة ما ، تعني بالضرورة معرفة كل العوامل والشروط المتعلقة بالظاهرة المحيطة بها ، وتعني كذلك القدرة على إعادة تشكيل الظاهرة من جديد انطلاقًا من تلك العوامل والشروط .. وبمعنى آخر: فإن العلم بظاهرة ما من ظواهر الوجود يعني أمرين اثنين:
1 -القدرة على التنبؤ بنتائج الظاهرة تنبؤًا يقينيًا ، وليس مجرد ظن ، لأن الظن قد يصيب وقد يخطئ ، ويعني كذلك أننا لم نحط بالظاهرة إحاطة تامة .
2 -القدرة على تسخير الظاهرة نفسها من خلال تهيئة شروطها وأسبابها ، التي سبقت معرفتنا بها .
وهذا هو العلم اليقيني ، الذي لا يدانيه باطل .
وهذا هو العلم النافع ، الذي يمكن به تسخير العالم المحيط بنا تسخيرًا صحيحًا .
وهذا هو العلم الذي يحثنا القرآن الكريم على تحصيله ، وذلك من خلال عدد كبير من الآيات .. فقد وردت كلمة ( العلم ) بتصريفاتها المختلفة فيما يزيد عن سبعمائة آية ، مشفوع معظمها بالدعوة إلى التأمل في آيات الله ( أو سننه ) على بصيرة ، ووفق المعايير العلمية المبرأة من الظن والهوى!
وقد كان لهذه التوجيهات القرآنية الحكيمة أثر هام في تشكيل العقلية الإسلامية ، التي استطاعت فيما بعد إرساء قواعد البحث العلمي ، وأصول المنهج التجريبي ، لأنها أصبحت تنظر إلى الكون نظرة جديدة لا تكتفي بمجرد الدهشة والانبهار ، عند اكتشاف سر من أسرار الخلق ، أو سنة من سنن الخلق .. بل أصبحت تنظر إلى الوجود نظرة علمية إيجابية ، تستهدف فهم السنن التي فطر الله عليها أمور الخلق ، ومن ثم تسخير هذه السنن ، و الاستفادة من معطياتها في تصريف شؤون الحياة ، وعمارة الأرض على الوجه الذي أمر به رب العزة سبحانه .
علم الكتاب:
والحق .. أن القرآن الكريم لم يقف بالمسلمين عند هذه الحدود في حثهم على العلم ، بل تجاوز ذلك إلى تحريض العقلية الإسلامية على التحليق نحو آفاق أبعد وأرحب ، حين تحدث حديثًا مسهبًا عن واقعة خارقة للعادة ، ثم ربطها ربطًا مباشرًا بقضية العلم ، وتلك هي قصة نبي الله ( سليمان ) عليه السلام مع (بلقيس) ملكة ( سبأ ) التي طلب من جنوده إحضار عرشها قبل أن تأتيه وقومها مسلمين ، فتصدى لهذه المهمة الصعبة واحد من الجن (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين ) (النمل: 39) ، لكن سليمان عليه السلام كان يطمح للحصول على العرش بأسرع من ذلك ، فراح ينظر فيمن حوله متسائلًا عمن يستطيع تحقيق حلمه ، وعندئذ (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) (النمل: 40) ، وما هي إلا لحظات خاطفة حتى كان العرش الثمين بين يدي النبي عليه السلام !
وواضح من خلال السرد القرآني البليغ لهذه القصة الطريفة ، أن قضية إحضار العرش من أقصى اليمن، حيث كانت تعيش الملكة بلقيس ، إلى فلسطين ، حيث كان يعيش نبي الله سليمان ، كان أمرًا معجزًا خارقًا للعادة آنذاك ، يوم لم يكن معروفًا من وسائل التنقل غير الدواب .. لكن الملفت للنظر حقًا ، أن القرآن الكريم لم يعرض الواقعة بوصفها أمرًا معجزًا وكفى ، بل عرضها عرضًا متميزًا يدعو للتأمل والتدبر، إذ نجده يؤكد على دور العلم في القضية ، نلمح ذلك من خلال معالجة كل من العفريت والذي عنده علم من الكتاب لهذه القضية .. فالعفريت من الجن أراد إحضار العرش معتمدًا على قدراته الجسدية ، التي منحه الله إياها خلقة فقال: (وإني عليه لقوي أمين ) وأما ( الآخر ) الذي أحضر العرش فعلًا خلال زمن قياسي قصير جدًا فقد لجأ إلى ( العلم ) الذي تشير الآية الكريم إلى أنه (علم من الكتاب) !
وقد اختلف المفسرون في بيان حقيقة هذا الكتاب ، فقال بعضهم: إنه التوراة . وقال بعضهم الآخر: إن الذي أحضر العرش كان يعرف اسم الله الأعظم . وقال آخرون أقوالًا غير هذا وذاك ودون تعليل مستيقن ، ونحن نرى أن الأمر أقرب وأظهر من ذلك كله ، حين ننظر إليه بمنظار الواقع الملموس .. فكم في هذا الكون الرحيب من أسرار نجهلها .. وكم فيه من سنن لا ندركها .. وحينما يشاء الله عز وجل أن يكشف شيئًا من ذلك ، فإنه يهدي من يشاء إلى ( السر ) ، ويرشده إلى فهم بعض السنن الكونية التي يحصل من تسخيرها ما يبدو لنا - نحن الجاهلين بذلك السر - أنه خارج عن المألوف ، خارق للعادة !
وعل هذه الشاكلة يمكن أن نفهم كيف حقق ذلك العبد ( الذي عنده علم من الكتاب ) تلك الخارقة العظيمة في نقل عرش الملكة آلاف الأميال خلال لحظات خاطفة !!
واليوم .. نحن نعيش هذه الثورة العلمية ، التي تطلع علينا كل صباح باختراعات وإنجازات مذهلة ، نجد أنفسنا وقد أصبحنا أقرب إلى فهم تلك الواقعة التي حدثنا القرآن عنها ، كما أصبحنا ندرك إدراكًا مباشرًا لماذا ربطها بقضية ( العلم ) ، وبخاصة أن العلم الحديث قد أتاح لنا تحقيق منجزات تقارب تلك الخارقة في عظمتها ، وذلك بفضل الله الذي هدانا إلى كشف الكثير من السنن ، التي مهدت لنا صنع الطائرات النفاثة ، والمركبات الفضائية ، القادرة على الطيران بسرعات تتجاوز الصوت بمرات ومرات !
وقد تناقلت وكالات الأنباء مؤخرًا أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت فعلًا بتنفيذ مشروعها الطموح لإنتاج ( قطار الشرق السريع الجديد ) وهو في الواقع ليس قطارًا بل طائرة صاروخية تفوق سرعتها سرعة الصوت بنحو ( 25 مرة ! ) تستطيع مثلًا قطع المسافة القصية ما بين ( لندن ) في إنجلترا و ( سيدني ) في استراليا بأقل من ( 45 دقيقة ! ) وهذه المسافة تزيد أضعافًا مضاعفة عن المسافة التي نقل عبرها عرش بلقيس !!